الخميس 21 يونيو 2018 6:31 ص القاهرة القاهرة 27.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

ذهب «إبراهيم»، وجاءت «عهد».. صورتان

نشر فى : الأحد 24 ديسمبر 2017 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 24 ديسمبر 2017 - 10:30 ص

«أخذ الجيش الإسرائيلي ساقيه ذات يوم. والآن أخذ حياته.»

The Israeli Military First Took His Legs، Then His Life

ربما ماتت أوسلو. وكنا نعرف أنها ستموت. ولكن الفلسطينيين لم ولن يموتوا. وعلى من لا يصدق أن يراجع أرقام الشهداء. وأن يتأمل صورتي الشاب المقعد والفتاة الصغيرة

هكذا وصفت هاآرتس، لا غيرها وحشية جيش «الاحتلال» الإسرائيلي، في مقال حكى لنا فيه كاتبها الشهير «جدعون ليفي» قصة إبراهيم أبوثريا. الشاب الفلسطيني «المٌقعد» الذي قتله الإسرائيليون قبل أيام عندما خرج ليتظاهر (على كرسيه المتحرك) احتجاجا على قرار دونالد ترامب «بإسرائيلية القدس». يقول لنا الكاتب بسخرية مريرة، أن القناص الإسرائيلي لم يجد للشاب ذي التسعة وعشرين عاما ساقين ليطلق عليهما النار، كما اعتاد أن يفعل مع المتظاهرين فما كان إلا وأطلق الرصاصة على رأسه. والمفارقة أن الإسرائيليين أيضا، لا غيرهم هم الذين كانوا قد أفقدوا الرجل ساقيه جراء غارة جوية عام ٢٠٠٨ على مخيم الشاطئ حيث يقيم. 

لا تحكي لنا صورة الشاب الذى قتله الإسرائيليون على كرسيه المتحرك، مشهدا من الاحتجاجات «الفلسطينية» المتواصلة منذ أعلن ترامب قراره فحسب، بل لعلها تمثل ذروة درامية لتراجيديا الوحشية والمقاومة المتواصلة في الأراضي المحتلة منذ أن نجحت الصهيونية في تجسيد مشروعها «المكلل بالقداسة والخرافة» على الأرض.

كان إبراهيم يعيش في غزة، التي وصفها رئيس أمريكي سابق (جيمى كارتر) قبل تسع سنوات كاملة بأنها سجن كبير. عمل في بداية شبابه صيادا يعول أسرته الكبيرة، قبل أن يبتر القصف الإسرائيلي ساقيه ليتحول لغسيل السيارات، وبيع البسكويت. ثم كان أن مات من أجل القدس، التي لم ينجح أبدا أن يزورها، لأن «المحتل» الإسرائيلي، الذي يتشدق في المحافل الدولية بحرية العبادة في الأماكن المقدسة، لا يسمح للفلسطينيين تحت سن الخمسين أصلا بدخول المدينة.

***

لم تعش النكبة، ولا النكسة. ولكنها تعرف أنها «صاحبة الأرض». وأن هؤلاء المسلحين «محتلون»

وكما هي كل دراما، تتعدد «المشاهد» الفلسطينية. ففي اليوم ذاته الذي «قنص» فيه الجندي الإسرائيلي رأس الشاب الجالس على كرسيه المتحرك، «صفعت» الفتاة الفلسطينية الصغيرة ذات الستة عشر عاما جنديين إسرائيليين مدججين بالسلاح على باب بيتها. في مشهد لا تخفى دلالته على من يريد أن يقرأ حقيقة القصة الفلسطينية.

مثلما كان الشاب المغدور إبراهيم أبوثريا يعيش في غزة «المحتلة»، كانت الفتاة الجميلة «عهد باسم التميمي»، ذات الستة عشر ربيعا تعيش في إحدى قرى الضفة الغربية «المحتلة أيضا»، حيث اعتادت منذ طفولتها المشاركة في مسيرات أهل قريتها الصغيرة «النبي صالح» للاحتجاج على جدار الفصل العنصري، ومصادرة «المحتل» لجزء كبير من أراضي القرية لصالح «مستعمرة / مستوطنة» حلميش. 

ولد إبراهيم في «المخيم» حيث من المفترض، تعريفا أن المخيمات مكان إيواء مؤقت. ولكنها في «القصة الفلسطينية» صارت وكأنها «قدرٌ فلسطيني» كاشف لحقيقة أن ليس كل أمر واقع «عادلا». منذ سبعين عاما، صارت «المخيمات» وكأنها جزء لا يتجزأ من هوية الفلسطيني. نسى العالم (كما تناسينا نحن) أن المخيمات، تعريفا مكان للاجئين. وأن لا بد للاجئين، تعريفا من «عودة».

تحت الاحتلال أيضا ولدت عهد التميمي. لم تعش النكبة، ولا النكسة. ولكنها تعرف أنها «فلسطينية». وتعرف أن هؤلاء المدججين بالسلاح على باب بيتها «محتلون». وتعرف أن مقاومة الاحتلال حق، عرفه العالم كله، وعرفه التاريخ كله. مهما حاول بعضنا أن ينسى، أو يتناسى «التوصيف» الحقيقى للأمور. 

