الأربعاء 26 سبتمبر 2018 12:01 ص القاهرة القاهرة 26.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

رابع المستحيلات

نشر فى : السبت 26 أبريل 2014 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 26 أبريل 2014 - 8:00 ص

على أبواب قصر الاتحادية تعترض الرئيس القادم ملفات ملغمة وتساؤلات حرجة عن طبيعة نظام الحكم ومدى التزامه بالنصوص الدستورية.

هناك مخاوف من أن تؤدى اعتبارات الحرب مع الإرهاب إلى تقليص الحريات العامة وتغول الأمن على حقوق مواطنيه.. ومخاوف أخرى من أن يفضى اليأس العام من العدل الاجتماعى إلى سحب الغطاء الشعبى عن السلطة القادمة فى لحظة مواجهة مصيرية.

للأمن ضروراته فى كسر الإرهاب وعودة الدولة لوظائفها غير أن ذلك لا يخوله إفقاد الدولة نفسها طابعها الحديث وإحالة القانون إلى التقاعد.

فى التنازع بين الاعتبارات المتعارضة يتبدى مأزق الرئاسة القادمة، فالمستقبل قد يشنق باسم الحرية والحرية قد تذبح باسم الأمن.

وفى تغييب العدل الاجتماعى مزالق إلى انهيارات محتملة.

كل شيء فى مصر له أولوية والسؤال الأول: كيف نحفظ الأمن والحرية معا؟

فى ارتباكات المشهد المحتقن صور تتضارب بفداحة.

من وقت لآخر يسقط شهداء وضحايا فى صفوف الشرطة لمجرد أنهم ينتسبون إليها.

بعض العمليات تعرف ماذا تفعل.. ومن تقتل وبعضها الآخر عشوائية تستهدف الروح المعنوية فى المؤسسة الأمنية كلها.

ومن وقت لآخر ترتفع شكايات عن خروقات أمنية لنشطاء سياسيين ومواطنين عاديين واتهامات خطيرة بانتهاك الكرامة الإنسانية والعودة إلى التعذيب.

بعض الشكايات موثقة وتطرح مخاوف عودة الدولة الأمنية.

فى الحالتين فإن الضحايا الذين سالت دماؤهم بلا جريرة أو انتهكت آدميتهم بلا رحمة لهم الحق ذاته فى التضامن الكامل.

فليس من حق أحد أن يغض الطرف عن استهداف جنود وضباط الشرطة وإلا فإنه تواطؤ ضمنى مع الإرهاب.

وليس من حق آحد آخر أن يغض الطرف عن الانتهاكات الموثقة وإلا فإنه يشارك فى الجريمة بالصمت.

هل يمكن إذن كسب الحرب مع الإرهاب وهى طويلة ومكلفة بالأساليب القديمة دون تصحيح فى المنظومة الأمنية يرفع مستوى كفاءة التأمين والأداء من ناحية ويردم أية فجوات مع مواطنيها من ناحية أخرى؟

الإجابات العامة لها قيمتها فى إرساء القواعد القانونية الحديثة غير أن السياقات توحى بحقول ألغام يصعب تجاوزها بلا خرائط مفصلة.

فى تجربة ثورة يناير جرى شبه تحطيم للمؤسسة الأمنية التى دفعت ثمنا باهظا لسياسات نظام «مبارك». وفيما بعد ترددت فى التصريحات الرسمية لمسئولين أمنيين عبارة إننا لن نستخدم مرة أخرى سوطا لأى نظام حكم. وقد جرت مساجلات طويلة حول إعادة هيكلة جهاز الشرطة وتداخلت الأهداف تحت العنوان نفسه. هناك من دعا إليها بنوازع الالتحاق بالعصر وتصحيح طبيعة الجهاز لكى يؤدى وظائفه بكفاءة أكبر فى خدمة مواطنيه.. وهناك من قصد تفكيك الجهاز كله وإلحاقه بتنظيمه السرى على ما حاولت أن تفعل جماعة الإخوان المسلمين.

بصورة أو أخرى جرت مصالحة بين الشرطة وشعبها فى (٣٠) يونيو، وكان دور الضباط الشبان لافتا فى وسط الزخم الشعبى الاستثنائى، غير أن تلك المصالحة تتعرض الآن للتأكل التدريجى من جراء بعض العودة إلى الممارسات القديمة والاستعلاء المعتاد على المواطنين. لا أحد الآن تقريبا مستعد لتقبل فكرة أن مصالحة حقيقية جرت، وهذه معضلة مستحكمة تأخذ من الأمن مرة أخرى اعتباره والتوسع المحتمل فى التصرفات المنفلتة بلا رادع حاسم يسحب عن السلطة كلها ظهيرها الشعبى.

