الأحد 23 سبتمبر 2018 1:35 ص القاهرة القاهرة 26.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

ما بعد موقعة المقطم

نشر فى : الإثنين 25 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 25 مارس 2013 - 8:00 ص

إنها الكراهية المتفاقمة إذن وصلت إلى منحدراتها الحرجة على جبل المقطم.

 

المشاهد بذاتها تصدم وتنذر.. ففى حرب الشوارع كرا وفرا، وفى استباحة الدم والكرامة الإنسانية، بروفات احتراب أهلى تتزايد احتمالاته فى مناخ سياسى واجتماعى محتقن.

 

وقائع استباحة الأجساد العارية ضربا وسحلا على الهوية السياسية تومئ لثقافة عنف تتمدد من دهس متظاهرين سلميين ووقائع تعذيب فى معسكرات الأمن المركزى إلى عمليات سحل جرت أمام «الاتحادية» وفى «المنصورة» تولتها قوات الأمن، إلى عمليات سحل أخرى فى صدامات الشوارع تعرض لها على التوالى شبانا معارضين وآخرين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين.

 

ثقافة العنف بدأت تتجذر فى الأجيال الجديدة التى رأت دمها يستباح موقعة بعد أخرى وتضحياتها تذهب سدى يزكيها استعلاء جماعة الإخوان المسلمين واستعراضات القوة التى تمارسها.. وأخذت بالتدريج تزهد فى «السلمية» وتنحو إلى مواجهة العنف بالعنف.

 

العنف استدعى عنفا مضادا ووقائع السحل المريعة استدعت سحلا مماثلا، وعلا شعار «الدم بالدم» على الجانبين.. العنف اللفظى المتبادل يرادف ويمهد للعنف الجسدى وثقافته التى تجاوزت السياسى إلى المجتمعى وتمددت إلى الريف المصرى فى وقائع مرعبة بحق مواطنين تنسب إليهم جرائم جنائية، جرى تقتيلهم والتمثيل بجثثهم قبل صلبهم شبه عراه على الأشجار من قبل مواطنين آخرين تولوا بأنفسهم مهام الدولة، أو أعفوا الدولة من وظائفها الطبيعية فى إنفاذ القانون!

 

جسدت مشاهد المقطم نذر الاحتراب الأهلى فى احتجاز متبادل للأسرى والرهائن، الفكرة ذاتها مخيفة، قبل أن تتجسد مرة أخرى فى دعوات منفلتة لمحاصرة مدينة الإنتاج الإعلامى ومقار أحزاب المعارضة وبيوت الإعلاميين، إنها دعوة صريحة للمضى قدما فى سيناريوهات الميليشيات المتقاتلة والدخول فى نفق مظلم طويل يسحب من الدولة حضورها ومن السلطة أية شرعية ومن المستقبل الأمل فيه.

 

الأقدام توشك أن تنزلق لاحتراب أهلى يستعيد شيئا من التجربة اللبنانية التى امتدت أربعة عشر عاما فى «القتل على الهوية»، والمسافة بين «الضرب» و«القتل» بانفلاتات الأعصاب والسياسات ليست بعيدة.. فى لحظة واحدة تذوب المسافات وتدخل البلد إلى نفقها.

 

فى مشاهد المقطم كان الانقسام حادا وعنيفا بين فريقين كلاهما يمقت الآخر.

 

الدعوة إلى التظاهر الاحتجاجى أمام المركز الرئيسى لجماعة الإخوان المسلمين فيما سمت «جمعة رد الكرامة» أخذت اسمها من وقائع سبقتها جرى الاعتداء فيها على متظاهرين سلميين، بعضهم رسامى «جرافيتى» تناولت رسوماتهم بالسخرية السياسية قيادات مكتب الإرشاد. شىء من الفن الاحتجاجى لا ينطوى على أى عنف أو نية عنف جرت مواجهته بعنف بالغ من شباب ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين طالت صحفيين، واستخدمت إشارات خارجة بالأيدى وألفاظ مماثلة بحق المعارضين، وجرى الاعتداء على سيدة صفعا ضاريا أسقطها أرضا، وغمرت الدماء وجوه شبانا سلميين، وسجلت الكاميرات الوقائع الدموية التى مثلت استفزازا للمشاعر وداعية إلى عودة جديدة إلى المقطم للاحتجاج على ما جرى أمام مكتب الإرشاد. هذه فكرة سلمية ومشروعة، وكان يمكن للتظاهرات أن توصل رسائلها دون صدامات جديدة، غير أن قيادات مكتب الإرشاد كان لها تقدير آخر، فالتظاهرات أمام مكتب الإرشاد خط أحمر، وتكرار الاحتجاج أمامه بالوسائل السلمية يسحب من هيبته.. وتبدت فى مؤتمر صحفى عقدته قيادات الإرشاد نذر الصدام، فالصحفيون احتدوا وانسحبوا من المؤتمر، والإرشاد أطلق نفيرا عاما للدفاع عن مقره المركزى، واستدعت الأجواء الملتهبة عبارات منفلتة تناقلتها الصحف منسوبة إلى الجماعة وقياداتها.