فى مظاهرات القدس، وفى اليوم ذاته الذي قتل فيه الإسرائيليون إبراهيم، قتلت قوات «الاحتلال»، برصاصة في الرأس قريبا للفتاة الصغيرة لا يتجاوز عمره الخامسة عشرة. بعد يومين من قتلهم لصبي آخر من أهل البلدة لم يتجاوز عمره أيضا الخامسة عشر. وعندما حاول الجنود اقتحام منزل الفتاة لاتخاذ سطحه منصة لإطلاق النار، تصدت لهما الصغيرة وصفعت اثنين منهما في مشهد انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. لتأتي ٢٠ دورية مسلحة في الفجر لتنتزعها من فراشها إلى المعتقل. حيث تواجه ربما الحكم بالسجن مدى الحياة. 

دون جدل عقيم في وقائع القصة التي حاول البعض تزييفها لصالح الرواية الإسرائيلية، فأيا ما كانت التفاصيل، تبقى الحقيقة (حسب قواعد القانون الدولي) أن هذه أرض محتلة، وأن هذا «جيش احتلال». وأن الصِبية الذين استشهدوا كانوا يتظاهرون «على أرضهم». 

***

لم يجد المتحدث الإسرائيلي (بالعربية)، في مواجهة انتشار مشهد «الصفعة»، ومن ثم إلقاء القبض على الفتاة، وكامل أسرتها، غير أن يجادلنا بأن ما جرى مع عهد (بنت الستة عشر ربيعا) أقل بكثير مما يحدث مع «عربيات» مثلها في شوارع «عربية» من قبل أجهزة أمن «عربية». 

لسنا بحاجة إلى أن يذكرنا الرجل بما نعرف. فسوءاتنا كثيرة، وربما أكثر من أن تُحصى، أو حتى مما «يتمنى». ولكننا بالتأكيد لسنا بصدد مثل تلك «مقارنة». إذ تقول القاعدة القانونية البسيطة أن مائة جريمة قتل تحدث كل يوم، لم تكن أبدا لتبرئ قاتل ثبتت إدانته.

ركيزة الخطاب «الإعلامي» للمتحدث الإسرائيلي، لم تختلف في منطلقاتها عن حديث المندوب الإسرائيلي في جلسة الجمعية العامة التاريخية حول القدس قبل يومين. فإلى جانب حفنة من الأكاذيب كشفها تقرير ممتاز «للهاآرتس» الإسرائيلية، لا غيرها قال الدبلوماسي الإسرائيلي: أن «إسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة». يعايرنا الإسرائيليون إذن بأنظمتنا المستبدة، محاولين تسويق أنفسهم دوليا على أنهم «الديموقراطيون». لا بأس، فقد يكون ذلك صحيحا، ولكن فقط إذا نظرنا إلى إسرائيل «كدولة لليهود» لا لغيرهم. بما يعنيه ذلك من تفرقة وعنصرية لا تحتاج إلى بيان. لا أجادل في مقارنة مظاهر الديموقراطية بما عليه الحال في دول المنطقة. ولا أجادل فيما توفره تلك «الديموقراطية» من عناصر قوة لدولة مصطنعة، (مقابل دول راسخة في التاريخ وفي الجغرافيا). ولكن هذا لا ينفي أبدا حقيقة أنها دولة «احتلال»، وأنها دولة «أبارتهيد» من الطراز الأول. كما لا ينفي أنها تمارس التهجير القسرى «الترانسفير» بمائة طريقة وطريقة

أضع أمامى صورتي إبراهيم وعهد، وأقول للمندوب الإسرائيلي الذي سمعته يتحدث (بصلافة رئيس وزرائه) في اجتماع الجمعية العامة حول القدس: أنني قد لا أجادله فيما يتمتع به المواطنون الإسرائيليون، مما لا يعرفه جيرانهم العرب في دول الجوار (لا أستثني أحدا). ولكن لا أظن أن هناك من يجادل أيضا فيما يفعله الإسرائيليون المحتلون في الفلسطينيين (أصحاب الأرض) داخل أو خارج الخط الأخضر. لن أخوض هنا في تفاصيل معاناة يومية على المعابر، أو دورانا حول الجدار العنصري، أو مصادرة للأراضي (المحتلة)، أو تمزيقا لها بشبكة «مستعمرات / مستوطنات» عنكبوتية تتوالد كل يوم. فكل ذلك موثق في تقارير دولية، وحتى إسرائيلية (راجعوا من فضلكم ما تنشره منظمة Btselem الإسرائيلية لحقوق الإنسان). ولكنى سأكتفي بالتذكير بأن عدد شهداء الانتفاضة الأولى ١٩٨٧ــ١٩٩٣ وصل إلى (١٤٠٣والانتفاضة الثانية ٢٠٠٠ ـ ٢٠٠٥ (٤٧٩١) أما شهداء الحرب على غزة نهاية ٢٠٠٨ (١٤١٧ويوليو ٢٠١٤ (٢٢٠١) من بينهم ما قد يصل إلى ٥٠٠ طفل حسب إحصاءات اليونيسيف.

