الجمعة 23 فبراير 2018 12:49 ص القاهرة القاهرة 18.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل حسم النادي الأهلي لقب الدوري الممتاز للموسم الحالي؟

انجذاب

نشر فى : الجمعة 26 يناير 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الجمعة 26 يناير 2018 - 9:35 م
التاسعة صباحًا والشيخ صاحب اللحية الطويلة التي يختلط فيها الأبيض بالأسود بالرمادي، والتي تتدلى لتخفي قسمًا كبيرًا من صدره، يمسك بمحمول، يدقق فيه، تتحرك أصابعه في سرعة على الشاشة، تلمس دائرة هنا أو مستطيلًا هناك، تنقله من خبر إلى إعلان إلى أغنية إلى مَقطَع مِن برنامج، حاجبة عنه صوت الرجلين اللذين دلفا إلى دكانه، يطلبان أدوات نقاشة وعلب دهان.

***

البائع المشغول بالمحمول عن محيطه؛ شاخص في الشاشة، محنيّ الظهر والعنق، تكاد عيناه تغادران كهفيهما لتغوصان في ما يشاهد. خيوط ممتدة من المحمول تربط الرجل في مكانه، تجعله والمقعد الخشبيّ واحد، لا يرفع ناظريه ليجيب الزبائن، ولا ينصت حتى لتساؤلاتهم؛ وكأنهم هواء.

***

صبيّ البائع على الحال ذاته. شارد في محمول آخر، تنفرج قسماته وتنقبض وهو يحدق فيه، يبدو جهازه أقل قيمة وحداثة من ذاك الذي يحوز ربُّ عمله، لكنه يفي بالغرض ويؤدي المطلوب؛ يلصقه بالحائط الذي يستند إليه بلا حركة ولا إيماءة، حتى يكادا يتماهيان.

***

اشتركت في هذا المشهد؛ طرفًا ساكنًا مُتابعًا، ثم مُغادرًا دون النطق بكلمة واحد، ودون ابتياع ما يلزم مِن أغراض؛ إذ أدركت ألا فائدة مِن المحاولة بين ابتسامات الشيخ التي لا يوجهها لنا، وجمود الصبي الذي بدا وقد استيقظ من النوم في التوّ.

***

كنت أيضًا طرفًا فاعلًا في مشاهد أخرى شبيهة؛ في مَحَلّ لمُستلزَمات الديكور، وفي آخر لبيع الأثاث المكتبيّ، وأذكر أنني منذ أشهر قليلة صادفت الحال نفسها في منزل إحدى الصديقات؛ إذ طلبت من حارس العقار أن يأتي بزميل له كي يرفعا منضدة قديمة، ذات وزن ثقيل، ولها لوح هائل الحجم من الرخام السمنيّ العتيق. جاء الحارس فارع الطول ومعه شاب صغير في بدايات العشرينيات، يمسك بمحمول لا تتحول عنه عيناه. صاح فيه الحارس أن يترك المحمول ليشرعا في أداء مهمتهما، لكن الشاب لم يستجب. أعاد الحارس تنبيهه وزجره، ثم رفع صوته حتى قارب على الصراخ، والشاب عالق في محموله؛ يمسكه بيد ويتناول حافة المنضدة باليد الأخرى ثم يبدلهما، فيما أصحاب البيت يراقبون انصهاره داخل الشاشة ويتغامزون، ثم يعلقون جهرًا، والشاب معزول عن كلماتهم وغمزاتهم عزلًا تامًا، لا يلتفت إليهم ولا يعيرهم اهتمامًا.

***

كثيرة هي الكتابات التي تناولت بصمة الهواتف الذكية على حيواتنا. كثيرة هي التحذيرات التي أطلقها علماء النفس والاجتماع؛ شرقًا وغربًا، بشأن الانفصال عن آخرين يسبحون في الفضاء ذاته؛ فضاء الحجرة المشترك أو المتجر أو السوق، أو حتى صالة الدرس ومدرج الجامعة، وغيرها من الأمكنة التي يفترض بالناس أن يتواصلوا فيها، وأن تلتقي عيونهم، وتتبادل ألسنتهم التحيات والمجاملات، وربما تطرح بعض التساؤلات. كثيرة هي الدراسات التي نبهت إلى أشكال من الإدمان الإلكتروني، وإلى صور من الاكتئاب المُصاحبة لها، مع ذلك فالعادة التي تمكنت من غالبية الناس، لأقوى من ملايين الكتابات والدراسات والتحذيرات.

***

ما يلفت الانتباه في المشاهد السابقة، أن العادة التي تمكنت وتكرست كطقس يومي ممتد، لم تعد تشغل أوقات الفراغ فقط، بل غرست جذورها حتى طغت على وقت العمل، وتغولت على الرغبة المحمومة في كسب الأرزاق. الممسكون بالمحمول، المولعون بشاشته، وبمعرفة الخبر في لحظته، وتبادل الجديد من الأحداث والتعليق عليها، واستقبال علامات الاستحسان والتضامُن وغيرها، لم يعد كثيرهم يعبأ بفرصة بيع وشيكة، أو باجتذاب زبون جديد، أو بعرض بضاعة راكدة؛ قد تظل على الأرفف إلى أن تنتهي صلاحيتها.

***

تَطَرَّق الكُتّابُ والمفكرون إلى قدرة وسائل التواصل الإلكترونية الفذة، على إسكات الأزواج في البيوت، واستنزاف المشاعر بلا طائل، ومنع الأقرباء من التواد والتزاور بين الحين والآخر، لكن أحدًا لم يتطرق بالكثافة ذاتها إلى هذه الظاهرة التي أظنها حديثة العهد؛ ظاهرة تَفَوُّق الشاشة على التجارة، واكتساب الهاتف الذكيّ ونظائره، أهمية أعلى مِما لتوفير القوت، عند بسطاء الناس.

***

على كل حال، أجد الأعذار لملايين الملتصقين بهواتفهم في مجتمعاتنا الكليلة، فالأعاجيب التي تمر بنا جيئة وذهابًا، لا تترك فرصة لما دونها؛ هي تصعقنا على مدار الأربع والعشرين ساعة، فترفع مُعدلات التوجس والتوتر لذروتها، وتجعلنا في حال الترقب الدائمة؛ ثمّة ضربةٌ نشعر أنها وشيكة؛ لا نعرف طبيعتها ولا مصدرها، لكن الحدسَ يُبقينا إزاءها مُتحفزين، حريصين على أن نتلقف الأنباءَ فور وقوعها، مشدودين في رغبتنا هذه لأسهل مصدر نعده امتدادًا لأجسادنا؛ هاتف صغير نرى فيه الحياة.

***

كثيرنا يشعر في الآونة الأخيرة، أنه سقط على حين غُرة في إناء يغلي فوق النيران، حتى أولئك الذين يلوحون ساهمين، هادئين، لا يحملون همًا، ولا يُبدون اكتراثًا، صار أغلبهم لا يبارح هاتفه وشاشته، لا ينجو مِن مشاعر القلق، ولا مِن غواية الحصول على معلومة تنفلت مِن هنا أو هناك.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات