الخميس 21 يونيو 2018 10:41 ص القاهرة القاهرة 33.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

«كنائس لا تسقط فى الحرب».. اغتراب يهزمه الخيال

نشر فى : الخميس 25 يناير 2018 - 10:55 م | آخر تحديث : الخميس 25 يناير 2018 - 10:55 م
تُعبر هذه المجموعة القصصية عن روح مغتربة، تشعر بالوحدة، وعدم القدرة على التواصل، لا شىء يكتمل، ولكن سلاح الخيال يصنع واقعا موازيا، يمكن من خلاله اكتشاف نور بعيد فى نهاية النفق. «كنائس لا تسقط فى الحرب»، لمؤلفتها أريج جمال، الصادرة عن مصر العربية للنشر والتوزيع، تُدهشنا بقوة التعبير عن الجوانب الداخلية لشخصياتها القلقة، وتمثل امتدادا أكثر نضجا لمجموعة أريج الأولى «مائدة واحدة للمحبة» التى لفتت أنظارنا إلى صوت خاص، يتحقق ويتحرر بالكتابة، ويجد فيها أداة مثالية للتعبير، ولتحقيق التوازن المفقود.

القصة القصيرة بالذات تبدو، أيضا، شكلا مناسبا تماما لنقل هذه التجربة الخاصة، لأنها تبدو، كما وصفتها من قبل، مثل خيوط الضوء التى تتجمع فى بؤرة فتشعل نارا فى الورق، وعلى قدر عمق التجربة، فإن نقلها فى شكل بناء سردى متماسك لا يكون سهلا على الإطلاق، وخصوصا إذا كانت الشخصيات، تنظر إلى الداخل طوال الوقت، وإحساسها بالوحدة يفوق إحساسها بالآخر، وخيالها أقوى من واقعها. كما تتطلب القصة القصيرة لغة معبرة ومصورة ومكثفة معا، لا استطراد ولا إسراف فى الوصف، وقد تحقق ذلك إلى حد كبير فى «كنائس لا تسقط فى الحرب».

اغتراب الشخصيات ووحدتها تجده بتنويعات كثيرة: فى قصة «دون ضجر»، فتاة العربة المتأرجحة تقترب من جسد جارتها، وتتلصص على جسد جارها، ولكن لم يحدث أبدا أن نامت على كتف أحد، ولم تُفق أبدا من شرودها، هى فى المكان، ولكنها خارجه أيضا. وفى قصة «باب من أحب فى يوم الأحد»، تبدو علاقة الحب افتراضية أكثر من أى شىء آخر، ويظل مفتاح التجربة عبارة كتبتها الراوية على الحائط: «نحن جزر منعزلة، نملك أجهزة إرسال، لكننا لا نملك أى أجهزة استقبال».

وفى «سرير مشدود إلى السقف» تبدأ القصة هكذا: «لا أحد يعرف لغتك فى الكون، لا أحد يؤنس وحدتك»، وبطلتها تسمع أصوات أنين، وفى طفولتها كانت تنام فى سرير معلق بالسقف، من فرط الحماية، فلا يبقى من أنيس سوى الصوت الغريب، وحتى فى أقصوصة «صورة جديدة»، تهجر بطلة القصة البيت لأن صورتها تتغير، ولأن أحدا لن يتعرف عليها، أو يميز وجهها.

الحلم والخيال والحب عناصر ثلاثة لمواجهة الاغتراب، ولجعل العالم الداخلى أكثر رحابة، هناك بحث مستمر للشخصيات عن مرفأ وواحة، فى قصة «ما أنا إلا حلم» نقرأ: «هى الغريبة وسط المارة لم تزل تحدق فى الوجوه كلها، تبحث عما لا تعرفه، وتعود خائبة دون أن تجده، ثم لا تسأم من إعادة المحاولة»، وفى «مسارات جانبية للتيه» يبدو الختم على الورق قارب نجاة، ويستحق خيالا ليليا بديلا للواقع، وفى «الحبيب»، و«تحت مظلة فى فرانكفورت» تبدو التجربة مع رجل متجاوزة للسن وللغة، وعنوانا على الحرية والوجود ذاته، وفى «على وردة واحدة» تبدو ماريا أكثر من مؤدية بلغة أخرى، فتتحول فى عيون الراوية إلى عالم بديل، أما فى قصة «الطنين» فإن العالم الداخلى يفتح على عوالم خيالية لا تنتهى.

تمنيتُ أن تحمل المجموعة عنوان قصة من قصصها بدلا من هذا العنوان العام، ولكننا حقا أمام تجربة قوية وناضجة، وكاتبة تعرف آلامها، مثلما تعرف أدواتها، لا غرابة أن تجد إحدى بطلاتها نفسها فى كتابات وحياة فيرجينيا وولف، كانت فيرجينيا أيضا تشعر بالاغتراب، وكانت تنظر إلى داخلها من خلال شخصياتها، ولا غرابة فى أن يتكرر فى بعض القصص الحديث عن الوردة (جميلة وفريدة ولكنها قصيرة العمر)، وعن الأرجوحة (بهجة خاصة، ولكنها معلقة بين السماء والأرض)، وهكذا تكون الكتابة تعبيرا عن الذات قبل كل شىء.
التعليقات