***

يخطئ من يطمئن إلى أن تظاهرة تصويت الجمعية العامة رفضا لقرار ترامب، على أهميتها دبلوماسيا كافية لوأد ما بات واضحا من خطط (صفقات) لطي صفحة القضية

على طريق «الحق» إذن، الذي يعرفه العدل (والقانون الدولي) لحق «إبراهيم» بطوابير الشهداء الطويلة، ولحقت «عهد»، بطوابير الأسرى (والأسيرات) في معتقلات «الاحتلال». 

 وعلى طريق «الحق»، الذي يعرفه العدل (والقانون الدولي) صوت العالم كله تقريبا في الجمعية العامة قبل يومين، لصالح القدس، أو بالأحرى احتجاجا على «صلف ترامب». ولكن يخطئ (أو يتعلق بكثير من الأمل) من يظن أن تظاهرة التصويت تلك (على أهميتها القصوى دبلوماسيا) كافية لوأد ما بات واضحا وفاضحا من خطط (صفقات) لطي صفحة القضية. فالراغبون في طيها، للأسف كثيرون، والمراهنون على ذلك أكثر، حتى ولو اضطروا ذرا للرماد في العيون (أو خشية شعوبهم) وهذا هو الأهم أن يصوتوا مع القرار. فمن التاريخ تعلمنا أن الحقائق على الأرض هي الحاسمة. وأن ما يجرى على طاولات الدبلوماسية من اتفاقات ورسم للخرائط لم يكن يوما أكثر من ترجمة لمعادلات القوى وموازينها على الأرض. ولعلي لا أبالغ إن قلت (وأعود هنا أيضا إلى دروس التاريخ) أن إبراهيم «القعيد» وعهد «الصغيرة»، وما يمثلانه هو الرقم الصعب في تلك المعادلة. وإلا ما انتصر الإنجليز والفرنسيون، وغيرهم على ألمانيا النازية (القوية). وإلا لكانت جنوب افريقيا مازالت ترزح تحت ربقة عقود من الأبارتهيد.

بعد فشل (أو تقاعس) نعرفه لعقود «لحكام» العرب؛ عسكريا ودبلوماسيا، تبقى جذوة الأمل، كما يعلمنا التاريخ في مقاومة الناس على الأرض. ربما ماتت أوسلو. وكنا نعرف أنها ستموت (رحم الله إدوارد سعيد) ولكن الفلسطينيين لم ولن يموتوا. ببساطة لأن الحق لا يموت. وعلى من لا يصدق أن يراجع أرقام الشهداء، وأن يتأمل صورتي الشاب المقعد والفتاة الصغيرة. 

وإلى أولئك المسئولين، والمعلقين الاستراتيجيين الذين حاولوا إقناعنا بأن مسألة القدس «هامشية»، أو أنها لا تستحق أن ندخل من أجلها في صدام مع «الصديق ترامب» أرجوكم استعيدوا لقطات الفيديو. وانظروا جيدا في عيني إبراهيم قبل أن تصطادهما رصاصة القناص الإسرائيلي. واسألوا أنفسكم: هل هناك ما تملكون أن تقولوه لأبنائكم. أو بالأحرى هل هناك ما يمكن أن تحاججوا به يوم القيامة، حين يأتي بدمائه لينظر في أعينكم. 

نعرف أن هناك من يملك المال، والنفوذ، والسلاح، والنفوذ، «واليخوت الفارهة»، وفي يقينه (وتجربته) أن أمواله قادرة على شراء كل شيء. حتى الكلمات.. والضمائر. ولكن، رويدا، تمهلوا، وانظروا جيدا في عينى إبراهيم.. «هي أشياء لا تشترى».. رحم الله أمل دنقل. 

***

وبعد

فليس أسخف من أولئك الذين حاولوا إفهامنا أن مسألة القدس «هامشية»، غير أولئك الذين أغرقوا الناس في جدل عقيم بعد أن زايدوا (أو بالأحرى «زايدن») على الصبية الفلسطينية بدعوى أن لا يليق «بغير محجبة» مثلها أن تدافع عن الأرض أو العِرض أو الأقصى(!) لا بأس، ففي التاريخ أن الفرنسيين الذين أحرقوا جان دارك بتهمة «الزندقة» جعلوا منها بعد ذلك قديسة. وفي الذاكرة أن ديلاكروا Eugène Delacroix حين رسم «الحرية التى تقود الشعب إلى الثورة» رسمها عارية الصدر. وأن اللوحة لم تعرض على العامة إلا عند وفاته.. قاتل الله المتنطعين.

ـــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

روابط ذات صلة:

الإسرائيليون يدخلون القدس

رسالة ما جرى .. في «القدس» 

السمسار.. في الشرق الأوسط «الجديد» 

فيما نحن «منكفئون»٠

إبراهيم أبو ثريا (تقرير تلفزيوني)

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات