الجمعة 21 سبتمبر 2018 10:38 م القاهرة القاهرة 26.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

حروب كثيرة بالطائرات والأقدام..خارج فلسطين وعليها

نشر فى : الأربعاء 25 نوفمبر 2009 - 10:29 ص | آخر تحديث : الأربعاء 25 نوفمبر 2009 - 10:29 ص

 يسود الاضطراب منطقتنا العربية من أدناها اليمنى إلى أقصاها المغربى مرورا بمشرقها الممزق بحروب أهلية مستعرة فعلا، أو كامنة، تنتظر تفجير «الصواعق» المختزنة أو المستحدثة، لكى تندلع مدمرة ثوابت الأخوة وروابط التاريخ والجغرافيا ووحدة المصير.

تتهاوى وشائج القربى بين من كانوا (وسيبقون) أشقاء، وتنشأ على أنقاضها حالة من العداء المستجد والذى لا تبرره أسبابه المعلنة ولا تخفى صدوره عن كراهية للذات القاصرة عن المواجهة التى تغدو شبه مستحيلة مع العدو الأصلى والوحيد، حتى لو اتخذ أسماء متعددة: الاحتلال الإسرائيلى، الهيمنة الأمريكية،التعسف والقمع سواء صدر عن النظام أم عن خصومه المتلفعين بالشعار الدينى.

بات العرب يتعاملون مع أنفسهم بمزيج من الكراهية والاحتقار، ويختلقون لأنفسهم المعاذير للهرب من ميدان المواجهة الفعلى الوحيد: مع إسرائيل وعلى أرض فلسطين، بوصفها قضيتهم الجامعة، وعنوان حاضرهم وغدهم.

إن فلسطين ــ القضية المقدسة ــ الجامعة التى تختزن الهوية وإرادة التحرر والتحرير والقدرة على اصطناع الغد الأفضل، تذوى وتكاد تندثر عبر الحروب المفتوحة بين أهلها وعلى أهلها، فوق أرضها وعلى امتداد الأرض العربية الفسيحة.

لقد انحطم حلم عظيم مختزن من حقبة اكتشاف الذات والقدرة على إعادة صياغة الواقع العربى، بما يتناسب مع حقوق هذه الأمة فى أرضها وفى غدها، بقدرات شعوبها التى أكدتها عبر مواجهات مشرفة فى حروب ظالمة، تكاتف فيها الغرب جميعا، (وإسرائيل هى عنوانه) ضد نهضتها واستعادتها دورها بتأكيد هويتها.

انه زمن الهرب من العدو الحقيقى، محتل الأرض والإرادة، إلى حروب وهمية تذهب بالحاضر وتدمر احتمالات المستقبل، وتمكن لإسرائيل ومعها وفيها وأمامها ومن خلفها مشروع الهيمنة الأمريكية على المنطقة جميعا، وباستخدام عوامل التفجير الكامنة فى داخلها والتى يسهل إعادة تظهيرها بالفتنة لطمس المشترك الموحد والجامع، والذى يشكل المدخل الحتمى إلى مواجهة ناجحة، تستنقذ الحاضر والمستقبل.

لننتقل من المجرد إلى أمثلة واقعية ومحسوسة نعيش تفاصيلها المأساوية بالصوت والصورة والدلالات المفجعة:
فى اليمن تتعاون دولتان كبيرتان على «قبيلة» صنفت عاصية على الحاكم الفرد وخارجة على «النظام»، الذى تبدى فى لحظة، إنه يتعدى نطاق صنعاء إلى جوارها السعودى: انتباه! إنهم الحوثيون!

لقد وجدت فيها الدولتان اللتان يختزن تاريخهما المشترك دهورا من العدواة وحروب الحدود بالضم والفرز، فرصة لاستعراض القوة ــ وقد وحدها عدو وهمى «مثالى»..

