الإثنين 17 ديسمبر 2018 6:11 ص القاهرة القاهرة 13.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

خواطر على هامش مؤتمر العدالة

نشر فى : الأحد 26 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 26 مايو 2013 - 8:00 ص

كان القضاء المصرى لاعبا مهما فى الحياة السياسية المصرية قبل الثورة. بعد الثورة، حافظ القضاء على دوره كلاعب فى الحياة السياسية حتى أصبح لاعبا أساسيا حيث تولّى حل منازعات فشل السياسيون فى حلها فيما بينهم. وأخيرا، تحوّل القضاء من لاعب سياسى إلى ضحية للسياسة.

 

 فكرة المقال ليست دراسة علاقة القضاء بالمستنقع السياسى الذى وقع فيه ولكن الاهتمام بكيفية قيام القضاء بدوره الأساسى ألا وهو تحقيق العدالة. فالقضاء ــ مثله مثل باقى مؤسسات الدولة ــ يحتاج إصلاحا. لا يمكن بالطبع مناقشة كل مشكلات العدالة فى سطور معدودة. لذلك سيقتصر هذا المقال على عرض سريع لأهم التحديات التى يواجهها القضاء المصرى والمسارات المطروحة أمامه ومدى ملاءمتها لتجاوز هذه التحديات.

 

يكثر حديث السياسيين عن مسألة استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية ويتم تصويرها على أنها التحدى الأكبر أمام القضاء المصرى. بلا شك، لا بد من تعديل بعض مواد قانون السلطة القضائية للحد من سلطات وزير العدل ولكن قضية استقلال القضاء مع أهميتها ليست ــ فى السياق المصرى الحالى ــ الأهم والتحدى الأساسى والأخطر أمام القضاء المصرى هو تحدى الفاعلية بمعنى أن يستطيع القضاء المصرى الفصل فى المنازعات المعروضة عليه فى مدة زمنية معقولة. مشكلة بطء التقاضى لها أسباب عديدة منها أن النظام القضائى المصرى لم يطرأ عليه تغييرات مناسبة للتغيرات التى أحدثها مرور الزمن. فما زالت محكمة النقض مثلا تعمل كما كانت تعمل منذ ٨٠ سنة مع أن محكمة النقض الفرنسية التى نقلنا عنها طوّرت من طريقة عملها حتى تواكب العصر الذى تعيش فيه. نتج عن ذلك أن المحكمة الفرنسية تفصل فى طعنها المدنى فى عام واحد بينما تفصل نظيرتها المصرية فى طعنها المدنى فى حوالى ٨ أعوام.

 

    هناك تحدٍ آخر فى منتهى الأهمية هو تحدى الشفافية أى مسألة اختيار القضاة. فى غالبية الدول، هناك معايير واضحة للالتحاق بالسلك القضائى. لا مفر إذن من وضع معايير واضحة للالتحاق بالقضاء وتنظيم مسابقة حقيقية للالتحاق بالقضاء المصرى.

 

هناك أيضا تحدى الكفاءة. كفاءة القاضى ضرورية لضمان جودة العدالة، فلا بد من العناية بكفاءة القاضى عن طريق التدريب الأصلى والتدريب المستمر للقضاة وذلك لضمان إلمامه بالمستجدات القانونية والعلوم غير القانونية التى يحتاجها القاضى لأداء رسالته.

 

 هذه أهم وأخطر التحديات التى تواجه القضاء المصرى فما هى المسارات المطروحة للتعامل مع هذه التحديات؟

 

إذا أردنا تبسيط المسألة، فمن الممكن أن نقول إن القضاء المصرى أمامه ثلاثة مسارات ممكنة.

 

الجمود

 

مع الاستقطاب السياسى وغياب مشاريع إصلاحية لدى السلطة الحاكمة والمعارضة على السواء، قد يبقى الوضع على ما هو عليه. فالجميع يتعامل مع القضاء باعتباره لاعبا سياسيا (صديقا أو عدوا) وليس كسلطة تحتاج إصلاحا جذريا كى تقوم بدورها فى تحقيق العدالة. المشكلة هى أن عدم البدء فى إصلاح القضاء ليس خيارا عاقلا لأن من شأنه تهديد شرعية القضاء المصرى وبالتالى تهديد الدولة المصرية نفسها باعتبار القضاء أحد «عواميدها». لن يفهم المواطن المصرى بسهولة سبب حصول القضاة على أعلى المرتبات فى الدولة إذا كانت «خدمة» العدالة سيئة وبطيئة، لن يفهم المواطن كيف يكون للقضاة هذه السلطات الواسعة من حبس وإعدام وحل هيئات منتخبة مع عدم وجود معايير واضحة لاختيار القضاة. بالطبع، لا يتحمل القضاة مشكلات العدالة فى مصر ولكن عليهم المساهمة فى إيجاد حلول لها. من حق القضاة الحصول على أفضل المرتبات وطبيعى أن تكون لهم كل هذه السلطات ولكن فى المقابل يجب أن تكون هناك شرعية قوية للقضاء.

 

قبل الثورة، كان القضاء هو صاحب الشرعية الوحيدة لانعدام شرعية السلطتين التشريعية والتنفيذية فكان القضاء ــ مع عيوبه ــ يتمتع بشرعية واحترام كبيرين بحكم تاريخه العريق وطبيعة النظام السياسى المصرى. لقد تغير الوضع بعد الثورة لسببين رئيسيين: الأول هو اهتزاز شرعية الدولة المصرية التى ظهر أن «فشلها» و«ضعفها» أكبر من «عمقها». الثانى هو ظهور «شرعية الصناديق» التى زاحمت شرعية القضاء الذى لم يعد يستأثر بالشرعية. ويبدو أن غالبية القضاة لم يتنبهوا للأسف لهذا الأمر.

