الأربعاء 26 سبتمبر 2018 7:51 ص القاهرة القاهرة 24.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الزلزال.. وأنا!

نشر فى : الجمعة 26 يونيو 2009 - 6:45 م | آخر تحديث : السبت 27 يونيو 2009 - 9:20 ص

 «الفقر والمخاطر»، أو «ريسك آند بوفرتى».. عنوان دراسة أجريت حول الكوارث الطبيعية، ودرجة تأثر مختلف الدول بها، وفقا لمعدلات الفقر، وقوة الاقتصاد.

تقول الدراسة التى نوقشت فى اجتماع وكالة خفض المخاطر الدولية التابعة للأمم المتحدة: إن الهند وبنجلاديش وإندونيسيا، تسجل أكبر عدد من الضحايا مقارنة بدول مثل الدومينيك، وفانواتو وبورما. ومصر غير موجودة فى الدراسة، فهى ليست بنجلاديش، ولا هى بورما.. وكنت قرأت قبل أيام أن الشاطئ الشرقى للولايات المتحدة سوف يتعرض لهجوم من الإعصار «أندرياس»، وتذكرت الأعاصير أندرو، وأندى، وأندومى.. وكيف جعلت مدنا أمريكية عصيرا.. وحمدت الله أن بلادنا لا تعرف الأعاصير وإلا سوف تكون النتائج درامية تساوى هزيمة إسبانيا من أمريكا فى كأس القارات.. لكنى فكرت ماذا لو مر بنا إعصار؟ سوف نطلق عليه اسم مسعود، وربما سعيد، مهما كان أحدهما مدمرا حيث أعرف أن أبا اسمه فقير، رزق بابنة فسماها غالية!

تلك الدراسة ذكرتنى أولا بدولة مونتسيرات، وهى عبارة عن جزيرة بركانية هناك بعيدا فى المحيط الهادى، يعيش سكانها وسط الرماد، وفى انتظار الثورة التالية للبركان، ذكرتنى تلك الدراسة أيضا بكارثة طبيعية مضى عليها 42 عاما، وأحاول أن أنساها، وهى كارثة حرب يونيو 67. كما تذكرنى بكارثة طبيعية أخرى لا أستطيع أن أنساها، وهى كارثة زلزال 92..
لم تعرف مصر الزلازل فى عصرها الحديث، إلا أن هذا الزلزال المعروف بزالزل دهشور أصاب العديد من المصريين بمرض «الزلزلة».. وهو الترجمة الجديدة للمثل الشعبى الأصيل: «اللى يخاف من عفريت يطلع له».. ولأنى تعلمت أن ما أخاف منه يجب أن أدرسه وأفهمه، فقد قمت بشراء مجموعة كتب عن الزلازل وحزامها وأسبابها، خاصة أنى شكيت بأن مصر دخلت الحزام، ففى تلك الفترة، كثرت التوابع وتراقصت عمارتنا كثيرا، ولم أفهم هل تلك الرقصة تابعة لزلزال مضى أم مقدمة لزلزال جديد؟!

ضمن النصائح البلدية المخلوطة بنكهة علمية، قيل لى: أحسن طريقة لاكتشاف الزلزال مبكرا قبل أن يأتى، أن تربى كلبا. فسوف ينبح بهيستريا كلما شعر بقدوم زلزال. ربيت الكلب، وأصبت أنا بالهيستريا لأنه لم يتوقف عن النباح، حتى أهديته لصديق عزيز جدا سألنى: «كيف أكتشف الزلزال قبل أن يأتى؟!»

صدرت كلبى إلى صديقى، وتابعت رحلة البحث عن وسيلة لاكتشاف اقتراب الزلزال، وتابع أهل المشورة نصائحهم، باستخدام الطيور، لأنها تملك حاسة سابعة خاصة، وانتهت كل التجارب بذبح البط والوز والحمام، بعدما ثبت أن تلك الكائنات تصيح طوال اليوم والليل أو لا تتوقف عن «الرغى والكلام».. وقد اكتشفنا نحن سكان العمارة أن الشارع المجاور لشارعنا يعانى من «مطب هائل» هندسيا، يترتب عليه هزة أرضية خفيفة كلما مر فوقه أتوبيس هيئة النقل العام، فيهتز الحى السكنى كله وتهتز عمارتنا. هكذا لم نذق طعم النوم إلا بعد إصلاح هذا العيب الخلقى الذى عانى منه الشارع الذى يقع بجوار شارعنا؟!

كرهت فى حياتى شيئين. الثعابين، والزلازل. وكلاهما خسيس، يأتى فجأة من حيث لا تراه.. كلاهما قرصته قاضية وقاتلة. وكراهيتى للثعبان مفهومة، وحسب ظنى لا يحب أحدكم الثعبان ولا يراه كائنا لطيفا مثل جماعة «ناشيونال جيوجرافيك وديسكفرى وأنيمال بلانت».. أما الزلزال ففيه تلك الندالة، فقد تكون نائما ومستريحا ومطمئنا، ثم فجأة تجد نفسك راقصا، ومهلوعا، ومخلوعا وموجوعا.. لكنى كرهت الزلزال بصفة خاصة لأنه وضعنى فى أصعب لحظة اختيار يمكن أن يواجهها إنسان..كيف؟!

كنا فى زيارة لمنزل أبى، فى ذلك الوقت. وكان الحديث يدور بين العائلة عن الشقوق والشروخ التى أصابت جدران البيت، ومدى الحاجة إلى مهندس للكشف على أساس المنزل. ولأنه بدا مثل حديث عن عفريت، فقد طلع لنا فى نفس اللحظة.. صوت رعد قادم من بطن الأرض. واهتزازات غاضبة، كأن المنزل دخل إلى «خلاطة خرسانة» أو كسارة بندق، وخلال 60 ثانية تقريبا، حدث مايلى:

حملت ابنى، وكان عمره ثلاث سنوات، وقفزت إلى الدور الأرضى على مرتين من الدور الثانى عبر سلم المنزل، وتذكرت أنى تركت زوجتى، وأمى، وأبى. فصعدت سريعا وفى ذهنى أنى لن أعود أبدا إلى ابنى الذى تركته فى الدور الأرضى، صعدت كى أحمل زوجتى، كما حملت ابنى، ومن حسن الحظ أنى التقيتها فى منتصف الطريق وبصحبتها أمى.. وكنت صاعدا وهما فى طريقهما للهبوط. فأكملت الصعود، مهرولا إلى أبى، فوجدته مشغولا بالبحث عن فرشاة شعر، يصفف بها شعره، فصرخت: «بابا البيت بيقع هو حضرتك رايح تقابل رئيس الوزرا؟!».

لم يتنازل عن تصفيف شعره. ولم يسقط البيت والحمد لله.. كان الزلزال فى حد ذاته اختبارا للكود المصرى وعبقريته، حتى لو لم يكن محسوبا. قضينا الليلة فى الشارع خوفا من التوابع أو المقدمات، وقضيت بقية عمرى وحتى اليوم متهما بأنى تركت زوجتى فى لحظة خطر، وأحاول أن أنسيها وأذكرها دائما بأنه اختيار الفطرة والغريزة، وأنى كنت فى الطريق لإنقاذها مضحيا بحياتى على الرغم من خطورة الوضع!

هذا الموقف لما فيه من اختبار قاس بشأن الاختيار.. من أسوأ مخاطر الكوارث الطبيعية.

حسن المستكاوي كاتب صحفي بارز وناقد رياضي لامع يعد قلمه وكتاباته علامة حقيقية من علامات النقد الرياضي على الصعيد العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة ، واشتهر بكتاباته القيمة والرشيقة في مقالته اليومية بالأهرام على مدى سنوات طويلة تحت عنوان ولنا ملاحظة ، كما أنه محلل متميز للمباريات الرياضية والأحداث البارزة في عالم الرياضة ، وله أيضا كتابات أخرى خارج إطار الرياضة ، وهو أيضا مقدم برنامج صالون المستكاوي في قناة مودرن سبورت ، وهو أيضا نجل شيخ النقاد الرياضيين ، الراحل نجيب المستكاوي.