السبت 22 سبتمبر 2018 11:48 م القاهرة القاهرة 26.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

لحظة مواجهة الحقيقة

نشر فى : الأحد 25 مارس 2018 - 10:40 م | آخر تحديث : الأحد 25 مارس 2018 - 10:40 م

كانت تصريحات الرئيس الفلسطينى «محمود عباس»، التى نالت من السفير الأمريكى فى إسرائيل «ديفيد فريدمان» على نحو غير معتاد، تعبيرا عن يأس وصل منتهاه من أى سلام وعدل، أو أدنى احترام للقانون الدولى.
بنص كلامه: «الإدارة الأمريكية تعتبر الاستيطان شرعيا وسفيرها يرى أن الإسرائيليين يبنون المستوطنات على أرضهم» قبل أن يردف غاضبا: «يا ابن الكلب يبنون فى أرضهم».
تداعت تصريحات مضادة أمريكية وإسرائيلية اتهمت «عباس» بالترويج للكراهية ومعاداة السامية وأن الوقت قد حان للاختيار بين هذا الخطاب والسلام.
بغض النظر عن عدم مناسبة العبارة الغاضبة للكلام الرئاسى فإنها بحمولاتها السياسية والإنسانية إعلان قطيعة مع أية مشروعات سلام أمريكية تحت اسم «صفقة القرن»، أو بأى اسم آخر.
فى زحمة التغطيات للفعل ورداته لم نلتفت بما هو كاف إلى ما قاله «جيسون جرينبلات» مبعوث الرئيس الأمريكى إلى الشرق الأوسط، من أن «اللمسات الأخيرة على خطة السلام توشك على الانتهاء» ــ وهذا معلوم دون تأكيد جديد، «غير أنها سوف تعرض حين تتهيأ الظروف الملائمة» ــ وهذا معناه أن الرفض الفلسطينى عقبة لا يمكن تجاوزها لتمرير تلك الخطة.
رغم حدة الإهانة للإدارة الأمريكية كلها، لا السفير وحده، فإنها أكدت رغبتها بالمضى قدما فيما هى بصدده باسم السلام والتعايش وتحسين شروط حياة الشعب الفلسطينى والعمل على رخائه!
التصميم الاستراتيجى ــ هنا ــ فوق الاعتبارات الشخصية.
السفير الأمريكى لم يعلق تقريبا على إهانات «عباس» مكتفيا بالسؤال: «هل هذا خطاب سياسى أم معاداة للسامية؟».
ورئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» اعتبر أن تصريحات «عباس» تضع النقاط على الحروف دون أن يستفيض خشية قطع أى أمل فى «تليين» مواقف السلطة الفلسطينية بضغوط أمريكية وعربية.
لم تكن تصريحات السفير «فريدمان» مفاجئة، فهو مستوطن وعائلته تعيش فى المستوطنات، آراؤه تتماهى مع اليمين الصهيونى وتتسق مع ما يعتقده الرئيس الأمريكى، وتنطوى عليه خطة السلام المرتقبة ــ فالضفة الغربية إسرائيلية باستثناء مساحة ضيقة، رغم القرارات الدولية التى تدمغ المستوطنات على الأراضى الفلسطينية المحتلة بعدم الشرعية.
إذا ما ضمت الكتل الاستيطانية إلى الدولة العبرية واستبعدت القدس من أى تفاوض، وألغيت إلى الأبد أية حقوق للاجئين، فالمعنى أن الإسرائيليين يأخذون كل شىء والفلسطينيين يخسرون كل شىء.
هنا صلب مشروع السلام الأمريكى الجديد، كما هو أزمته التى تومئ بفشل ذريع ــ أيا كان حجم الضغوط.
من الذى يحرض على الكراهية ويتبنى خطابها: المحتلون أم الضحايا؟.. العنصريون أم المضطهدون؟
المنطق يكاد أن ينتحر على مشنقة القضية الفلسطينية.
هذه لحظة مواجهة الحقيقة بلا خداع لنفس، أو مضى وراء سراب فى التيه.
للحقيقة ضروراتها حتى يعرف الفلسطينيون أين يقفون بالضبط؟
