الجمعة 21 سبتمبر 2018 6:52 م القاهرة القاهرة 30.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

فى انتظار عودة مصر إلى دورها

نشر فى : الأربعاء 25 سبتمبر 2013 - 8:45 ص | آخر تحديث : الأربعاء 25 سبتمبر 2013 - 8:45 ص

تتبدى نيويورك، هذه الأيام، ومع افتتاح الدور الجديد لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عاصمة للسياسات الكونية ومركزاً للصفقات السرية والتسويات التى حان موعدها، بعد إرجاء طويل، بين «الأقوياء» حول مشكلات متفجرة تتوزع فى أنحاء مختلفة من العالم.

لن يكون الرئيس الأمريكى باراك اوباما إمبراطور الكون، بعد اليوم. لقد عاد إلى مسرح السياسات الدولية شركاء كبار كانت قد غيبتهم أزمات حادة داخل مركز السلطة فى بلادهم، أبرزهم على الإطلاق الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وإذا كان الرئيس الصينى ما زال يفضل ألا يظهر فى الصورة التذكارية لقادة العالم فإن هؤلاء لا يمكنهم أن يتجاهلوه حتى لو غاب.

فى أى حال، لن يتكرر فى المبنى الأزرق ذلك المشهد التاريخى لقمة الكون، فى ذروة الانقسام بين معسكريه الغربى بقيادة الرئيس الأمريكى جون كينيدى، والشرقى بقيادة الزعيم السوفييتى نيكيتا خروشوف، وهو الانقسام الذى سمح ببروز كتلة عدم الانحياز التى جاء بعض قادتها إلى تلك الدورة، وبينهم ممثل النهوض العربى جمال عبدالناصر، كما سمح بأن يجيء إليها الزعيم الكوبى فيديل كاسترو ليفيد من الفرصة فى زيارة تاريخية لأحياء الزنوج فى نيويورك ولعب كرة القدم مع شباب هارلم.

هنا لب الموضوع: الوجود العربى فى المجتمع الدولى ومدى حضورهم فى القرار الدولى، بمعزل عن مستوى تمثيل بلادهم فى الدورة الجديدة للأمم المتحدة، والذى سيكون هذه السنة هامشياً، بمعزل عمن سيجىء إلى نيويورك ومن سيغيبه الانشغال بالداخل وفيه.. فالعرب بلا قائد ولا قيادة، بلا مشروع سياسى، وهم يذهبون إلى «حائط مبكاهم» الجديد منقسمين إلى حد الاحتراب، بعضهم يستعين على البعض الآخر بالأجنبى، وأحيانا يتواطأ مع هذا الأجنبى على «أخيه» الذى بات يراه الآن «عدوا».

يكفى أن ننظر إلى خريطة الحرب فى سوريا وعليها لنكتشف خطورة الاشتباك العربى حولها ومن خلالها، والذى يوزع «دولهم» أيدى سبأ.

لقد سقط المحرم، كمثل الاستعانة «بالحليف» أو «الصديق» الأجنبى على الأخ الشقيق أو كمثل المشاركة فى تسعير نيران الحرب الأهلية فى بلد عربى أو كمثل الاندفاع إلى تقديم خدمات ثمينة للعدو الإسرائيلى بذريعة توفير شروط النصر على حاكم ظالم.

•••

لقد اندثرت «المرجعية العربية» سواء أكانت مؤسسة يحرص «الكبار» من قادة العرب على تعزيز دورها، مثل الجامعة العربية، كما غيبت القيادات التى حكمت مصر، ابتداء من تاريخ وفاة جمال عبد الناصر، الجامعة العربية وأفرغت دورها من أى مضمون، بل لعلها قد جعلت هذا الدور مجافياً لاحتياجات الأمة وتطلعاتها.

لقد عطلت اندفاعة الرئيس المصرى الأسبق أنور السادات إلى الصلح مع إسرائيل بشروطها، بعد «اغتيال» حرب أكتوبر بثغرة الدفرسوار وما تلاها من انتكاسة عسكرية مفجعة، دور مصر بوصفها المرجعية العربية.

ولقد تمثلت أولى النتائج باندثار دور جامعة الدول العربية، كمؤسسة تحتضن الجميع، وتحاول صياغة موقف موحد للعرب، حتى لو سارت بخطى أضعفهم.

وحين خرجت هذه الجامعة من القاهرة إلى تونس كانت قد غدت مؤسسة عجوزاً، بلا روح وبلا دور فاعل... فلا تونس هى مصر، ولا المناخ المحيط يمكن أن ينعش جامعة لدول منقسمة على ذاتها، بعضها متواطئ مع السادات فى صلحه، وبعضها الآخر معترض ولكن من دون قدرة على وقف هذا الخروج على دور الجامعة وميثاقها.

هكذا خسر العرب مرجعيتين فى آن: القاهرة بنفوذها الواسع ودورها القيادى المؤثر الذى انقلب إلى عكسه، والجامعة العربية التى صارت خلال غيابها مؤسسة مشلولة، ثم إنها لما عادت إلى القاهرة بعد غياب السادات كانت قد تحولت إلى إدارة بيروقراطية، بلا روح، وبلا إرادة، خصوصاً وأن «دولها» كانوا قد نظموا شئونهم من دونها وبعيداً عنها... متهمين عودة «المصري» إلى موقعه فى أمانتها العامة «اعترافا» متأخراً باتفاق كامب ديفيد وما نتج عنه، وان هم «لم يعترفوا» به رسميا.

كانت المعارضة للصلح المنفرد قد غدت «أقلية» فعليا، بغض النظر عن التصريحات والخطب ومهرجانات تسفيه «التطبيع».

•••

احتراما للتاريخ، من الضرورى استذكار «جبهة الصمود والتصدى» التى أقيمت على عجل، وعقدت أول قمة لها فى طرابلس معمر القذافى وحضرها الرئيس السورى حافظ الأسد، والرئيس الجزائرى هوارى بومدين، ولم يأت إليها الزعيم العراقى صدام حسين الذى كان يستكمل موجبات «تسلم» الرئاسة فى بغداد من نسيبه الرئيس يومها أحمد حسن البكر فأوفد من يمثله ولا يقرر عنه.. وكان طبيعيا أن يكون الرئيس ياسر عرفات حاضراً وخطيبا مفوها وهو يسفه بلسانه كامب ديفيد مع أن عقله كان «يتفهم» مغامرة السادات، ويحاول أن يفيد منها، إذا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.. فلم يكن سهلاً على الزعيم الفلسطينى أن يقفل باب القاهرة دونه، وان يفقد الآن دورها «كوسيط مؤثر» فى السياسة بعدما فقد دورها كقائد للعرب فى معركة تحرير فلسطين.

انتقل مركز الثقل لمعاهدة كامب ديفيد إلى العاصمة السورية دمشق، وفيها انعقدت القمة الثانية، وارتحلت القمة الثالثة إلى الجزائر... ثم انتفت الحاجة إلى قمم أخرى بعد ترسخ الأمر الواقع بالعجز عن تجاوزه.

فى هذه الأثناء كانت إيران الثورة الإسلامية تجد طريقها إلى عواصم عربية عدة، فلقيت الترحيب فى دمشق حافظ الأسد، الذى كان يعرف كيف يستفيد من «التعاون» الذى يظل اقل من أن يصير تحالفاً ولكنه يكفى فى لعبة التوازنات السياسية التى يتقنها جيداً.

وبعد الاجتياح الأمريكى للعراق، الذى سهل له الطريق تحالف معظم العرب مع الأمريكيين بذريعة استنقاذ الكويت، كان طبيعيا أن تعتبر طهران أنها شريكة فى إعادة صياغة الوضع الجديد فى العراق... وهكذا غدت إيران لاعبا رئيساً فى بغداد، مع تعزيز تحالفها مع الرئيس بشار الأسد فى سوريا، الذى جاء وريثا لأبيه «اللاعب الأكبر» فى المنطقة.

ومن قبل هذا كله كانت طهران قد عرفت طريقها إلى لبنان عبر دعمها مشروع مقاومة الاحتلال الإسرائيلى الذى كان قد احتل معظم الجنوب فى مارس 1978، ثم اجتاح عاصمته بيروت فى بدايات صيف 1982، وتمكن من ترحيل المقاومة الفلسطينية منه، ومن تنصيب رئيس جديد للجمهورية، لم يقدر له أن يستلم زمام الرئاسة إذ اغتيل قبل وصوله إلى القصر الجمهورى.

وعندما انتصرت المقاومة الإسلامية فى إجلاء المحتل الإسرائيلى كانت طهران تحتفل بوصفها شريكا فى هذا الانتصار.

•••

نستعيد هذه الوقائع لكى نشير إلى أن الحضور الإيرانى فى الأمم المتحدة، هذه السنة، سيتبدى بصورة رصينة وسيكون خطاب رئيسها قويا بمضمونه مع اطمئنانه إلى دوره فى المنطقة العربية من حوله فضلاً عن نفوذه فى جواره الإسلامى.

ومن البديهى أن الرئيس الإيرانى الشيخ حسن روحانى سيتبدى نجما فى المبنى الأزرق بنيويورك، بعدما نجحت إيران فى احتلال موقع الدولة ذات النفوذ الواسع فى الشرق، لاسيما فى غياب مصر عن دورها القيادى الشرعى والمشروع، ومع احتراب سائر العرب فى سوريا ومن حولها وانشغال أكثرية أنظمتهم بمشكلاتهم الداخلية، وبهوت القضية الجامعة فلسطين، والتى لم يغفلها النظام الإيرانى يوما فى خطابه السياسى.

سيكون الوجود العربى باهتا، وسيكون الخطاب العربى حشواً، لأن من يملك القدرة على القرار، ومصر أساسا، مشغولة بذاتها، فى حين أن دول الخليج مشغولة بسوريا فضلاً عن أنها لم تندفع يوما للعب دور دولى بارز، مكتفية بتحالفها مع الإدارة الأمريكية، والجزائر غاطسة فى هموم معركتها الرئاسية وهل سيجدد الرئيس بوتفليقه لذاته دورة رابعة أم يخلى الطريق أمام غيره.. ودائما بالتفاهم مع الجيش.

مرة أخرى يتقدم الإسلام السياسى على العروبة، فى المنتديات الدولية، وتطرح القضايا العربية بمجملها فى بازار التفاهمات الدولية فى غياب أهلها الأصليين.

... ودائماً، فى انتظار عودة مصر إلى دورها القيادى الذى لا بديل لها فيه.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات