الخميس 24 مايو 2018 2:04 ص القاهرة القاهرة 29°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى أن دمج وتحالف الأحزاب سيفيد في انتعاش المشهد والحياة السياسية في مصر؟

السكرى يقرأ القرآن!

نشر فى : الجمعة 26 يونيو 2009 - 6:43 م | آخر تحديث : الجمعة 26 يونيو 2009 - 6:43 م

مرة ثانية تتكرر المشاهد الموحية فى محاكمة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى وضابط أمن الدولة المفصول محسن السكرى، خلال جلسة صباح الخميس أمس الأول التى نطق فيها المستشار المحمدى قنصوة رئيس محكمة جنوب القاهر بحكم الإعدام بحق الرجلين بعد استشارة مفتى الجمهورية. كان هناك مشهدان يستحقان التأمل، ويوحيان بالكثير من المعانى والعبر والدروس والعظات.. لكن هل من متعظ؟.. المشهد الأول لرجل أمن يضغط على رأس هشام طلعت مصطفى، يحنيه لأسفل، كى يدفعه إلى داخل القفص.

هشام من جهته ظهر فى الصورة مستسلما، خاضعا، وبدا كأنه مخدر بفعل قوة قهرية.

تأملوا الصورة التى نشرتها «الشروق» فى صفحتها الأولى أمس وحاولوا أن تقرأوا آلاف وملايين المعانى المتضمنة داخلها.

هشام كان حتى لحظة القبض عليه أقرب إلى الملك المتوج، الدنيا كانت رهن إشارته، اقترب من كبار المسئولين «السوبر»، امتلك مدنا بأكملها، وفنادق أكثر من فاخرة، ثروته تزيد على ميزانيات دول بأكملها، لم يكن ينقصه شىء تقريبا.

الشخص الآخر فى الصورة هو رجل أمن أكثر من عادى، وربما لا يملك غير راتبه المتواضع، وقناعة تساوى ملايين الجنيهات.

لو افترضنا أن هشام طلعت التقى هذا الشخص أو أى نموذج مشابه له، فربما ما اكترث له، لأنه يملك آلاف الأشخاص مثله يعملون فى مملكته، هو نموذج أقرب أن يكون مجرد رقم فى مخيلة هشام.

وفجأة يأتى هذا الإنسان البسيط ممثلا للقانون ليدفع رجل الأعمال ويحنى هامته إلى داخل القفص. ثم يعود إلى بيته حرا وسيدا.

المشهد الثانى كان للشخص الآخر فى القصة.. القاتل محسن السكرى ممسكا بالمصحف يقرأ القرآن قبل النطق بالحكم. محسن ضابط أمن دولة سابق، لا نعرف الكثير عن تفاصيل حياته أثناء وجوده فى الخدمة، لكن ما تيسر منها يقول إنه عنيف وعصبى، وما تسرب عن حقيقة دوره عندما سافر إلى العراق بعد الغزو وعلاقته الملتبسة بالخاطفين والمخطوفين والمرتزقة، قد يشير إلى أنه عدوانى أيضا.

نستطيع أن نتخيل كم مظلوم صادفهم سوء الحظ والتقوا هذا النموذج عندما كان فى أوج قوته.. ثقافة الواقع تمنح ضابط الشرطة فى مصر سطوة ونفوذا بلا حدود، وعندما يكون ضابطا فى أمن الدولة يصبح حاكما بأمره. وحتى لا نقع أسرى للتعميم فهناك ضباط محترفون وإنسانيون ويخافون الله فعلا.

ولست موزعا لصكوك الغفران أو مطلعا على الأفئدة.

لكن أستطيع أن أتخيل وربما أكون مخطئا أن علاقة هذا الضابط السابق بالمصحف والقرآن غريبة ومتوترة وربما منعدمة، لأنه ببساطة لو كانت علاقة حقيقية ما فعل فعلته وقتل نفسا بغير حق. مثل هذه النوعية للأسف لا تتذكر المصحف ــ أو لنقل كل ما يمثله من معان ــ إلا عندما تخرب مالطة ويكون السيف قد سبق العزل. لكن وفى كل الأحوال تظل رحمة الله واسعة وعفوه يتسع للجميع.

أجزم أن هشام طلعت مصطفى لو تخيل للحظة أن حارسا أو جنديا سيحنى رأسه وأنه سيتحول إلى «فرجة» للقاصى والدانى ما فعل فعلته، وأجزم أكثر أن السكرى لو فكر لثانية واحدة خلال تنقلاته من شرم الشيخ إلى لندن إلى دبى ما لمس شعرة من سوزان تميم.

هى الدنيا.. لا أحد يتعظ.. نتأثر كثيرا عندما نجد صديقا فى محنة شديدة أو عندما نذهب إلى المقابر ندفن عزيزا.. ثم نعود لنستأنف الحياة بكل ترفها وجبروتها، وننسى كم نحن ضعفاء.  

عماد الدين حسين  كاتب صحفي