 

فى أجواء الشحن مضى الفريقان إلى صدام محتم أحدهما بدواعى غضبه وثانيهما بحسابات هيبته، الأول يعتقد أن بوسعه أن يدفع فاتورة الصدام أيا كانت تكاليفها كما دفعها من قبل فى مواجهات سابقة مع «نظام مبارك» و«المجلس العسكرى» و«الحكم الحالى».. والثانى يعتقد أن قوته التنظيمية وقدرته على الحشد والتعبئة تمكنه من حسم الصدامات أو ردعها قبل أن تجرى.

 

هناك أكثر من هامش على المتن الدموى لموقعة المقطم، ففى هذه المرة عادت الجماعة إلى استعراضات القوة بعد فترة حاولت أن تتجنب فيها الصدام المباشر، حشدت وعبأت، نقلت أنصارها بحافلات من أقاليم قريبة، هددت وتوعدت، وحاولت أن تستخدم حشودها لفرض هيبتها، وهو منحنى تصاعدى فى لعبة تجنبت كثيرا وطويلا الوقوع فى كمائنها.. الحشد من خارج القاهرة بمغزاة السياسى يعنى افتقارها بفداحة إلى دعم سياسى واجتماعى من العاصمة التى تحكمها، وهو وضع لا مثيل له فى التاريخ المصرى كله.. والحشد فى توقيته فيه عودة لاستعراضات القوة التى حاولت تجنبها لمرات عديدة بعد صعودها مباشرة للسلطة ووقعت فى إغواءتها مرات أخرى على ما جرى فى جمعة «كشف الحساب»، أرادت أن تردع معارضيها الجدد الذين تجمعوا فى التحرير يومها احتجاجا على إخفاق الدكتور «محمد مرسى» فى مائة يومه الأولى برئاسة الجمهورية، دخلت فى اشتباكات انتقصت بصورة فادحة من صورتها، واضطرت للانسحاب وشىء من الاعتذار الخافت، ثم وجدت نفسها لمرات تالية فى صدامات شوارع فى محافظات عديدة على خلفية المناخ الملتهب للإعلان الدستورى صاحبتها موجة حرق لمقار حزبها «الحرية والعدالة»، والاعتداء على المقار مدان فى ذاته، غير أن الجماعة غضت الطرف عن اعتداءات مماثلة على مقار لـ«الوفد» وصحف معارضة، وتكررت الصدامات أمام الاتحادية ونسب للجماعة بشهادات الضحايا وقائع تعذيب واحتجاز نشطاء بينهم سفير سابق فى الخارجية المصرية، وبالإفراج عنهم تكشفت وقائع تدخل النائب العام للحيلولة دون هذا الإفراج حتى «لا يزعل الرئيس»، وكانت تلك إشارة خطيرة إلى خلل فادح فى بنيان العدالة وتغول السلطة التنفيذية عليها. المثير أن جماعة الحكم شاركت بنفسها فى حصار المحكمة الدستورية، وبدت كسلطة حكم غير معنية بالقانون ودولته، وهنا مكمن نوازع العنف، فالانقضاض على الدولة ومحاولة مصادرتها لصالح جماعة سياسية واحدة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الكفاءة اللازمة، يزكى فكرة المواجهة، وغياب القواعد الديمقراطية يفضى إلى اعتقاد أن العنف وحده هو سبيل التغيير.

 

وهذه فكرة كارثية تتحمل الجماعة مسئوليتها، وهى مسئولية مزدوجة.. مرة بالفشل فى إدارة الدولة ومرة أخرى بإنهاء الأمل فى العملية السياسية.

