الأربعاء 13 ديسمبر 2017 8:55 م القاهرة القاهرة 17.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

ليالي الحظر ونهارات الدماء

نشر فى : السبت 24 أغسطس 2013 - 9:20 ص | آخر تحديث : السبت 24 أغسطس 2013 - 9:20 ص

بعد إعلان حظر التجوال في ١٤ أغسطس، ولليالٍ عديدة، كانت شوارع القاهرة مظلمة صامتة. لم أرها هكذا أبدا. يقول التعبير الإنجليزي: "هادئة كالمشرحة".

إلا أن مشرحتنا هنا، في زينهم، هي أكثر مواقع المدينة نشاطا وحركة: القتلى يأتون بالعشرات، الحاويات الضخمة المثلجة تنتظر في الشارع الضيق لتأوي الأجساد التي لا تستوعبها المشرحة، الأهل والأصدقاء، جزعين، يحاولون التوصل لجثامين أحبائهم والتعرف عليها؛ سكان المنطقة يحرقون البخور على الطريق في محاولة لستر رائحة الموت ... المشرحة هي النقطة التي يظل واقعنا يعود إليها.

وفي الشوارع حيث يحيا الأحياء، شوارع مدينتنا، "المدينة التي لا تنام"، نعيش وكأننا ننتظر غارات جوية: مصابيح الشوارع مطفأة، الشرفات والنوافذ معتمة. صمت وظلام.

كانت هناك مناطق متوهجة، تواجد النور في عشرات المواقع عبر البلاد؛ وهج ساطع مشتعل، يثب من النوافذ ويلعق الجدران ويتقافز ليمسك بغصون الأشجار القريبة. نار أحرقت اثنين وأربعين كنيسة، أحرقت القصر الأثري الذي كان مقر محافظة الجيزة، وأحرقت مدرسة الفرنسيسكان في بني سويف، ومكتبة الأستاذ محمد حسنين هيكل في برقاش، وغيرها، وغيرها.

هذه الحرائق هي رد الفعل لفض وزارة الداخلية اعتصامات الإخوان المسلمين في القاهرة، فضا عنيفا ترك في اثره المئات من القتلى. نفى متحدثون باسم الإخوان المسلمين أى مسؤولية للإخوان عن الحرائق، لكن الشهود من أهل المناطق المختلفة أجمعوا على أن مجموعات من الإخوان هي من هاجم المباني وأشعل فيها النيران. وكلنا، على أي حال، شاهدنا التحريض المستمر ضد المسيحيين، وسمعنا التهديدات المختلفة.

ففي إرهاصات ٣٠ يونيو، كما بعد عزل الرئيس محمد مرسي، طلع علينا قيادات وممثلون للإخوان بتهديدات اشتهرت الآن: "محمد مرسي خط أحمر. اللي هيرش محمد مرسي بالميه، هنرشه بالدم!" وأيضا: "هنفجر مصر!" ظننتني أستمع إلى تعبيرات مجازية، ثم جاء الوصف الأكثر تفصيلا وحَرفية: "هيكون فيه دماء.

هيكون فيه سيارات مفخخة. هيكون فيه تفجير بالريموت كنترول!" و"هذا الذي يحدث في سيناء - ردا على هذا الانقلاب العسكري ـ سوف يتوقف في الثانية التي يعلن فيها عبد الفتاح السيسي أنه تراجع عن هذا الانقلاب .."

ولم يتراجع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، قائد القوات المسلحة. بل خرج يطلب من الشعب تفويضا للتعامل مع "الإرهاب"، وفي ٢٦ يوليو خرج الشعب فرحا صاخبا ففوضه.