من غير المستبعد تراجع الدعم الشعبى للرئاسة القادمة وللدولة كلها فى الحرب مع الإرهاب ما لم تدرك أن حكم مصر بعد ثورتين على الطريقة القديمة هو رابع المستحيلات. فلا عودة الرئيس الفرعون ممكنة ولا تراجع الثقة العامة فى علاقة رجل الشرطة بالمواطن العادى محتملة.

العدالة الاجتماعية من زاوية ما ضرورة أمنية، فلم يعد بوسع الطبقات الأكثر احتياجا أن تصبر بأكثر مما صبرت إذا لم تر أمامها سياسة واضحة تصنع أملا فى نهاية الطريق لا تدليلا جديدا لـ«رأسمالية مبارك».

الأمن والعدل والحرية قضية واحدة بتجليات مختلفة لكن لا شيء سوف يمضى بسلاسة. الأمن ربما تغريه قوته عن أن يرى الأفخاخ السياسية والمجتمعية تحت قدميه. قد يستعلى بعض ضباطه على مواطنيهم لاستعادة ما يتصورونه هيبة راحت فيفقدون قضية الأمن كلها. الحرية بدورها عنصر تماسك اجتماعى بقوة الإيمان لا بقهر القوة غير أن بعض التصرفات المنسوبة إليها قد تصطنع معارك فى غير أوقاتها تضر بقضيتها وتسحب عنها شرعيتها العامة.

فى معادلة الحرية والأمن فإن انحسار قدرة جماعة الإخوان المسلمين على الحشد والتعبئة دعاها إلى اعتبار الجامعات المصرية ساحة شبه حربية. استبيحت قدسية الحرم الجامعى من طلاب الجماعة قبل قوات الأمن وأهدر نضال طال لأربعين سنة متصلة لطرد الحرس الجامعى. فقدت التظاهرات سلميتها والعملية التعليمية بدت جملة مقتطعة من الصدامات اليومية.

لا يحتمل أى بلد، لا هنا ولا فى أى مكان آخر بالعالم، تظاهرات تخرب المبانى الجامعية وتعتدى على هيئات التدريس وترفع أعلام القاعدة.

الضرورات الأمنية استدعت التدخل الحاسم غير أن من آثارها الإضرار الفادح باستقلال الجامعات وحريات كان يطمح إليها.

التظاهرات المسلحة نزعت بدرجة ما عن التظاهرات السلمية جانبا من شرعيتها الشعبية غير أن هناك ما يدعو إلى المراجعة حتى لا تتحول الفجوات إلى جفوات والخلاف إلى عداء.. فقانون التظاهر عقوباته مغلظة وروح التنكيل بادية فى بعض نصوصه وبينما طبق على نشطاء سلميين لم يطبق مرة واحدة على المسلحين.

القوانين عندما تفقد قدرتها على الإقناع والاحترام فإنها تتحول إلى عبء على أية سلطة، وهناك تأكيدات منسوبة لوزير الداخلية بأن قانون التظاهر لا يستخدم منذ أسابيع ولا تلجأ إليه قوات الأمن بحسب تسريبات عن اجتماع ضمه إلى رئيس الجمهورية مع أعضاء فى المجلس القومى لحقوق الإنسان.

لماذا العناد إذن ورفض تعديل القانون بما يتسق مع نص الدستور وملاحظات المجلس القومى وهو أحد مؤسسات الدولة؟

ما الحكمة فى إغلاق أية نوافذ قانونية وسياسية تخفض مستوى التوتر العام أثناء حرب ضارية مع الإرهاب؟

وفى معادلة العدل والأمن فإن التفكير فى «ترشيد الطاقة» يعنى بالضبط رفع أسعار السلع الرئيسية.. والسؤال هنا: من يدفع تكاليف الإصلاح الجراحى الضرورى؟

إذا دفعها الفقراء والطبقة الوسطى على ما تؤكد التصرفات فإن الظهير الشعبى للسلطة الجديدة سوف يرفع بأسرع مما يتوقع أحد ويجد الأمن نفسه فى وضع خطر وترتبك الخرائط السياسية بصورة فادحة.

لا أحد ينازع على أن الأمن ضرورة حياة لكن العدل يعطيها معناها والحرية روحها.

الكلام عن العودة للوراء هو المستحيل الرابع.