 

إن القضاء المصرى يحتاج بناء شرعية جديدة أساسها الفاعلية والشفافية والكفاءة. هذه الشرعية الجديدة هى التى ستفرض على الشعب المصرى أن يحترم قضاءه. ففى مصر الثورة، لن يكفى ترديد تعبير «القضاء الشامخ» حتى يقتنع الشعب بشموخ قضائه. يحتاج الشعب أن يرى هذا الشموخ فى أحكام القضاء وتصرفات القضاة لا فى الخطب الرنانة وحدها. 

 

إذا استبعدنا خيار الجمود فأمامنا خيار التغيير الذى يحتوى على مسارين: التطهير والإصلاح.

 

التطهير

 

تطهير القضاء ليست بدعة خاصة فى الدول التى قامت فيها ثورات. يقول القضاة أن القضاء يطهّر نفسه بنفسه. هذا بلا شك صحيح فى الأوضاع العادية أما الفترات التى يكثر فيها الفساد فقد يحتاج القضاء إلى مساعدة من خارجه لتطهيره. عموما، لم تبدِ القوى السياسية المختلفة رغبة فى تبنى مسار التطهير ويمكن القول بأن هناك ــ حتى الآن ــ شبه إجماع على إغلاق صفحة الماضى ورفض مسار التطهير. جدير بالذكر أن مشروع القانون الذى قدمه حزب الوسط لا علاقة له بتطهير القضاء فتطهير القضاء يتم بدراسة كل ملف على حدة وليس بطريقة عشوائية. فلا يمكن اعتبار أن من هم فوق الستين عاما هم القضاة الفاسدون أما من هم تحت الستين فهم القضاة الشامخون. على أى حال، تطهير القضاء لن يساعد كثيرا فى مواجهة التحديات التى ذكرناها وهو لا يمكن أن ينجح فى ظل الاستقطاب السياسى الحالى.

 

الإصلاح

 

يبدو أن إصلاح القضاء هو المسار الوحيد لمواجهة التحديات التى ذكرناها. فإصلاح القضاء معناه تعديل التشريعات المنظمة للقضاء من أجل تجاوز هذه التحديات. بالطبع، لا يمكن إصدار هذه التشريعات دون مشاورة مع المعنيين بشئون العدالة. لذلك، فعقد مؤتمر للعدالة أمر ضرورى. من المقلق تعامل أعضاء مجلس إدارة نادى القضاة مع الدعوة لعقد هذا المؤتمر. بالطبع، هناك تحفظات مشروعة يمكن تفهمها على توقيت المؤتمر وبعض ملابسات إعداده. ولكن الظاهر هو الرغبة فى إفشال المؤتمر دون تقديم بديل واضح له. تصريحات بعض رموز النادى تظهر رغبة فى تحويل مؤتمر العدالة لمؤتمر للقضاة أى اقتصار المؤتمر على مناقشة القضاة لحقوقهم وامتيازاتهم دون تبنى رؤية شاملة لحل مشكلات منظومة العدالة. ويريد بعض القضاة أن ينفردوا بصياغة بعض القوانين فى مخالفة لمبادئ الديموقراطية. لقد تعدت سلطات الدولة على السلطة القضائية خلال العامين الماضيين ولكن هذا ليس سببا لكى يتعدى القضاة بدورهم على باقى سلطات الدولة. 

 

عموما، من حق نادى القضاة ــ بل من واجبه ــ أن يغضب من التصريحات والتصرفات غير الحكيمة التى تصدر من بعض الذين فوّضهم الشعب لتمثيله واتضح بعد ذلك أنهم تنقصهم الكفاءة والحكمة والرؤية ولكن لا يمكن ــ بأى حال من الأحوال ــ أن يكون ذلك سببا لعدم السعى الجاد فى إصلاح منظومة العدالة.

 

●●●

 

فى ظل الاستقطاب السياسى، فإن المضى قدما فى مسار إصلاح القضاء أمر فى غاية الصعوبة. على السلطة الحاكمة أن تفتح صفحة جديدة مع المصريين عامة والقضاة خاصة. ليس مطلوبا أن تذعن لكل مطالب القضاة ولا أن تقول فيهم شعرا. المطلوب هو الكف عن الاعتداء على القضاء وطمأنة الجميع بأن هدفها هو إصلاح القضاء وليس تصفية الحسابات أو إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة. على المعارضة أن تكف عن مساندة بعض مطالب القضاة غير المشروعة لمجرد أن هؤلاء القضاة يعارضون السلطة الحاكمة. وعلى القضاة أن يسعوا بجدية فى الإصلاح وأن يبتعدوا عن اللدد فى الخصومة فإغلاق باب الإصلاح قد يفتح باب التطهير. على الجميع أن يبتعد عن «الشخصنة» عن طريق الحديث عن فساد أو صلاح قاضٍ بعينه، فالمهم هو إصلاح منظومة العدالة.

 

 

 

باحث دكتوراه بجامعة السوربون

كريم الشاذلى باحث دكتوراه بجامعة السوربون
التعليقات