ليلتها عدت إلى بيتي في الثانية صباحا فوجدتني في قلب احتفال شعبي: الأغاني تنطلق من سماعات ضخمة على ظهر سيارة ربع نقل، والمئات يغنون ويتضاحكون ويرقصون، يلوحون بأعلام مصر وببوسترات الفريق السيسي. تعرف على أحد الرجال، صاحب محل تحت بيتي، فرافقني إلى الباب. قال: "هيخلصونا م الجماعة دول ويمشوا. هيمشوا، صح؟"

التنبؤ مستحيل. هناك من يقول أن الجيش سيعود إلى الثكنات، أو أنه تعلم درس عام ٢٠١٢ - وهو العام الذي حكم مصر فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة فنجح في إغضاب الشعب - وأن قياداته ستحمي مصالحها وأوضاعها الاستثنائية وتعود إلى إدارة الأمور من الكواليس.

وهناك من يقول أن الجيش تعلم الدرس فعلا، فاليوم سيؤمن عودته إلى السلطة بالمساندة - بل المطالبة - الشعبية. منذ ٣٠ يونيو والإعلام يصدح بمديح القوات المسلحة، ويوم الثلاثاء بدأ الإعلام في تداول أول مجموعة صور للفريق السيسي بالملابس المدنية والترويج لها.

الشئ المهم حقيقة في هذه اللحظة هو أن يتوقف القتل. فقد انفلت القتل من قيوده المعتاده. كان من شبه المؤكد، في الماضي، ان القتل حين يحدث، يكون من عمل الدولة، أو بلطجية الدولة، وإلى يوم ٢٨ يناير ٢٠١١ كانت يد الدولة القاتلة هي الداخلية. وحين هُزِمت الشرطة في شوارع الثورة، تسلم الجيش عملها. لكن الجيش لم يكن ماهرا في تغليف وتأطير القتل بما يجعله متعدد الفوائد، فعاد الأمن متسللا ليعاونه. وفي يونيو ٢٠١٢ كان لنا أول رئيس منتخب، وفي سنة حكمه انتهى احتكار الدولة للعنف.

تصدت مجموعات من شباب الإخوان المدرب ومؤيديهم للتظاهرات وقتلت المتظاهرين، وفي تظاهرات قصر الاتحادية في ديسمبر ٢٠١٢ أقام الإخوان مقرا للتعذيب. استمرت الداخلية في عمليات الاختطاف والتعذيب والقتل، وكان أغلب استهداف الداخلية والإخوان استهدافا للنشطاء والثوار والمحتجين: نذكر محمد جابر (جيكا)، ومحمد الجندي، ومحمد الشافعي، والحسيني أبو ضيف، وغيرهم. كما امتد القتل فتوسع إلى القتل العقابي الأهلي، والقتل الطائفي، أي القتل على الهوية، فقد نجح حكم الإخوان وخطابهم حيث فشلت جهود حسني مبارك، والأجهزة الأمنية، والمجلس العسكري: نجح في تأليب الشعب المصري على نفسه.

كيف سنوقف القتل؟ في الثالث من يوليو قام الجيش، بتأييد شعبي هائل، بعزل محمد مرسي، وبدأنا المرحلة التعيسة التي نمر بها الآن. كان يجب، بدلا من قرار العزل، أن يكون القرار بإجراء استفتاء على انتخابات رئاسية مبكرة؛ بهذا يُحَد من حالة التفكك، ويتم الحفاظ على فكرة الديمقراطية.

لا أجد من يجيبني على سؤالي: لماذا لم يُتَّخذ هذا المسار؟ أسمع تلميحات مبهمة حول ما كان مرسي "ينتوي أن يفعل"، أو تكهنات حول كيف أن ترحيب الشارع بتدخل الجيش زَيَّن للفريق الطريق الأقصر. يبدو من الواضح أن الاستفتاء لم يكن ليأتي بنتيجة لصالح الإخوان ومؤيديهم، وأنهم كانوا سوف يضطرون لمراجعة جادة لأنفسهم ليتعرفوا على مكونات رؤيتهم وممارساتهم التي جعلتها غير ملائمة لمصر ومرفوضة للمصريين. كان هذا خيرا لنا جميعا، وبدلا منه حصلنا الآن، أخيرا، على النموذج الخاص بنا من "الحرب على الإرهاب".

