الأربعاء 21 نوفمبر 2018 2:45 ص القاهرة القاهرة 20.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

بعد إسقاط الإخوان: الميدان فى مواجهة الضغوط المذهبية

نشر فى : الأربعاء 24 يوليه 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 24 يوليه 2013 - 8:00 ص

ليس للإخوان المسلمين سمعة طيبة فى المشرق العربى خصوصا، أما فى سائر الجهات العربية فإن صورة هذا التنظيم العريق ــــ تاريخيا ــــ يسودها قدر من الغموض يختلط فيها الارتياب بمقاصده الانقلابية فى ظل التباسات عديدة فى سلوكه السياسى المرتكز أساسا على الشعار الدينى مع تغييب لبرنامجه الاقتصادى ـ الاجتماعى، فضلا على الارتباك فى تحالفاته السياسية.

لقد ثبتت لهم صورة محددة فى ذهن الأكثرية العربية: أنهم يفضلون العمل السرى فى أنشطتهم ويعتمدون صيغة «الجماعة» ذات الإيحاءات الدينية على صيغة «الحزب» بدلالاته السياسية المحددة ببرنامج واضح فى رؤيته لمجتمعه واحتياجاته وطموحاته وموقعه منها.

كذلك فقد طاردتهم شبهة اللجوء إلى الاغتيال السياسى فى مواجهة خصومهم، وبالتحديد الحكام منهم، والتكتم وتقصد الغموض فى علاقاتهم بالقوى السياسية ذات التاريخ، فى المشرق أساسا ثم فى سائر أنحاء الوطن العربى.

كان شعارهم الإسلامى يأخذهم ـ فى سلوكهم العملى ـ إلى موقع العداء أو الخصومة مع حركة العروبة والأحزاب ذات التوجه القومى العربى عموما، وربما تمددت هذه الخصومة فطاولت الأحزاب والهيئات والقوى ذات التوجهات الوطنية.

ثم إنهم كانوا متهمين بمهادنة الأنظمة الموالية للغرب (السعودية مثلا) بل الغرب الاستعمارى عموما، على حساب نضال الشعوب من اجل التحرر واستعادة قرارها الوطنى الحر.

إضافة إلى هذا كله كانت لهم «سمعة دموية»، وكان خصومهم يتهمونهم باعتماد سياسة التواطؤ والسرية، فى مواجهة من هم «خارجهم» والتصفيات لردع من يخالفونهم من داخل التنظيم أو فى محيط أصدقائه.

●●●

ربما لهذا كله أصيب العرب، خارج مصر، بالصدمة بقدر ما صدم المصريون وأكثر، حين برز الإخوان المسلمون بعد انفجار الميدان فى القاهرة بانتفاضته الأولى، والتى لم يشاركوا جديا فى إطلاقها، كطرف مقرر بالتواطؤ مع قيادة المجلس العسكرى الأعلى (المشير طنطاوى).. ثم توالت المفاجآت عبر مزيد من التواطؤ مع المشير ورفاقه: التعديل الدستورى الأول، انتخابات المجلس النيابى ومجلس الشورى، وصولا إلى الانتخابات الرئاسية.

ومعروفة هى الالتباسات وأنماط التحالفات والمخاصمات التى حكمت مسار الانتخابات الرئاسية والتى وفرت فرصة قدرية لمرشح ناقص الكفاءة والخبرة معدوم الثقافة السياسية لأن يكون أول رئيس أخوانى فى الدولة العربية الرائدة فى الفقه الدستورى وتجربة الانتخابات والنضال الديمقراطى.

لم يسقط ذلك الحدث الاستثنائى من خارج التوقع فقط، ولكنه جاء من خارج المسار الطبيعى لانتفاضة الميدان وشعاراته المعبرة عن طموحات الملايين التى احتشدت فيه على مدى شهور: لقد فاز بالرئاسة من لم يختره الميدان مرشحا، ومن لم ينتخبه اقل من نصف الناخبين المصريين إلا اضطرارا وهربا من المرشح الآخر الذى كان فوزه يعنى اغتيال الميدان وأهدافه.. فى الميدان وبأيدى أهله.

وكانت تلك فرصة تاريخية استثنائية لجماعة الإخوان المسلمين لإثبات جدارتها بالمسئولية الوطنية، وبالثقة الشعبية التى رفعت واحدا من قيادييها إلى سدة الرئاسة، ولو لتعذر إيصال المرشح المعبر ـــــ حقيقة ــــ عن ضمير الميدان وعن تطلعات ملايين المصريين إلى الخروج من نفق الحكم الفردى المصفح بالعسكر وبالفساد الشامل الذى أنهك «الدولة» فى مصر وخرب إدارتها واقتصادها وألحق قرارها بالهيمنة الأجنبية وإسرائيل أبرز هذه المصالح وأخطرها.

لكن الإخوان الذين أسكرهم هذا الفوز من خارج القدرة والتقدير قد تصرفوا بكفاءة نادرة المثال لكى يخسروا، وبالسرعة القصوى، هذه الفرصة الاستثنائية التى لم تكن تخطر لهم ببال.

لم يعرف الإخوان أن يربحوا، ثم ها هم يتصرفون وكأنهم لا يعرفون كيف يحجمون خسارتهم، وهى هائلة، وهكذا فقد اندفعوا يقامرون بتاريخهم كله وبرصيدهم الشعبى الذى اجتمع لهم حين كانوا فى موقع «المقهور» أو «المغلوب على أمره»، والذى تقاتله «الدولة» جميعا ثم تهادنه ـ فى لحظات محددة ـ لكى تستخدمه فى قهر حركة الاعتراض الشعبى الواسع أو التزوير عليها بإظهار «الإخوان» نوابا، يبررون للحكم خطاياه ويسفهون معارضيه الذين طالما اتهموه بالديكتاتورية وتزوير إرادة الشعب.

●●●

هل هذا حديث عن الماضى وفيه؟!

أبدا، إنه حديث عن المستقبل.. ذلك أن حكم الإخوان قد كشف مصر لكل المتربصين بها ممن يريدون التخلص من خطر دورها القيادى فى أمتها، واستدرج العديد من القوى المعادية إلى التقدم لمحاولة تدجين الميدان الذى اسقط حكم الإخوان، وبأقصى سرعة ممكنة، وشراء انتفاضته بالذهب للتأثير المباشر فى المرحلة الانتقالية لتنتهى مسيرتها بنتائج تطمئن الخائفين من سيادة المناخ الثورى فى المنطقة العربية عموما.

فليس من غير دلالة أن يكون أول من يزور القاهرة، بعد انتفاضة 30 يونيو وتنصيب الرئيس المؤقت، ومن قبل أن تتشكل الحكومة الانتقالية، نائب وزير الخارجية الأمريكية، ثم أن تليه وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبى، ثم أن يكون أول مسئول عربى هو الملك الأردنى.. وكل هؤلاء ليسوا من دعاة الثورة، أى ثورة، وليسوا ــــ بالتأكيد ـ من الحريصين أو من المرحبين بعودة مصر إلى دورها القيادى فى أمتها العربية.

يتصل بذلك التدفق الأسطورى فى حجمه، والمباغت فى توقيته، للمساعدات والإعانات ـ قروضا وهبات وبين بين ــــ من الدول النفطية، تحت الراية السعودية، التى لم يعرف عنها إيمانها بالثورات الشعبية أو بنصرتها لإرادة التغيير الثورى، أو إيمانها بحق الأجيال الجديدة ونخبهم ممثلة بشباب ثورى من نمط «تمرد» فى التقدم لقيادة حركة التغيير فى دولة عظيمة الأهمية والقدرة على التأثير فى محيطها مثل مصر.

إن الزوار ــــ الضيوف الأوائل الذين توافدوا على القاهرة يشكلون ما يمكن من اعتبارهم «لجنة فاحصة» لنوايا قادة حركة التغيير الذين نجحوا ـــ بالاتكاء على الجيش ـ فى إسقاط حكم الإخوان فى الميدان وعبر الإرادة الشعبية التى احتشد لإعلانها مدوية عشرات الملايين فى القاهرة وسائر المدن والقصبات والدساكر فى طول مصر وعرضها.

هل هى الخصومة للإخوان المسلمين أم هو الخوف من أن تكمل حركة التغيير الثورى مسيرتها بعدما استعاد الميدان وعيه وقرر استئناف مسيرته من أجل بناء نظام سياسى يعكس طموحات الشعب المصرى إلى إعادة بناء دولته العريقة على أسس من الديمقراطية والعدالة، واستعادة مصر دورها القيادى فى أمتها وفى محيطها العربى والأفريقى وصولا إلى المستوى الدولى؟

هل هو هجوم استباقى من أهل النفط الذين طالما تصرفوا كمجرد منفذين لإرادة «الخارج» لمصادرة الثورة بالذهب بعدما فشل حملة الشعار الدينى فى الهيمنة على ميدانها وشطبه بوصفه القيادة ومصدر القرار فى كل ما يتصل بحاضر مصر ومستقبلها ودورها فى محيطها؟

إن ملك الأردن ليس أفضل داعية للثورة والثوار، بل لعله أفضل ناقل للهواجس الإسرائيلية ومعها الهواجس الخليجية وقد تلاقت جميعا على إظهار القلق من أن يكون «العهد الجديد» فى مصر هو الداعية والمبشر والنموذج للتغيير الثورى فى المنطقة العربية جميعا.. ولذا فلابد من محاصرته ومحاولة التسلل إلى صيغة الحكم المؤقتة فيه للتأثير فى قراراتها بحيث تمهد لاستيلاد مصر جديدة، ولكن غير تلك التى حلم بها ثوار الميدان واصطنعوا لها بدل الثورة ثورتين، وما زالوا على سلاحهم حتى لا تسرق الثورة مرة أخرى، ومن الخارج هذه المرة.. و«الخارج» موجود فى «الداخل» وبقوة كما يعرف الجميع، وكما ستكشف الأيام المقبلة.

 

رئيس تحرير جريدة « السفير» اللبنانية

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات