الأربعاء 21 نوفمبر 2018 3:03 م القاهرة القاهرة 27.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

غروب أردوغان

نشر فى : الإثنين 25 نوفمبر 2013 - 7:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 25 نوفمبر 2013 - 7:00 ص

كانت صورة رئيس الوزراء التركى «رجب طيب أردوغان» وهو يرفع يده بـ«علامة رابعة» متحديا القرار المصرى بتخفيض مستوى العلاقات وطرد سفير بلاده أقرب إلى رجل فقد اتزانه النفسى ورشده السياسى معا.. فالأزمة المصرية التركية أكبر من أن تعالج بهذه الخفة، وتداعياتها تدخل فى تحديد أحجام النفوذ والقوة على مسارح الشرق الأوسط.

أول من التفت إلى مغبة تصرفات «أردوغان» فى أزمة من هذا الحجم توأمه السياسى فى الصعود إلى السلطة والتمركز فيها الرئيس التركى «عبدالله جول» ووزير خارجيته «أحمد داوود أوغلو» منظر «العثمانية الجديدة». حاولا أن يخفضا من مستوى التوتر الدبلوماسى ووصفا الأزمة بالمؤقتة والعلاقات بالأبدية. شىء من المسئولية يفتقده «أردوغان» بفداحة، وشىء من إدراك الحقائق تغيب عن رئيس الوزراء بصورة تدعو للاعتقاد بأنه بات عبئا على حزبه ومستقبله وعلى تركيا وأدوارها. مأزق «أردوغان» أنه هو نفسه الرجل الذى صعد بحزبه إلى السلطة بثقافته المحافظة دون صدام مع تقاليد الدولة الآتاتوركية، ونجحت سياساته فى الدفع ببلاده إلى المركزين السادس على المستوى الأوروبى والسابع عشر على المستوى العالمى فى قوة اقتصادها لكن وجوده فى السلطة بالحالة التى أصبح عليها فوق طاقة تركيا على الاحتمال ويهدد أى أدوار قيادية مستقبلية لبلاده فى معادلات المنطقة.

فى لحظة حاسمة انفسح المجال واسعا أمام دور إقليمى تركى محورى فى المنطقة بعد سقوط بغداد عام (٢٠٠٣) ودخلت بلاده تنافسا سياسيا مع إيران لملء الفراغ السياسى الذى نجم عن خروج العراق الدولة العربية الثانية من حيث قدراتها العسكرية والسكانية من معادلات القوة والنفوذ بعد الخروج المصرى إثر توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام (١٩٧٩). الدور لم يأخذ مداه القيادى لكنه ظل أملا عند قطاعات واسعة من النخبة التركية رأت فى القرن الواحد والعشرين قرنا تركيا فى الشرق الأوسط. وقد وجد «أردوغان» فى تحولات «الربيع العربى» فرصة مزدوجة أن يقود المنطقة اعتمادا على تحالف مع جماعة الإخوان المسلمين التى صعدت للسلطة فى مصر وأن يكشف فى الوقت نفسه عن طبيعة مشروعه فى تجديد «الخلافة العثمانية».

بحسب تعبير دبلوماسى تركى مطلع على الملف فى المنطقة فإن: «عدوى الإخوان أصابت سياسة أردوغان».. بدلا من أن يؤثر فى الجماعة ويدفعها للانفتاح على العصر وقيمه الإنسانية والمدنية تأثر هو بمقولاتها ورؤاها. وقد أفضت تحالفاته ورهاناته إلى تقويض صورته فى العالم العربى بصورة يصعب ترميمها لا الآن ولا فى المستقبل. الصدام مع مصر هو صدام مع قلب المنطقة على ما توحى تصريحات «أوغلو»، وصيغة القرار المصرى بتخفيض مستوى العلاقات مع تركيا تومىء بثقة فى النفس افتقدتها السياسة المصرية لحقب طويلة. ثمة شىء كامن فى مصر يستشعر وطأة الإهانات التى تتعرض لها الدولة ومواطنوها فى الخارج.. وكانت هذه الحالة بخلفياتها السياسية والانسانية وراء الشعبية الكبيرة التى حازها قرار طرد السفير التركى واستعادت الذاكرة العامة واقعة طرد سفير تركى آخر فى عام ١٩٥٤ بقرار من رجل مصر القوى فى ذلك الوقت « جمال عبد الناصر».

كانت هناك انتقادات متواترة لصمت السلطة الانتقالية على تصعيد حكومة «أردوغان» لحملة منهجية ضدها بعد الإطاحة بالرئيس السابق «محمد مرسى» إلى ما يشبه حربا مفتوحة.. وفرت دعما سياسيا وماليا ولوجيستيا لجماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولى واستضافت عناصر تلاحقها اتهامات جنائية بالإرهاب وحاولت «تأليب المجتمع الدولى ضد المصالح المصرية».

بدت السلطة الانتقالية فى صورة الطرف الضعيف الذى يتلقى الضربات المتتالية دون رد على ذات مستواها. و يرجع ذلك فى الاغلب إلى الوضع الصعب الذى كانت عليه بعد تحولات (٣٠) يونيو، فالموقف التركى اتسق إلى حد كبير فى حدة خطابه مع الموقفين الأمريكى والأوروبى وكان عازفا فى أوركسترا سياسى وإعلامى ينتقص من يونيو ويدمغها بـ«الانقلاب العسكرى»، غير أن تمكن السلطة الانتقالية من وضع أقدامها على الأرض بخريطة طريق تمضى استحقاقا بعد آخر بشىء من الثبات رغم إشارات التعثر ومطباته أكسبها شىئا من الثقة فى النفس والقدرة على التصرف وأنها أصبحت فى وضع من يمكنه أن يرد على الإهانات وأن يلحق الضرر بمن يتجاوز فى حق البلد كله.

تغيرت الحسابات وتحركت السياسات لكن «أردوغان» لم يستوعب أنه بات يجلس وحيدا تقريبا على مقاعد العازفين فى أوركسترا بلا قائد أو نوتة موسيقية.

لم يقرأ التحولات الدولية أو ما قد ينجم من إضرار فادح بالمصالح الاقتصادية التركية من جراء الرهان على جواد الإخوان المسلمين الذى خرج من مضمار السلطة فى مصر وتهتز الأرض من تحته فى دول عربية أخرى من بينها التوأم التونسى فىما كان يسمى «الربيع العربى».

فى التحولات رهانات روسية واقترابات أوروبية أخرى ونزاعات دراماتيكية داخل البيت الأبيض تستند كلها على ما جرى فى مصر من تقدم ميدانى للسلطة الانتقالية.

الجماعة دخلت تظاهراتها فى حالة يأس مطبق من أى احتمالات لاختراق جدى فى معادلات السلطة يسمح بإعادة توزيعها والجلوس على موائد تفاوض، والحرائق التى تشعلها فى مدن جامعية أو فى قطارات مترو أقرب إلى «حرائق اليائسين»، وهو أمر لا يدعو أحدا فى أى مكان بالعالم إلى الرهان عليها. لا توجد دولة تدرك مصالحها مستعدة أن تراهن على مستقبل جماعة تتصادم مع مجتمعها وتنحو إلى التخريب لمنشآت عامة والاعتداء على مواطنين عاديين تصادف وجودهم فى المكان دون أن يكون لها أمل فى مستقبل.. ولا توجد دولة تدرك حقائق عالمها مستعدة أن تضفى غطاء سياسيا على موجات عنف وإرهاب كالتى تجرى فى سيناء وخارجها وتواجهها المؤسستان العسكرية والأمنية بقدر من الثبات والقدرة على تفكيك خلاياها.

«حرائق اليائسين» تدفع للاعتقاد بأن الجماعة وصلت إلى طريق مسدود ولم يعد أمامها من معين سوى دولتين إقليميتين صعدت السلطة الانتقالية الصدام مع الأولى (تركيا) وأرجأت الحساب مع الثانية (قطر).. وفى رسائل القرار المصرى إنذار للأخيرة قد ترجأ مواقيته لاعتبارات يدخل فيها تحالفها مع دول الخليج الأخرى التى تفضل أن تتولى بنفسها هذا الملف.

بحسب بعض التسريبات غير المؤكدة فإن الحلفاء الخليجيين قد أحيطوا علما قبل صدور القرار المصرى بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع تركيا، والتسريبات تنطوى على تلويح بأضرار اقتصادية قد تلحق بتركيا إن مضت فى سياساتها التصعيدية، فالقوة النفطية الخليجية رعت جانبا من الصعود الاقتصادى التركى باستثماراتها الواسعة، ولم يسترع انتباه «أردوغان» ما يجرى على ضفاف الخليج من توجه للقاهرة والاستثمار الاستراتيجى فيها لضمان سلامة دولها وموازنة تغيرات محتملة فى الاقليم تلحق اتفاقا أمريكيا إيرانيا محتملا.

الدور الخليجى ساعد فى حلحلة الأزمة المصرية الأوروبية، وبعد وقت لم يطل دخلت روسيا إلى المضمار بقواعد لعبته التى تقضى بتعاون استراتيجى معها دون قطيعة مع الولايات المتحدة.. وكان التحول الأكثر إثارة ما جرى فى بنية الإدارة الأمريكية التى يبدو أن «أردوغان» افتقد حاسته السياسية فى قراءة ملفاتها.. فقد انتقلت نزاعات الإدارة الأمريكية من الغرف المغلقة حيث المساجلات الحادة ما بين وزير خارجيتها «جون كيرى» ومستشارة الأمن القومى «سوزان رايس» إلى التسريبات المتبادلة حيث الصحافة الأمريكية حاضرة والكلام مباشر من على منصات المؤتمرات تحت أضواء الكاميرات.

«فورين بوليسى» تبنت رؤية «رايس» وانتقدت وزير الخارجية الذى أبدى «تسامحا مع القوات المسلحة المصرية» ولم يتحدث فى ضرورة الإفراج عن الرئيس السابق «محمد مرسى» على ما دعت إليه مستشارة الأمن القومى بينما وصفت «النيوزويك» وزير الخارجية بأنه يتحدث ويتصرف كرجل يقف على الأرض.

رهانات «أردوغان» أقرب إلى تصورات «رايس» لكن «كيرى» الاقوى لم يبد اعتبارا لمذكرة أرسلتها إليه بما يتوجب عليه قوله فى القاهرة قبل زيارته الأخيرة.. قال ما يعتقد فيه مدعوما بصورة معلنة من جنرالات «البنتاجون» ووزير الدفاع «تشاك هاجل»، وهو أمر يصعب على جهاز الاستخبارات الأمريكية أن يغض الطرف عن رسائله، فللبنتاجون كلمته الراجحة فيما يتعلق بأى أدوار تدخل فى نطاق مناطق الصراعات الكبرى التى قد يستدعى إليها.

فى كلام «كيرى» عن سرقة ثورة الشباب محاولة دبلوماسية لاسترضاء رأى عام مصرى غاضب من الانحيازات الأمريكية لجماعة الإخوان المسلمين يعترف هو الآن أنها أخذت ما لا تستحق دون أن يعترف بأن الإدارة الأمريكية كانت راعية لما جرى من سطو علنى على تضحيات الأجيال المصرية الجديدة.

للرأى العام المصرى بعد ثورة يناير دور جوهرى فى رسم السياسات والتحولات، ومن دوافع الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» للاقتراب من القاهرة فى ظروف انتقالية أن الرأى العام فيها يطلب تعاونا استراتيجيا مع الكرملين يوازن الدور الأمريكى ويضع حدا لتدخلاته دون وضع أدنى اعتبار للمصالح المصرية واعتبارات أمنها القومى.

للتحولات الاستراتيجية ضحاياها.. و«أردوغان» على رأس القائمة.