الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 12:13 م القاهرة القاهرة 27.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الاقتصاد المصرى .. إلى أين؟

نشر فى : الثلاثاء 25 نوفمبر 2014 - 8:30 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 25 نوفمبر 2014 - 8:30 ص

تنتهى هذا الأسبوع زيارة بعثة صندوق النقد الدولى لمصر، وهى الأولى منذ شهر مارس 2013، وإن كانت هذه المرة بغرض التعرف على الوضع الراهن للاقتصاد المصرى وتقديم المشورة فقط دون أن يترتب على ذلك بالضرورة التزام بتطبيق برنامج محدد. من جهة أخرى فإن الاستعدادات تجرى على قدم وساق لعقد المؤتمر الاقتصادى للدول المانحة والمستثمرين يومى 13 و14 مارس المقبل والانتهاء من إعداد المشروعات والتشريعات التى سوف يعلن عنها بمناسبته. أما على الجانب الموضوعى، فقد قامت الحكومة خلال الأشهر الستة الأخيرة بتنفيذ عدة سياسات رئيسية: تخفيض الدعم عن الطاقة بكل أنواعها، زيادة سعر الأسمدة، تطوير منظومة توزيع الخبز والمواد التموينية المدعومة، زيادة الضريبة على دخل الشركات والأفراد، إطلاق مشروع قناة السويس الثانية، والتوسع بشكل عام فى مشروعات البنية التحتية.

ولكن بينما أن كلا من السياسات المختلفة التى تم تطبيقها قد يكون فى حد ذاته ضروريا ويستحق المساندة، إلا أن النظر إلى الموضوع إجمالا ومن مسافة لا يعطى انطباعا بوجود رؤية كلية محددة أو اتجاه عام يمكن استخلاصه، بل سياسات وقرارات مختلفة لا يجمعها برنامج واضح المعالم. وفى تقديرى أن أكثر ما يحتاجه الرأى العام المصرى قبل الأجنبى هو تحديد هذا الاتجاه، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأربع الآتية:

القضية الأولى هى التعرف على دور الدولة فى النشاط الاقتصادى وحجم تدخلها. هناك توسع كبير فى دور الدولة فى جميع مجالات النشاط الاقتصادى برغم الحديث المتصاعد عن تشجيع القطاع الخاص والاعتماد عليه لزيادة النمو والتشغيل. وإذا كان للدولة دور فى تحفيز النشاط الاقتصادى والرقابة على الأسواق ومساندة بعض الصناعات الاستراتيجية، فما الذى يدعوها للدخول مرة أخرى فى مشروعات سياحية وخدمية تنافس بها القطاع الخاص فى مجالات بطبيعتها لا تتطلب ثقل الدولة وطبيعتها السيادية.

والقضية الثانية هى عدم وضوح اتجاه الدولة فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية. فبرغم التحديات الاجتماعية الكبرى واستمرار معدلات الفقر والبطالة فى الارتفاع ومعدلات التنمية البشرية فى الانخفاض، فإن الموضوع قد انحصر مرة أخرى فى ملفين فقط: تطوير منظومة توزيع الخبز والمواد التموينية وهو مجال نجحت الحكومة فيه نجاحا كبيرا، وتوسيع قاعدة المستفيدين من المعاشات المختلفة على نحو ما أعلنت عنه وزارة التضامن الاجتماعى من خلال برامج جديدة للدعم النقدى والمعاشات يفترض أن تدخل حيز التنفيذ فى العام القادم. ومعنى أن ينحصر موضوع العدالة الاجتماعية فى الخبز والمعاشات وأن يصبح مسئولية وزيرى التموين والتضامن وحدهما أننا قد عدنا مرة أخرى إلى سياسة المسكنات وتقديم الحد الأدنى من أجل منع ثورة جديدة، ولكن دون تغيير جذرى فى سياسات التعليم والصحة والتغذية المدرسية وتشغيل الشباب وتنمية الصعيد وتحسين وضع المرأة بما يحدث الاختراق الاجتماعى الحقيقى الذى ينتظره المجتمع.

أما القضية الثالثة فهى أن الحكومة، وقد أعلنت فى بداية السنة المالية الجارية (منتصف الصيف الماضى) عن موازنتها العامة، متضمنة النزول بعجز الموازنة إلى 10٪، والارتفاع بمعدل النمو، وانخفاض البطالة، فإنها بحاجة لمراجعة هذه الأرقام وإعلان توقعاتها الجديدة مع اقتراب مرور ستة أشهر من بداية العام المالى كما تفعل كل الحكومات والدول الحريصة على مصداقية برامجها. وقد أعلن وزير التخطيط مؤخرا عن ارتفاع معدل النمو الاقتصادى وهو أمر جيد، خاصة وقد جاءت أفضل من التوقعات. ولكن مع استمرار التوسع فى الإنفاق العام وفى تنفيذ مشروعات عملاقة لم تكن واردة أصلا فى الموازنة العامة، يجب الإعلان عن المعدلات المتوقعة للعجز والتضخم وعما اذا كانت هناك زيادات جديدة مرتقبة فى أسعار الطاقة وفى الضرائب لمقابلة هذا التوسع فى الإنفاق.

وأخيرا فإن هناك حاجة ماسة لمزيد من الشفافية فى التشريع. لا يعقل أن تكون هناك قوانين اقتصادية جديدة جارٍ إعدادها للعرض على المستثمرين الأجانب فى مارس المقبل بينما الرأى العام فى مصر لا يعلم عنها شيئا حتى الآن. الوضع الدستورى الحالى يجعل صلاحية إصدار القوانين، إلى حين انتخاب برلمان جديد، فى يد رئيس الجمهورية بناء على ما تقترحه الحكومة. ولكن هذا لا يعنى أن يكون هناك تعتيم تام على التشريعات الجارية صياغتها ومراجعتها، بل أن يتحدث بعض المسئولين عن «مفاجآت» جارٍ إعدادها للمستثمرين الأجانب كما لو كان الشعب المصرى متفرجا. غياب البرلمان لا يعنى غياب آليات للحوار والتفاعل مع الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية المعنية بحماية المواطنين والمستهلكين والمنتجين، هناك مجتمع بأكمله من حقه أن يعرف وأن يشارك حتى دون برلمان منتخب.

السؤال الذى ينتظر الناس الإجابة عنه هو: ما الاتجاه الذى سوف يأخذه الاقتصاد المصرى بالضبط وكيف يختلف عما سبق؟ ولذلك فاسمحوا لى أن أكرر أن ما ينتظره العالم فى المؤتمر الاقتصادى القادم ليس مزيدا من المشروعات العملاقة ولا التشريعات الجديدة، بل الأهم من ذلك هو تحديد الاتجاه الاقتصادى، ومعرفة كيف تنوى الحكومة مواجهة التحديات الاجتماعية الكبرى التى تواجهنا، ومزيد من المشاركة المجتمعية فى تحديد المسار الاقتصادى والتشريعى.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.