 

فى مشاهد المقطم تراجع مؤقتا «تسييس الشرطة» التى اكتفت قواتها بتأمين المقر الرئيسى وما حوله دون تورط كبير فى المواجهات الدامية.. ويبدو أن الجماعة أحيطت علما بصورة مسبقة اتجاه الشرطة لعدم الدخول فى صدامات جديدة مع المتظاهرين، وقررت أن تخول شبابها مسئولية التصدى لمن ينتوون حصار مقر الإرشاد. تراجعت الشرطة تحت ضغط أزمتها التى وصلت إلى إضرابات لا مثيل لها فى التاريخ المصرى إلى الموقع الذى حدده وزيرها السابق اللواء «أحمد جمال الدين» وأدى إلى إقالته بألا تقحم الشرطة فى صراعات السياسة أو أن تكون طرفا فيها.

 

فى ظلال موقعة المقطم شىء من أزمة وزارة الداخلية، لا تسييسها مضى إلى نهاياته ولا هيكلتها وفق مشروع «التمكين» جرت بسلاسة.. وإيقاف التسييس وضع مؤقت لحين أن تنجلى عواصف التراب التى صاحبت الموقعة الدامية دون أن تحجب حقائقها.

 

القضية بمخاوفها ومغزاها تتجاوز الإدانات المرسلة للعنف أيا كان مصدره، أو المخاتلة فى التصريحات من واقعة لأخرى بحسب الهوى السياسى، كأن تبرر السحل فى حالة وتدينه فى حالة أخرى، لا أن تدينه فى جميع الحالات، أو أن تنكر جرائم ارتكبت بحق الفريق الذى تعارض وتطلب من الطرف الآخر أن يشاركك موقفك فيما تعرضت له أنت من جرائم مماثلة.

 

هناك مساران لليوم التالى فى موقعة المقطم.. أولهما أن تتداعى حوادث العنف إلى تصعيد فى وتيرتها يأخذ البلد لا محالة إلى حرب أهلية.. والكلام عن احتجاز متبادل لأسرى ورهائن فى مواجهات المقطم فيه إشارة خطر لانفلات أوسع وأفدح يليه.. وثانيهما أن تستعيد السياسة شيئا من وسائلها، وهذه مسئولية رئاسة دولة تعوزها الرؤى والتصورات والقدرة على الإقناع والتواصل مع الآخرين وتبدو أسيرة لدى الجماعة التى خرجت من عباءتها.

 

الحلول السياسية ممكنة وتتلخص فى قضيتين: الأولى حكومة كفاءات لا تنتمى المواقع المفصلية فيها إلى أى فصيل سياسى تتولى إعادة شىء من الأمن والاستقرار للبلد ومعالجة الملف الاقتصادى قبل أن نصل إلى «الفوضى الجائعة» والتمهيد لانتخابات نيابية تتوافر فيها شروط النزاهة.. والثانية نائب عام جديد يختاره المجلس الأعلى للقضاء وفق القواعد الدستورية لاستعادة شىء من الثقة فى العدالة.

 

الأهم قبل شراكة السلطة شراكة السياسة، أن يعود البلد إلى الحديث فى السياسة، وأن تكف الجماعة عن لعبة خلق الحقائق على الأرض كأنها لا ترى المكونات الأخرى فى مجتمع قلق على مستقبله ومصيره، فللقوة حدود فى استخدامها، وإخفاق الجماعة مرة بعد أخرى يستدعى مراجعة حقيقية للأزمة وطبيعتها، وأن تعمل على بدايات جديدة بلا استعلاء أو عجرفة، وأن تعترف بمسئوليتها عن الفشل وتعمل على تدارك أسبابه، وأنها تعجز بمفردها، شأن أى تيار آخر، على مواجهة استحقاقات قاسية تنتظر البلد عند المنعطفات المقبلة، وأن تدرك أن الهيبة تصنعها الإنجازات لا الادعاءات، ومواجهة النفس قبل مواجهة الآخرين، فمن الآثار السيكولوجية التى تترتب على تكرار المواجهات على هذا النحو الدموى العشوائى أن يطرح شباب الإخوان على أنفسهم السؤال الضرورى: «من نحن بالضبط؟».. أو «ألهذا الدور انضممنا للجماعة؟».