قبيلة لم تتعرف إلى الدولة إلا عبر الحرب الأهلية، والتى كانت فيها «حليفة» للسعودى الذى أراد وأد الثورة اليمنية فى مهدها، وإسقاط «الجمهورية» التى كان إعلانها زلزالا خطيرا ينذر بسقوط الأنظمة القائمة فى تلك المنطقة على السيف والدينار، والمحروسة جيدا باعتبارها مالكة أرض الذهب الأسود.

فجأة ودون سابق إنذار أخرجت الدولتان ما تملكان من أسلحة تدمير وقتل، فى البر والبحر والجو، وأطلقت المدافع وقاذفات الصواريخ والدبابات نيرانها الحارقة، ونشطت الوحدات الخاصة فخمة الملابس والأحذية، اللامعة بنادقها المخرجة للتو من صناديقها، واندفعت الحوامات تطارد «الأشباح» من رجال القبيلة العاصية، الذين يتخذون من طبيعتهم الجبلية القاسية، التى بالكاد عرفت الطرق المسفلتة،«حصونا» لا يطالها إلا البرق. ووقف جنرالات المصادفات والنسب والإرث أمام الكاميرات يستعرضون جنودهم الذين لا يعرفون من يقاتلون ولماذا.

هو التيه عن العدو الحقيقى، واستبداله بعدو «داخلى» وهمى ليس له مشروع سياسى جدى، ولا يملك غير طبيعة أرضه البكر سلاحا لصد الغارات بصواريخ الطائرات ومدفعية الميدان وحملات التشويه السياسى.

هو التيه، يعمى البصائر والأبصار، ويختلق الأعداء، بينما العدو الحقيقى يمدد احتلاله للأرض العربية فى فلسطين، ويديمه بالمستوطنات التى يستقدم إليها وحوش المستوطنين من أربع رياح الأرض على مدار الساعة، ويواصل اختراقه للدول العربية (والصديقة)، باللعب على أوتار المصالح، والإيهام بمفاوضات تبدو مفتوحة إلى الأبد على اللاشيء: فقط دولة يهود العالم، وليذهب الفلسطينيون ــ مع أهلهم العرب ــ إلى الجحيم، ومن له شكوى فليتوجه بها إلى «الصديق الكبير» فى واشنطن والباب الدوار للبيت الأبيض.

هو التيه.. وها هم فى العراق يختلفون من حول قانون الانتخابات وتوزيع المقاعد فى البرلمان الجديد الذى بين شروط ولادته أن يكرس الانقسام العمودى القائم، والذى غدا استثمارا مجزيا للاحتلال الأمريكى وللطامعين من الجيران، وفيهم العربى والعجمى، فيثبته بانقسام أفقى، طائفى ومذهبى وعنصرى وجهوى بحيث يتم استيلاد نظام هجين لا هو موحد للشعب ولا هو مؤسس لبناء دولة قوية، لا هو مؤهل لحماية الثروة الوطنية (التى تم تنظيم نهبها المستقبلى فى ظل الاحتلال)، ولا هو قادر على إنجاز مهمة تثبيت الوحدة الوطنية.

والاحتلال الأمريكى «يهدد» العراقيين بسحب قواته وتركهم فى أتون الحرب الأهلية يقتتلون حتى إبادة الوطن ودولته بتدمير وحدة شعبه.

إنه التيه.. وبين عناوينه المستجدة «حرب الهدف الضائع» بين مصر والجزائر.

لقد صارت»الأقدام» أيضا، صاحبة قرار فى تحديد العلاقات بين الدول العربية، وبالذات بين دولتين ربطهما النضال المشترك من أجل الاستقلال وتأكيد الهوية العربية والنزوع إلى التحرر واستعادة القدرة على القرار.

اكتسبت «الأقدام» هيبة لم تكن لها فى أى يوم، وصار لها شأن فى تحديد السياسات، بعدما اكتسبت تأثيرا غير مسبوق على «الرءوس»، أين منها تأثير العقائد والأفكار والمبادئ والروابط النضالية وحتى المصالح المشتركة.

صار بإمكان «كرة» تاهت عن «المرمى» أن تشعل حربا بين العرب والعرب، كأنما لا تكفيهم الحروب التى تشعلها المنافسة على النفوذ والخلافات بين الزعماء، أو صراع المصالح، أو التدخل الأجنبى أو العمى السياسى وأثره الحاسم فى قلب المباراة الرياضية، إلى اشتباك مريع يدفع ثمنه الفادح أطرافه، بينما يجنى ذلك الأجنبى الأرباح السياسية والمادية بغير حساب..

وبديهى أن يستفيد العدو الإسرائيلى من هذه الواقعة المفجعة لكى يتوجه بالنصح إلى «أصدقائه» العرب طالبا «ضبط النفس»، ومعالجة الأمر بروح الأخوة والمصالح المشتركة..

إنه التيه...

إنه انفجار للمكبوت فى الزمان الخطأ والمكان الخطأ وبالذريعة الخطأ: تطمس أسباب الضيق الحقيقية ويترك للجمهور أن ينفس عن غرائزه بعيدا عن كل ما يمس سلامة النظام، فتتفجر لمصلحته وضد «العدو» الوهمى الذى استقدم على عجل، وبتواطؤ ضمنى من النظامين، لتبديل طبيعة الصراع بمباراة خائبة النتائج المرجوة، كائنا من كان الفائز فيها.

يتم الدوس بالأقدام على كل ما كان يجمع من أهداف التحرر والتحرير: تسَفه الشعارات التى كانت فى صون المقدس، تحرق الأعلام التى كان الناس يتبركون بها فى البلدين الشقيقين، وبينهما ما ليس بين أى منهما وكل دول العالم مجتمعة من روابط، تحقر التضحيات الغوالى فى ميدان المواجهة مع العدو الأصلى، المستعمر لاغى الهوية الوطنية.

يقاتل المهزوم المهزوم فى الداخل والخارج، المضيعة منه الطريق إلى كرامته الشخصية ومكانة دولته. يدوس كل طرف أعلام الطرف الأخر، الأخ الشقيق من قبل ومن بعد.. يدوس الجميع على أحلامهم، على حقوقهم، على كرامتهم، على مكانة دولتهم فى العالم. الأقدام الآن أهم من الرءوس. الكرة أهم من العلم الوطنى.

فريقان رياضيان دون المتوسط، تم اعتمادهما لطمس الواقع المعيش فى كل من مصر والجزائر، ودفع «الجماهير» التى عبئت على مدى شهور إلى المواجهة العبثية.. خارج موضوع المنافسة الفعلى.

الفريقان يشبهان نظاميهما: لا قدرة على الانتصار، فلنبحث عن ذريعة مدوية تغطى الهزيمة المدوية. وهكذا يمنحان امتيازات تتجاوز المقبول، ويتم تعظيم الصورة لإخفاء الواقع. ليس أقدر من الكرة ومن مبارياتها على سحب الجمهور بعيدا عن قضاياه وعن مطالبه.

تلك هى وظيفة الفريقين، وقد أدياها بنجاح منقطع النظير: سحبوا الجمهور بعيدا عن الواقع المعيش، وهو بائس، عن فلسطين ومواجهة العدو الإسرائيلى فيها إلى الفريق المنافس، مع القفز من فوق واقع ما بين البلدين من علاقات تاريخية تتجاوز المصالح.

أين هذه الملايين بغضبها المدمر للذات من قضاياها الأصلية وهمومها الفعلية؟

كم أنفق على الفريقين وعلى المناصرين الذين حصلوا على امتيازات مذهلة تمتعوا بها لساعات، بينما مطالبهم الأصلية مهملة أو منسية بذريعة العجز؟

لقد أعطى الرؤساء والوزراء والإدارات فى الدولتين من الاهتمام والمال والرعاية ما لم يعطوه لقضية فلسطين، أو لفقراء بلادهم، وهم الأغلبية الساحقة من رعاياهم.

لم تكن مأساة المواجهة فى «الأقدام» بين المصريين والجزائريين أكثر من دليل حاسم على أن العقول أعطيت إجازة طويلة.

فى مصر احتقان عنيف، أسبابه داخلية حصرا، يختلط فيها افتقاد المكانة التاريخية عربيا ودوليا، مع الضيق فى مصادر الرزق ونقص فرص العمل التى تحتاجها أجيال جديدة من اليد العاملة المصرية، مع التزايد المهول فى أعداد السكان، الذى يفاقم المشكلات الداخلية العديدة، من الخبز إلى الدور والمكانة.

وهى الحال نفسها فى مجمل الأقطار العربية: لا يستطيع الجمهور مواجهة النظام وأسباب القصور الفعلية فيه، فيهرب من مواجهة الذات إلى إفراغ شحنة التوتر فى الجار القريب، إما لأنه مختلف دينيا، أو لأنه مختلف سياسيا.

تتعذر المواجهة مع العدو الفعلى الوحيد، إسرائيل، فتنقل إلى خصوم وهميين، هم الأقباط تارة، وهم المختلفون فكرا، (الإخوان المسلمون) تارة أخرى. لا مجال لحرب طبقية، يساند الفقراء فيها الفقراء لخوض حرب ضد أغنياء النهب المنهجى لموارد الدولة. لا مجال لتصادم مع الحكومة بأمنها المركزى القوى. لا مجال لنجدة غزة بالتصادم مع العدو الذى ما زال عند الناس هو العدو فى حين أنه صار فى موقع «الحليف» على مستوى علاقات النظام الخارجية. وهكذا تتوجه التظاهرات الغاضبة إلى السفارة الجزائرية فى الزمالك وليس إلى السفارة الإسرائيلية فى الجيزة.

أما فى الجزائر ذات الثروات، البشر والنفط والغاز والأرض الزراعية المهجورة، فهنالك الفساد المستشرى والنهب المنظم لموارد الدولة. وهناك النظام الذى يشترى الولاء بالرشاوى، ويكافح الدين بتهمة الإرهاب، ويعجز عن حل مشكلات شعبه الذى يتزايد بمعدلات قياسية، كما كل الفقراء: لا أوروبا تقبله، ولا الإدارة الأمريكية تعتمده، وهو لا يريد العرب وقضاياهم الثقيلة!

المشكلة المفتعلة مع الغرب حول الصحراء تنهكه، ولكنه لا يملك الشجاعة لكى يخرج منها بتسوية تحفظ مع الكرامة المصالح.

ولكى يتكامل المشهد بأبعاده جميعا تجىء زيارة رئيس دولة العدو الإسرائيلى شيمون بيريز إلى مصر، فى ذروة «الحرب» بين المصريين والجزائريين ليس فقط فى شوارع القاهرة والجزائر العاصمة، بل إن الجزائريين يمدونها إلى مناطق «نفوذهم»، فى فرنسا خاصة وبعض أوروبا، وهم ما وصلوا إلى هناك وارتضوا أن يعملوا فى مهن وضيعة، وأن يعيشوا ظروفا بائسة، لو أن نظامهم حفظ لهم كرامتهم فى وطنهم الغنى بالبترول والغاز والأرض الزراعية، فيسر لهم أن يعملوا فيها ولها وأن يعيشوا منها ولها.

إنه عصر التيه العربى، وقد جاءت «حرب الأقدام» لتكشف كم توغلنا فيه بعيدا عن هويتنا وأهدافنا، بحيث بات صعبا الخروج منه بشهادة الوقائع الدموية فى اليمن وفى العراق.. فضلا عن فلسطين التى صارت «كرة ضائعة» تفوقها أهمية لأنها ــ كما تشهد موقعة الخرطوم ــ باتت مقدسة إلى حد الجهاد فى سبيلها.

مع التمنى ألا يكون رئيس الكيان الإسرائيلى شيمون بيريز قد عرض بذل مساعيه الحميدة لإصلاح ذات البين بين الدولتين اللتين كانتا شقيقتين، وستبقيان شقيقتين: مصر والجزائر.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات