الأحد 18 نوفمبر 2018 3:16 م القاهرة القاهرة 27.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

لنفرق بين مبارك الإنسان.. ومبارك السياسى

نشر فى : السبت 25 مارس 2017 - 10:40 م | آخر تحديث : السبت 25 مارس 2017 - 10:40 م
بعد أن كتبت أكثر من مرة مدافعًا عن ضرورة الإفراج الصحى عن محمد مهدى عاكف مرشد الإخوان الأسبق وكل المرضى كبار السن من المساجين لاعتبارات إنسانية، اتصل بى أكثر من زميل وقارئ يسألنى ولماذا لم تشمل دعوتك الرئيس الأسبق حسنى مبارك؟.

قلت لهم: «معكم كل الحق وسأفعل ذلك إن شاء الله».

للأسف وبسبب الأحداث المتلاحقة، لم أتمكن من الكتابة، حتى صدر قرار تبرئته أخيرا فى قضية قتل المتظاهرين. ثم عاد الرئيس الأسبق لمنزله بمصر الجديدة صباح الجمعة الماضى، بعد ست سنوات قضى معظمها فى المستشفيات المختلفة، خصوصا مستشفى القوات المسلحة بالمعادى.

فى الشق الإنسانى أؤيد معاملة مبارك أفضل معاملة إنسانية ممكنة؛ لأن الرجل صار كبيرا فى السن ويعانى من أمراض متعددة.
الآن عادت قضية «هدايا الأهرام» من جديد، ومبارك أحد المتهمين الأساسيين وقد يكون هناك قرار قضائى بإعادة حبسه على ذمة القضية، وهو الأمر الذى لا أتمناه بالمرة، فالرجل الذى بلغ عمره الآن أكثر من ٨٩ عاما ينبغى أن يعيش فى بيته وتحت رعاية مباشرة من أسرته، وهو الأمر الذى يفترض أن يتوافر لكل الحالات المماثلة.

هذا على مستوى الشكل والجانب الإنسانى، أما على مستوى المضمون، فكان رأيى ولا يزال أنه عند أى تقييم منصف وموضوعى لفترة حكم مبارك طوال ثلاثين سنة، فلن تكون فى صالحه بالمرة.

أتحدث عن التقييم السياسى، فجريمة مبارك الحقيقية هى الحالة التى أوصل إليها مصر، خصوصا فى التعليم والصحة والخدمات والقيم والأخلاق العامة. أرجو من كل أنصاره أن يسألوا أنفسهم بهدوء وموضوعية عن حصيلة الثلاثين سنة، فنظامه جرف المجتمع بصفة عامة، خصوصا المدنى منه وقتل الحياة السياسية مع سبق الإصرار والترصد، والنتيجة أن مصر سقطت فى غمضة عين فى حجر جماعة الإخوان، وسائر القوى المتطرفة والظلامية التى استولت على الحكومة والبرلمان والرئاسة وسائر مؤسسات المجتمع المدنى، بل وبعض الأندية الرياضية وسائر الجمعيات الخيرية بعد ثورة 25 يناير النبيلة التى لولا هذا التجريف ما استطاع الإخوان اختطافها.

هل كان مبارك خائنًا أو عميلًا؟.

لم يكن كذلك، ولم يكن أى رئيس مصرى سبقه أيضا، لكنه أورثنا «استقرار القبور»، وبسبب مجمل سياساته صرنا تابعين لأمريكا، و«سمن على عسل» مع إسرائيل، وبلا دور فى المنطقة العربية، نتسول المعونات من هذه الدولة أو تلك.

لكن مبارك أيضا ولأنه حكم ثلاثين عاما، فقد بنى بعض المشروعات، وترك بعض الإيجابيات، لكنها فى المحصلة العامة قليلة جدا بالنظر للسلبيات الكثيرة.

علينا أن نتعلم الفصل بين الشخصى والعام، علينا أن نعامل مبارك ومرسى وطنطاوى وعدلى منصور وسائر الحكام بأفضل الصور الممكنة بما لا يخالف القانون.

أما سياسيا واجتماعيا فهناك قوى استفادت من هذا أو تضررت من ذاك، والحكم العام يكون بأى الكفتين أرجح..
وإذا كان البعض يطالبنا باحترام حكم القضاء بتبرئة مبارك من تهمة قتل المتظاهرين، فاننا نطالبه أيضا باحترام حكم القضاء الذى أدانه إدانة باتة ونهائية فى قضية القصور الرئاسية بأنه فاسد هو ونجليه. وأرجو من أنصاره أيضا أن يراجعوا قائمة الهدايا التى حصل عليها هو وزوجته وأولاده وكبار أركان نظامه من مؤسسة الأهرام. إذا فعلوا ذلك فسيعرفون فى أى عهد كنا نعيش؟!. ثم إن البعض يقول إن الحكم بالبراءة فى قضية قتل المتظاهرين ليس دليل براءة نهائى؛ لأن تكييف القضية من البداية كان غريبا، والقاضى حكم فى النهاية بالأوراق الموجودة أمامه، ورغم ذلك علينا احترام الحكم فى كل الأحوال.

ما جرى كان فصلا قصيرا فى حكم مصر، لكن ما أنا متأكد منه أن المؤرخين فى المستقبل سيقولون إن مصر هذا البلد الكبير الذى كان دوره مرموقا فى المنطقة، والإقليم نكب بنظام حكم أوصله إلى مرحلة متدنية، والأهم أنه ساهم فى تقوية وعملقة قوى التطرف، خصوصا جماعة الإخوان.

قدر مصر السيئ أنها وقعت بين فكى مبارك والإخوان طوال السنوات الأربعين الماضية. فمتى نخرج من هذه الدوامة، نحو حكم عصرى ديمقراطى حديث، يعلى من قيمة العلم والكفاءة والتخطيط، ويحارب الجهل والتخلف والعشوائية؟.

 

عماد الدين حسين  كاتب صحفي