الأحد مليت من أمسيات الحظر وحدي فذهبت إلى بيت أخي. أفتح اللابتوب على السفرة فأرى التغريدة: "مقتل 38 مسلح وخطف ضابط اثناء محاولة تهريب 30 إخواني خلال ترحيلهم لسجون أبوزعبل - ". خلال المساء أبقينا عينا على تويتر، وعينا على الفريق السيسي يلقي خطابا طويلا هادئا على قاعة عامرة بضباط الشرطة والجيش.

يؤكد الفريق أن مصر ليست تحت حكم عسكري، يطمئننا أن"الشعب المصري إرادته حرة، يختار من يشاء يحكمه، ونحن أمناء على هذه الإرادة، الجيش والشرطة أمينة على إرادة الناس في اختيار حكامها". كلمات منتقاة.

نتساءل إن كان للحضور حرية اختيار أماكن جلوسهم أم طلب منهم الامتزاج؟ خليط البدلة البيضاء والبدلة الكاكية ملفت للنظر: تمثيل بصري لرسالة يُدفَع بها إلى الشعب منذ بدء رئاسة محمد مرسي: الجيش والشرطة إيد واحدة.

هنا، مع شقيقي وزوجته وبناتهما، أستطيع أن أصدق أن أمورنا ليست على درجة مستحيلة من السوء، أننا سنعبر هذه التجربة.

ثم تنهار سرديات القص واللصق التي تصدرها الداخلية حول وفيات أبو زعبل، ويبدأ جانب من الحقيقة في الظهور: ٣٨ رجلا، أوقفوهم في محيط اعتصام الإخوان المسلمين في رابعة العدوية، وحبسوهم احتياطيا، وينقلونهم إلى السجن. وصلوا أبو زعبل فقال مدير السجن أن السجن مليان فتركوهم في سيارة الترحيلات في الحوش. لم أُحبس يوما في سيارة ترحيلات، لكن لي ابن أخت، ولي أصدقاء خبروها. وقد رأيت هذه السيارات عن قرب: صندوق معدني كبير، له نوافذ ضيقة عالية عليها قضبان من حديد.

التهوية بالصندوق سيئة لدرجة أنها كثيرا ما تحتاج إلى استعمال شفاطات الهواء. والسيارة بالكاد تسع عشرين شخصا. هنا، اليوم، تركوا في سيارة الترحيلات (على الأقل) ٣٨ رجلا، في حوش السجن في شمس أغسطس. خبط الرجال على جدران السيارة فأتى ضابط يحادثهم. أسروه. حرره زملاؤه وأعادوا وصد الباب. خبط الرجال على الجدران، زعقوا، صاحوا بأنهم لا يستطيعون التنفس، أن حرارة الشمس تقتلهم. اقترح ضابط تهدئتهم بقنبلة غاز مسيل للدموع فقذفت قنبلة داخل السيارة.

فيما تبقى من الليل متسع لتخيل اللحظات الأخيرة - ارتطام الرجال بعضهم ببعض وبالجدران المعدنية الساخنة، الجلد يتفأفأ والرئات تنفجر والفكرة تومض متكررة عصية على التصديق: هكذا يكون موتي.

وحين نتخيل الشباب نعِيهم كأفراد: شريف صيام، صحفي، ساكن في منطقة رابعة؛ منصور عباس، سكرتير عام حزب غد الثورة في الفيوم؛ محمد الديب مخرج وأحد مؤسسي رابطة فناني الثورة - أجدني ألحظ أن هؤلاء الشباب في الغالب لم يكونوا من الإخوان، كانوا من المارة، أو من المتضامنين مع الاعتصام لقسوة العنف الذي تعرض له. هل يعني هذا أني سأجد من الأسهل تقبل موتهم لو كانوا من الإخوان؟ علينا ألا نغفل أبدا، أن نكون حذرين دائما من طرقات التبرير الواسعة التي نراها تشد إليها الكثير من رفقاء طريقنا القدامى.

