السبت 25 فبراير 2017 2:35 ص القاهرة القاهرة 14°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

حول المحاكمات الشعبية والعمل الحقوقى والعدالة

نشر فى : الخميس 25 سبتمبر 2014 - 7:55 ص | آخر تحديث : الخميس 25 سبتمبر 2014 - 7:55 ص

فجر الأربعاء، فى بروكسل، حيث ستنعقد «المحكمة الشعبية حول فلسطين» فى دورة خاصة عن غزة، فأجلس ضمن المحلفين. سنبدأ بعد ساعتين: فى قاعة تسع خمسمائة شخص (وقد طلب الدخول إلى الآن ضعف العدد) نستمع إلى شهادات حول جوانب متعددة من الهجوم الإسرائيلى الأخير وتبعاته. الفريق القانونى موجود ليجيب على الاستفسارات وليساعدنا فى توجيه الأسئلة للشهود. سنتداول فى الليل، ثم نأخذ نتائجنا وتقريرنا اليوم الخميس، فنرفعها إلى البرلمان الأوروبى فى لقاء خاص، وهذا بعد أن نعقد مؤتمرا صحفيا فى الصباح.

وفكرة هذه «المحكمة الشعبية» فى العصر الحديث، قدمها الفيلسوف البريطانى الشهير، برتراند راسل، وأسس لها فى عام ١٩٦٦، فعرفت باسم The Russell Tribunal وأحيانا The International War Crimes Tribunal وما حرك راسل، والرفاق الذين ساندوه (مثل سارتر، وكِن كوتس، ورالف شونمان، وخوليو كورتازار)، كان مجموعة من الأحداث الدولية. فمن نوفمبر ١٩٤٥ إلى اكتوبر ١٩٤٦ عقد الحلفاء المنتصرون ما سُمِّى بـ«محاكمات نورمبرج» لمحاكمة جرائم النازية بعد هزيمة ألمانيا، وكانت الدعاية والصورة المقدمة لهذه المحاكمات أنها ليست محاكمة غالب لمغلوب ولكنها «الإنسانية» تحاكم مجرمى حرب على قواعد متفق عليها وواضحة العدالة. ووقتها، أدلى رئيس الادعاء فى محاكمات جرائم حرب نورمبرج، المستشار روبرت جاكسون (وهو أمريكى الجنسية)، بتصريحه الشهير: «إذا كانت بعض الأفعال، وبعض خروقات المعاهدات جرائم، فهى جرائم سواء ارتكبتها الولايات المتحدة أم ارتكبتها ألمانيا. فإن وضعنا قوانين جنائية تستعمل ضد الآخرين علينا أن نرضى بأن تستعمل أيضا ضدنا».

ولا يكاد يمر بضع سنين وتنهزم فرنسا هزيمتها المشهودة فى حربها الاستعمارية ضد فيتنام فى ديين بيين فو (١٩٥٤) فتدخل الولايات المتحدة ذلك الصراع بالسياسة الخارجية ثم بالحرب. وتمر السنوات وتتسع رقعة المعارضة لحرب فيتنام، ومن ضمن أنشطة المعارضة الآخذة فى الاتساع والتى تنتشر داخل وخارج الولايات المتحدة وتتخذ أشكالا متعددة، أن أنشأ برتراند راسل ورفاقه الـ«ترايبيونال». وقد ضَمَّن راسل فى كتابه، «جرائم الحرب فى فيتنام»، الذى صدر فى يناير ١٩٦٧، دعوته لإنشاء المحكمة فى ١٩٦٦.

عقدت المحاكمة فعلا، وشارك فيها ممثلون عن ١٨ بلدا، وقدم أكثر من ثلاثين شخصا شهادات أمام ٢٥ محلفا من الشخصيات العامة المنتمية فى الأغلب لليسار، وكان حكمها أن الولايات المتحدة قد ارتكبت بالفعل جرائم حرب فى فيتنام. عقدت الراسل ترايبيونال فى الأربعة عقود التالية محاكمات أخرى تخص حكومات الجنرالات فى أمريكا اللاتينية وغيرها، وعقدت محاكمة هامة لـ«مشروع القرن الأمريكى الجديد»، وللحرب على العراق وغزوها، ثم سلسلة جلسات حول فلسطين، وآخرها هذه الجلسة حول غزة.

والمحكمة الشعبية بالطبع لا تملك سلطة ولا قوة تنفيذية، ولا تضع يدها - كما بَيَّن سعد زغلول - على «تجريدة» تُعمِل بها قراراتها، لكنها تملك مصداقية عالية ووزنا أخلاقيا كبيرا. فهى محكمة من المتطوعين من أهل الثقة، يعطون من وقتهم وجهدهم وخبرتهم لا لشىء إلا لمحاولة ضبط ميزان العدالة. والمحكمة واضحة فى أن دورها هو توصيل الحقائق إلى الرأى العام، ومساندة حركات التضامن الشعبية ومدها بالمشروعية القانونية، وإلهام المنظمات الدولية - فكان من آثار المحكمة مثلا تبنى أقسام من الأمم المتحدة لوصف السياسات الإسرائيلية بالسياسات «العنصرية»، مما يجعل من الممكن مطالبة الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات معينة ضدها.

العمل هنا طويل المدى، لكنه يهدف إلى إرساء قواعد العدالة والتعامل السلمى، مع عدم الإحادة لحظة عن نصرة الحق. وهى الرسالة التى استمعت إليها أيضا مساء الثلاثاء، فى الليلة السابقة لسفرى، حين حضرت حفل تأبين الأستاذ أحمد سيف الإسلام، فى قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية، وكانت إحدى الرسائل الواضحة التى أوصلها لنا السادة المتحدثون هى حول العمل الحقوقى، وكيف أنه، فى أحسن صوره، عمل نضالى يشتبك مع الواقع ومع مفهوم العدالة ويعمل على تطوير واستحداث وإلغاء القوانين حسب الإطار الدستورى للبلاد.

السادة أصحاب القرار والسلطة: أشك أن أحدا يتوه عن الفرق بين الإجراءات والأحكام الظالمة والهادفة إلى التنكيل والتخويف والإعاقة، والإجراءات والأحكام الهادفة إلى وزن الحياة وإشاعة الاطمئنان وإرساء العدل. وأشك أن هناك أى شخص، قلبه على مصلحة هذا الوطن ومستقبله، يجد نفسه مرتاحا الآن لما يحدث فى ساحة العدالة فى مصر. والظلم البين فى مساحة الحياة التى يفترض أن تخلو من الظلم لن يكرس أو يُثَبِّت الأوضاع الظالمة وإنما سيزيد من حدة الانقلاب عليها ــ القادم لا محالة.

فى بروكسل، والقلب فى القاهرة، وطرة، والقناطر، وأبو زعبل، ووادى النطرون، وقنا، وــ للأسف ــ غيرهم.

التعليقات