الجمعة 16 نوفمبر 2018 10:36 ص القاهرة القاهرة 19.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

إلى إدوارد سعيد

نشر فى : الإثنين 25 أغسطس 2014 - 8:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 25 أغسطس 2014 - 10:19 ص

كل ما توقعه حدث كأنه كان يقرأ كتابا مفتوحا.

صك قبل نحو عقدين عنوانا لما هو قادم: «سلام بلا أرض».. وهذه حقيقة لا يجادل فيها فلسطينى اليوم.

قال إن «الحكم الذاتى أداة للاحتلال الإسرائيلى».. وهو ما ثبتت صحته بصورة نهائية.

لم يستبعد احترابا أهليا فى المدى المنظور: «أنا لا أتمناه لكن واجبى يحتم على أن أواجه نفسى والآخرين بالحقيقة».. وهذا ما جرى لاحقا فى الانقسام الدموى ما بين غزة ورام الله وفتح وحماس.

اللعبة صممت كأداة لـ«التفجير الداخلى» كما قال.

توقع تقويض منظمة التحرير الفلسطينية وتفكيك وحدة الشعب والقضية وتوسعا استيطانيا أكثر شراسة وتهميشا لقضية القدس.. وهذه كلها عناوين إضافية لمرحلة ما بعد «أوسلو».

هكذا تحدث المفكر الفلسطينى الراحل «إدوارد سعيد» أستاذ الأدب المقارن فى جامعة كولومبيا الأمريكية.

لم يكن وحده من عارض «أوسلو» وارتفع صوته حول منتصف التسعينيات ضد رهاناتها فقد ارتفعت أصوات كثيرة فى العالم العربى تعلن رفضها غير أنه كان الأشد تأثيرا ورؤيته الأكثر إحكاما.

امتلك حماسته لقضيته وهو يصارع المرض العضال الذى نال منه وامتلك ما لا يمتلكه غيره من حضور دولى مؤثر، فكل أكاديمى أو مثقف غربى تأثر بدرجة أو أخرى بإسهاماته فى «الاستشراق» و«تغطية الإسلام» و«الثقافة والاستعمار» ويعرف قدره كأحد المفكرين الكبار فى عصرنا.

فوجئ كثيرون بالنقد الجذرى الذى قدمه الدكتور «سعيد» لاتفاق «أوسلو»، فقد ظل لفترة غير قصيرة من أبرز مقربى الزعيم الفلسطينى الراحل «ياسر عرفات».

اتسق «المغترب» كما عنون مذكراته مع ذاكرة شعبه ووظف قدراته الاستثنائية فى قراءة المصير الفلسطينى ووصلت مساجلاته مع «عرفات» فى يناير (١٩٩٥) إلى ذروة حدتها.

سألته: «لا أريد أن أستفزك ولا أبحث عن إثارة غير أن تعليق عرفات على ما وصفته بأنه سلام أمريكى يدعو إلى التساؤل عما إذا كان هناك جانب شخصى؟».. وبدأت أتلو على مسامعه نص تصريحات «عرفات» الذى وصف كتاباته بأنها «أتفه من أن يرد عليها» وأنه «قرأها للتسلية» واتهامات أخرى نالت من شخصه كالقول بأنه «يتعلق فى حبال الوطنية من بعيد فى أمريكا».

ابتسم بثقة باديا أمامى رجلا إمكانياته الفكرية تسانده فى ترتيب أفكاره وطرح حججه.. «أنا لا أفهم أين يكمن الاتهام فى مقولة أننى أعيش فى أمريكا.. أنا فعلا أعيش فى أمريكا والكثير من الجهد المتواضع الذى قمت به لنصرة قضية شعبى قمت به منطلقا من موقعى كفلسطينى يعيش فى المنفى، وهو وضع لابد أن عرفات يعلم أنه لا يقتصر على وحدى بل يشمل القطاع الأكبر من الفلسطينيين».. «أما عن قوله بتفاهة ما جاء فى كتاباتى عن سلام أوسلو فإننى أترك للقارئ الحكم على قدرة منا على فهم النصوص وتفسيرها».

رغم أية مشاحنات فإن القضية لم تكن شخصية كما أكد بإلحاح والمساجلات بينهما انطوت على قراءتين مختلفتين للمستقبل الفلسطينى ثبت تاليا أن «عرفات» خسر رهاناتها.

«إذا أمعنت فى قراءة نص أوسلو فسوف تجده يقول إن من حق القوات الإسرائيلية أن تدخل أراضى الحكم الذاتى لو اعتقدت أو استشعرت أن مصالحها مهددة وهو نص يكفل لإسرائيل من الناحية الواقعية فرض سلطة الاحتلال المباشرة فى أى وقت تريد وممارسة حق القتل عندما تقرر ذلك».

استخدمت إسرائيل بالفعل «حق القتل» فى التخلص من عرفات نفسه وفى اغتيالات منهجية كثيرة لقيادات سياسية وعسكرية من منظمة التحرير الفلسطينية وداخل حركتى «حماس» و«الجهاد» حتى العدوان الهمجى على غزة.

كان «سعيد» مقتنعا إلى أبعد حد أننا بصدد هزيمة استراتيجية لا يصح أن تسوق كـ«إنجاز هام وانتصار يستحق الاحتفاء به» وأن «أوسلو» أقرب إلى خليط من «قلة الكفاءة» و«تواطؤ السياسة».

تولى بالتفصيل شرح المستوى المتدنى فى الإدارة الفلسطينية من مفاوضين لا يتقنون اللغة الإنجليزية التى يتفاوضون بها وأن «تسوغ اتفاقا مع إسرائيل دون أن تعرضه أو أن يكون معك مستشار قانونى».. «إذا كنت تريد أن تعقد اتفاقا مع إسرائيل فلابد أن تعرف أنها سوف تأخذ ما توقع عليه على محمل جاد ولن يمكنك التراجع إلا لمزيد من التراجع».

«إذاسألتنى إذا ما كان بمقدور هذه القيادة أن تبلور رؤية جديدة أو أى رؤية للمستقبل أقول لك على الفور بالقطع لا».. «إن خطأ القيادة الأساسى أنها قبلت بالمرحلية دون تحديد للنهايات، بمعنى أنها قبلت مشروعا مرحليا دون إرساء الأسس أو السياق العام للحل النهائى. وهو الأمر الذى أدى عمليا إلى إلغاء الطموحات الفلسطينية».

الخلاف هنا فى المنهج غير أنه استدعى سؤالا حساسا طرحته على النحو التالي:

«أسمح لى يا دكتور سعيد ألا ترى مفارقة بين موافقتك فى دورة المجلس الوطنى الفلسطينى بالجزائر على قرار الاعتراف بدولة إسرائيل وبين معارضتك لأوسلو؟»

قال: «كيف؟».. أجبته: «عندما تقرر بإرادة منفردة ودون تفاوض أن تعترف بإسرائيل.. فعليك أن تتوقع عندما تبدأ المفاوضات بموازين القوى التى تتحكم فيها أن تقدم تنازلات أخرى أفدح».

صمت قليلا قبل أن يطلب وقتا للتفكير فى إجابة هذا السؤال واعدا بأن يرسل الإجابة كتابة فور وصوله إلى نيويورك.

كانت إجابته نموذجا لاستقامة المفكر الموسوعى وقدرته على المراجعة بروح نقدية لا تبرر أو تلف وتدور حول موضوعها.

كتب نصا: «ربما كان على أن أمتنع عن التصويت على قرار دورة المجلس الوطنى الفلسطينى فى الجزائر عام ١٩٨٨ ولكنى على الرغم من موافقتى على هذا القرار أبديت معارضتى العلنية للعديد من التطورات اللاحقة.. فقد أعلنت عدم موافقتى على ما قام به عرفات فى ديسمبر ١٩٨٨ عندما نطق فى جنيف بالعبارات التى طلبتها منه الولايات المتحدة كشرط لقبول التحدث مع منظمة التحرير وأبديت معارضة أشد له عندما أعلن بباريس فى مارس ١٩٨٩ أن الميثاق الوطنى الفلسطينى أصبح باليا».. «لكن هذا الذى أقوله الآن مردود عليه بأنه من السهولة أن نعيد التفكير فيما مضى ونستغرق فى تفكيك وإعادة بناء التاريخ على النحو الذى يتفق مع رغباتنا النفسية خاصة إذا ما كان هذا التاريخ قد مضى فى الاتجاه الخطأ.. أنا على أية حال احترم نفسى والتاريخ بالقدر الذى يجعلنى منتبها لسذاجة هذا الأمر».. «أنا عندما صوت فى الجزائر موافقا على مشروع الدولتين لم أكن اتصور إمكان حدوث ما جرى ولكننى الآن على ضوء ما تكشف لاحقا أتقبل تماما مراجعة العديدين لما حدث عام ١٩٨٨ ولا أجد غضاضة فى الاعتراف بأننى قد أكون أخطأت بتصويتى آنذاك وأن ما كنت أراه صوابا لم يكن كذلك».

رغم المراجعة الشجاعة لرجل فى مثل مكانته بدا متسقا مع نفسه فى تأكيد مرارته السيكولوجية من ضياع الهدف القديم لمنظمة التحرير من إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية فى فلسطين.

أن يعترف علنا بأنه أخطأ فضيلة بذاتها تليق بهامته الفكرية، وأن يطلب أثناء الحوار الطويل ألا أشر إلى أنه اضطر لمرات عديدة أن يستكمل عباراته بالإنجليزية لعدم تمكنه من التعبير عن نفسه بلغته الأم فهذه مسألة انتماء عميق نالت منها غربته الطويلة ورأها مهينة وحاول بقدر ما يستطيع فى سنواته القليلة التالية أن يتجاوزها.

بدرجة ما آلمته فجوة التعبير بلغته الأم كما آلمت الزعيم الجزائرى «أحمد بن بيلا» قبل أن يتقنها تماما.

بالعودة إلى «إدوارد سعيد» فإنه ليست هناك مفاجأة واحدة، فقد صممت اللعبة لنصل إلى هنا.. إلى مجازر غزة.

السؤال الآن: كيف نخرج من المصيدة التى دخلنا إليها؟