وللحقيقة أثمانها، فلا قضايا تكسب بعدالتها وحدها.
«لم تقاتل لأنك تخشى الشهادة
لكن عرشك نعشك فاحمل النعش
كى تحفظ العرش، يا ملك الانتظار
إن هذا السلام سيتركنا حفنة من غبار».
هكذا أنشد شاعر فلسطين الأكبر «محمود درويش» بعد اتفاقية «أوسلو».
بضمير الشاعر سجل اعتراضه على ذلك النوع من السلام، منتقدا الزعيم الفلسطينى «ياسر عرفات» رغم العلاقة الوثيقة التى جمعتهما كـ«ابن روحى».
بإرثه الوطنى رفض «عرفات» أن يمضى فى اللعبة إلى نهايتها عندما اكتشف حدودها وخديعتها.
لم يخش الشهادة ولا حمل نعشه ليحفظ عرشه ــ كأنه يرد لنفسه كبرياءه ويؤكد استحقاقه لحجم الدور، الذى لعبه فى التاريخ الفلسطينى.
استقرت فى الذاكرة العامة عبارته الأخيرة: «بل شهيدا، شهيدا، شهيدا» عندما وصلوا إليه بالسم.
من غير المستبعد استهداف حياة «عباس» هو الآخر لنفس السبب.
لم يكن «درويش» يحب «عباس» ومالت المشاعر بينهما إلى النفور ــ كما استمعت ذات مرة من توأمه الشعرى «سميح القاسم»، لكنه إذا كان حيا فربما رأى بعين الشاعر الملهم مصير «عرفات» ينتظره عند منحنى الطريق وتعاطف معه.
عندما جرى التخلص من «عرفات» بدا «عباس» بديلا تتوافر فيه مواصفات الشريك المطلوب، فهو «عراب أوسلو»، لكنه راجع نفسه بدوافع مسئوليته أمام شعبه.
بتعبيره: «لن أنهى حياتى بخيانة»، وهذه عبارة تبدو كحد سكين يفصل بين تاريخين.
لقد تقوضت بالكامل رهاناته القديمة، ولم يعد يعبأ كثيرا ــ كما حاورته واستمعت إليه أكثر من مرة ــ ببقاء السلطة نفسها، لكن خياراته الجديدة غائمة وسط تعقيدات لا نهاية لها.
هو يقترح ــ بدواعى رفض المشروع الأمريكى ــ عقد مؤتمر دولى للسلام وآلية دولية لرعاية المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
الاقتراح قد يكون مفيدا لإثبات سعيه للسلام وفق المرجعيات الدولية، لكنه ليس خيارا ممكنا بالنظر إلى أن لا أحدا من اللاعبين الدوليين مستعد للصدام مع الإدارة الأمريكية.
وهو يقترح ــ باسم فك الحصار عن القدس ودعم عروبتها ــ إلى زيارتها دون أن ينظر فى تداعيات ما يدعو إليه من إفقاد القضية الفلسطينية ورقة رفض التطبيع بوقت تتزايد فى العلن والظلال، مشروعات التعاون الإقليمى مع إسرائيل.
وهو يطالب «حماس» ــ باسم اختبار جدية التزامها بإنهاء الانقسام ــ أن تتحمل مسئولية القطاع وحدها بسلطة الأمر الواقع، أو أن تتسلم حكومة الوفاق الفلسطينية كامل سلطاتها بما فيها الملف الأمنى.
كانت محاولة اغتيال رئيس الحكومة «رامى الحمد الله» ورئيس الاستخبارات الفلسطينية «ماجد فرج» فى غزة تسميما جديدا للعلاقات بين «فتح» و«حماس»، رغم أن الأخيرة تعقبت وقتلت زعيم الخلية الإرهابية.
إنهاء الانقسام الفلسطينى خطوة أولى لبناء موقف سياسى موحد.
إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية تعبيرا عن وحدة الشعب والقضية خطوة ثانية.
وصياغة برنامج مرحلى لا محالة خطوة ثالثة بالتوافق العام يكسب الفلسطينيون تماسكا يحتاجونه فى مواجهات قاسية مقبلة لا محالة.
هذه لحظة مواجهة الحقيقة بكل أخطارها وتحمل مسئولية الموقف بكل ثقة فى أنه بيد الفلسطينيين وحدهم.