اللحم المهترئ والرئات المتفجرة والكدمات المدممة والوجوه الزرقاء التي صورها الأهل والمحامون - هل ستكفي لتوقظ الناس؟ لتذكرهم بأحوال شرطتنا القاتلة؟

الإثنين نصحو على أخبار بشعة جديدة: ٢٦ من الشباب من مجندي الأمن المركزي، عائدين إلى مواقعهم في سيناء لاستلام أوراق نهاية الخدمة، أنزلهم ملثمون من الأوتوبيس، أجبروهم على الرقاد على الأرض وقتلوهم رميا بالرصاص.

البلد يهتز غضباً وألما. ٢٦ شابا من أكثر قطاعات المجتمع غلبا، أدوا واجبهم تجاه الوطن وسيبدأون الآن في تكوين حياتهم، فتسرق منهم الحياة. الدرس: علينا أن نحارب الإرهاب نحارب الإرهاب نحارب الإرهاب. قنوات التلفزيون تحمل بانرات: "الحرب على الإرهاب"، "مصر تواجه الإرهاب". يا فرحة قلب دونالد رمزفيلد.

يأتون بأهل الشباب المقتول إلى الكاميرات فيقول أب حزين أن على الفريق السيسي واللواء محمد إبراهيم أن يقتلوا الفاعل حالما يمسكوا به. يطالب بعدم المحاكمة، بقطع رأس الثعبان. تعاد هذه اللقطة وتعاد. يقول خال أحد الشباب أنه يحمل الفريق السيسي المسؤولية؛ فقد كان على الدولة أن تحمي المجندين. لا نرى هذه اللقطة ثانية.

ليالينا محظورة ونهارنا تلطخه الدماء. نحن اليوم في مكان مظلم، مظلم جدا، مظلم لدرجة أنه يسمح للبعض أن يعجب لتوقيت اغتيال الشباب الست والعشرين في سيناء، التوقيت الذي شد انتباه الناس بعيدا عن الثمانية والثلاثين الذين قتلوا في أبو زعبل.

الثلاثاء عَرَّت هاتان الجريمتان الكارثيتان سياسة الإعلام. قناة بعد قناة، الكل يستخدم ذلك الشباب المجند، وجوههم السمراء تعلوها الكابات العسكرية، والمذيعون والضيوف يهزون رؤوسهم في أسى، ويدعون المشاهد للتفكر في خسة القتلة (يوم الأربعاء سيعلن الجيش أنه قبض على خمسة عشر مشتبه فيهم، وقتل أربعة رجال - مشتبه فيهم أيضا). لا أرى اهتماما مماثلا بالرجال الذين خنقوا بالغاز في ترحيلة الشرطة.

مستوى التنسيق الإعلامي الذي وصلنا إليه يليق بروايات جورج أورويل. المرور في القنوات يذكرني بما وصفه بالـ"دقيقتين من التعبير عن الكراهية". الكل يستعمل نفس النبرة الهستيرية. الكل يزايد في خطاب التأجيج. يتحدثون عن "هُم"، "نحن" و"هُم". بعض القنوات أخذت تتحدث الانجليزية. مجهود كبير يبذل في تبرير ما يحدث للغرب. هذه فكرة سيئة، وتنفيذها أسوأ.

الأربعاء القناة الأولى تعرض مشاهد للشرطة تحاصر وتضرب وتقتل المتظاهرين في بلاد العالم: وول ستريت، لندن، ملبورن، جنوب افريقيا.

هناك حديث عن أن الهيئة العامة للاستعلامات عليها أن تنتقي الصحفيين الأجانب الذين تصرح لهم بالعمل في مصر. الصحفيون جون جريسون وطارق لباني وعبدالله الشامي لا زالوا محتجزين. وكأن الاستهداف لا يكفي، هناك الرعونة أيضا: في كمين جيش، أطلقوا الرصاص على تامر عبد الرؤوف، مدير مكتب الأهرام بالبحيرة فقتلوه.

وشهد حامد البربري، مدير مكتب الجمهورية، والذي كان معه، شهد بأنه قتل وقد استدار بالسيارة منفذا أمر العودة. والآن يتهمون البربري، وهو في المستشفى، بحيازة سلاح. هذا غير الأربع صحفيين الذين قتلوا وهم يغطون فض اعتصام رابعة.

***

طُلِب إلىّ أن أكتب مقالاً شخصيا، نصاً يحكي عن شكل أيامي الآن. ولكن، ما هو الشخصي الآن؟ الشخصي هو أن أسافر لحضور مؤتمر وأعود فأجد بيتي قد اقتحم ولم يسرق منه شئ. نضع كوالين جديدة على الأبواب ونتأكد من تسكيرها حين نخرج. أضع الحديد في النوافذ وأقول لنفسي أنها أجمل هكذا: بالشيش الأبيض والحديد المشغول الأبيض، فيها نكهة من اسبانيا.

الشخصي هو الصور المفاجئة لأذى يلحق بي أو بمن أحب؛ صارت ردود فعلي على درجة من السرعة والتمرس تعني أنني لا أرى الصورة بوضوح قبل أن أضربها فتختفي. الشخصي هو أن ابتلع المفارقة وأذهب ممتنة لمركز إعادة التأهيل العسكري حيث سيعالجون أصابع الطفل ابن السيدة التي تساعدني في شؤون المنزل - والتي بترت وهو يلعب بالسلاح مع صديقه أمام بيتهم.

الشخصي هو أن أعيش في فيلم مرعب أسمع فيه أشخاصا احترمتهم لعقود يتحدثون بـترهيب عنـ "هم" و"نحن"، عن "معنا" أو "علينا"، عن أن على الجميع أن ينتظم خلف شرطتنا وجيشنا ولا يشق وحدة الصف. الشخصي هو السيدة صاحبة محل الأدوات المنزلية على ناصية شارعي ترفع صوتها في الهاتف عند مروري، تتعمد أن أسمعها وهي تصب اللعنات على "اللي عملوا فينا كده، الناس اللي وقعت مبارك وطلقوا علينا الإرهابيين".

وأخيرا في كل مكان الآن، تعاد صياغة الخيار الازدواجي الذي رفضته الثورة: إما الدولة البوليسية أو الأسلمة السياسية. نظل نرفضه. كان موقفي دوما أن الدولة البوليسية هي العدو. أعرف الآن أن الإخوان أيضا عدو، فأيديولوجيتهم، رؤياهم للدنيا تلغي وجودي. هذا اختيارهم، فلن يفسحوا مكانا لآخر إلى جانبهم، سوف يقصوني بكل طريقة ممكنة، حتى وإن تطلب ذلك قتلي، فقد أقصوني بالفعل من جَنَّتهم. ربما تبدو هذه الكلمات مبالغة - كان هذا اعتقادي حين كنت أسمع شبيهاتها، إلى أن جربت محاولة العمل معهم.

في لقاء بعد لقاء في عام ٢٠١١ كنا نحاول أن نصل إلى اتفاق حول الخطوط العريضة لشكل الدستور المصري - اتفاقات لم نتوصل إليها أبدا. وفي مرة سألت الدكتور محمد البلتاجي (ومنشور لقاء معه في جارديان الأربعاء) لماذا يتعامل الناس مع الإخوان بكل هذا التوجس: "هو انتو ناويين تعملوا في البلد إيه لما تمسكوا الحكم؟" فَرَدَ يديه: "زي ما انت شايفة. احنا ممكن نعمل إيه؟" بدأو بمحاوطة مجلس الشعب بشبابهم يهددون المتظاهرين بالأحزمة والعصي، ثم جاء عامهم في الحكم فكانت السمة الغالبة فيه توظيف وتطوير سياسات مبارك الاقتصادية والأمنية المكروهة.

تخلوا عن الثورة والشعب وتقربوا إلى عدوهم: داخلية لم تصلح ولم تندم على تاريخها. والآن ها هم والداخلية يحاربون بعضا، يتقاتلون، بينما النخبة الليبرالية، الكارهة تاريخيا للإخوان، تعيد تأهيل الداخلية، تستحثها للمزيد من العنف وتمدها بالخطاب التبريري.

الثورة - ثورة ٢٥ يناير التي عشقناها جميعا - عليها أن تنأى بنفسها عن هذه الحرب بين أعدائها. الدولة البوليسية والإخوان نظامان مسلحان، مركزيان، مؤدلجان، إقصائيان، يتسمان بالهايراركية والرجعية. الإثنان مبنيان على الطاعة، كارهان للتفكير النقدي والجدال. إن صراعهم ليس صراعنا.

لكن الثورة لا تملك ولا يجب أن تصمت في وجه القتل، فتقييمنا للحياة وللكرامة لا يتجزأ. الشخصي هو أيضا احترامي اللامتناهي لنشطائنا الحقوقيين، لأطبائنا، لكتابنا وصحفيينا الذين يستمرون في العمل بأمانة وإنسانية ومهنية في هذه الأيام العصيبة. احترامي وتضامني للأصدقاء (القليلين جدا) الذين وافقوا - ضد مصلحتهم الشخصية - على العمل في هذه الوزارة، ويجاهدون في وجه شهوة الدم.

الشخصي هو محبتي وربتة على أكتاف الشباب المنتظر، الذي يحاول العمل، الذي يحدق في عيون اليأس ويرفض الاستسلام له، الذي يعمل ويتأهب لتلك اللحظة التي يعود فيها الشارع المصري يريد دفع قيم الحرية والعدالة الاجتماعية دفعة جديدة للأمام.

إطلاق سراح مبارك نكسة، لكنها مجرد فصل قصير في مسلسل المخلوع، لطالما طلبته المملكة السعودية، وهي الآن تمدنا بالمال. سيعود مبارك إلى المحكمة ويستمر المسلسل.

ليست لنا أيضا المواجهة بين الإعلام الرسمي المصري ونظم الغرب العجوز المتهالكة. ان بريطانيا التي تحتجز النائبة الخضراء، كارولين لوكاس، لأنها اشتركت في احتجاج حول البيئة، وأمريكا التي تضطهد الصحفي باريت براون وتدين برادلي ماننج، لا يملكان ما نُقَيِّمه. ان نضال الشباب في كل مكان هو نضال واحد: نضال ضد النُخَب التي تؤازر وتدفع نظاما فاسدا يودي بالعالم للهلاك - الفرق أنه، في بعض البلاد، مثل بريطانيا، هناك هامش أوسع للحياة، هامش للمقاومة بعيد نسبيا عن القتل.

أما هنا، اليوم، فالرمي بالرصاص والخنق والذبح أفعال مجانية. بالأمس قال صديق أن ربما يكون الفعل الأكثر فائدة الآن - ونحن ننتظر خارج الحرب الدائرة - هو جمع التبرعات لتوسيع وتحسين مشرحة زينهم. عدنا إلى النُكَت المريرة التي برعنا فيها أيام مبارك. لكن هذه المرحلة لن تستمر طويلا. دوائر تاريخنا المتصاعدة تلف الآن بسرعة كبيرة.

في هذه اللحظة تعلن الثورة عن وجودها ببث ضجيج الضرب على أواعي المطبخ في ليل الحظر في التاسعة من كل مساء. وكل ليلة يزداد الضجيج عنه في سابقتها؛ هو صوت إصرارنا على العمل من أجل مصر - من أجل العالم؛ عالم، بلد، فيه تسامح أكثر، وفيه عدل أكثر، لأعداد أكثر من سكانه.

نُشر هذا المقال في جريدة الجارديان البريطانية يوم السبت ٢٤ أغسطس ٢٠١٣

التعليقات