الإثنين 19 نوفمبر 2018 2:27 م القاهرة القاهرة 25.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

المبادرة

نشر فى : السبت 26 يوليه 2014 - 8:15 ص | آخر تحديث : السبت 26 يوليه 2014 - 8:15 ص

على وقع المجازر الإسرائيلية فى غزة تأخذ الحوادث مدى مختلفا عن كل التوقعات التى سبقتها.

صور المجازر أفضت إلى وضع إسرائيل فى مأزق يصعب الخروج منه بلا أثمان تدفعها.

فى استهداف المدنيين اعتراف مبكر بالفشل العسكرى، فلا الجيش الإسرائيلى نجح فى إثبات قدرته على التقدم البرى ولا نال من جماعات المقاومة، التى ألحقت به خسائر فادحة فى الأرواح، ولا حقق أيا من الأهداف التى أعلنها.

فى الاستهداف نفسه انكشاف سياسى وأخلاقى أمام العالم، فالمذابح الجماعية جرائم ضد الإنسانية قررت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة التحقيق فيها ومساءلة المتورطين «حتى لا يفلتوا من العقاب»، وهو موقف يتجاوز سياسيا ومعنويا أية مواقف منسوبة إلى الجامعة العربية.

هناك حدود للتوغل فى ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية. وهذا يحكم المأزق الإسرائيلى فالمضى فى المجازر كلفته لا تحتمل والتوقف الإجبارى اعتراف بإخفاق استراتيجيتها السياسية والأمنية.

سعت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى تأكيد قدرتها على إخضاع الفلسطينيين لمنطقها فإذا بها تعجز عما طلبت وسعت إلى اقتناص حرائق العالم العربى لإنهاء القضية الفلسطينية، فإذا بها تدخل فى براكينه.

ورغم انحياز «الميديا الغربية» لإسرائيل بصورة تتجاوز أية معايير مهنية وسياسية وأخلاقية فإن وسائل الاتصال الحديثة خرقت الجدران المصمتة ونقلت صور المجازر بصورة ساعدت على تعبئة الضمير الإنسانى والحشد لتظاهرات تضامنية مع غزة عمت عواصم كبرى.

خسرت إسرائيل معركة الصورة وبقيت عارية بلا غطاء سياسى ولا نجاح عسكرى، رغم أن أغلب التغطيات الإعلامية الغربية مالت إلى وصف العدوان بـ«العملية» دون أية صفة توضح طبيعتها، كأن تقول «العسكرية» غير أنها لم تصل إلى المستوى المزرى، الذى تردد فى تغطيات إعلامية مصرية «محدودة»، أيدت العدوان وشدت على يد جنرالاته بما أساء إلى البلد كله وألحق به ضررا يصعب ترميمه فى مدى منظور.

فى السباق بين «العسكرى» و«التفاوضى» فإن الحقائق تفرض نفسها، فإسرائيل مأزومة بقسوة وكلام وزير الخارجية الأمريكى «جون كيرى» يشى باستعداد ما لتحريك المبادرة المصرية لتحتوى على تفاهمات بضمانات دولية فى ملفى «الحصار» و«الأسرى» بالتوازى مع وقف إطلاق النار.

لم يكن ذلك موقفا أخلاقيا بقدر ما كان اعترافا بعمق المأزق الإسرائيلى، وأن هناك وضعا ميدانيا جديدا.

بمعنى واضح لم يعد ممكنا تمرير المبادرة المصرية بنصوصها السابقة، التى تؤكد على البدء بوقف الأعمال القتالية قبل التطرق إلى الملفات المعلقة، وأن تكون هناك آلية للنظر فيها تاليا، فثمة شبه إجماع فلسطينى يتحفظ عليها بدرجات مختلفة ومستعد لبذل مزيد من التضحيات مقابل ثمن سياسى يرفع الحصار ويطلق الأسرى؛ خشية العودة مرة أخرى إلى الملعب القديم بالقواعد التى تفضى من وقت لآخر إلى اعتداءات جديدة. هناك رهان فلسطينى أوسع من «حماس» وأنصارها و«فتح» وسلطتها على تحمل أكبر للتضحية لكسر أسوار الحصار حتى تكون للتضحيات معناها.

فى الأداء المصرى شىء من التشبث بنصوص المبادرة، التى ليست باليقين قرآنا منزلا. وهذا خطأ سياسى ودبلوماسى فهناك تحولات أساسية على الأرض والأطراف الدولية، التى أيدت المبادرة تقف على يسارها. الأصل نصرة القضية الفلسطينية والمساعدة بأقصى ما تستطيع مصر لرفع الحصار عن غزة وفق ضمانات دولية والإفراج عن الأسرى سواء الدفعة الرابعة، التى علقتها إسرائيل أو الذين أعادت إسرائيل اعتقالهم بعد تحريرهم وفق صفقة الإفراج عن الجندى الإسرائيلى «جلعاد شاليط».

القضية ليست أن تكون التفاهمات الخاصة بالحصار والأسرى تالية أم موازية لوقف إطلاق النار بقدر ما هى أن تقف السياسة المصرية حيث يجب أن تقف قادرة على إلهام عالمها العربى فى التماسك الضرورى لمنع انهياره النهائى.

والقضية ليست فى أن هناك أطرافا إقليمية بعينها تريد إحراج الرئاسة المصرية الجديدة على خلفية إدارة أزمة العدوان على غزة، فما هو مطروح أخطر من أن يلخص فى مكايدات سياسية تجد منطقها فى أخطاء السياسة المصرية بأكثر مما تجدها فيما هى قادرة عليه أو مستعدة أن تفعله.

تركيا مثالا لم تفعل شيئا تقريبا سياسيا ودبلوماسيا لنصرة غزة وقضيتها باستثناء إعلان التضامن معها والهجوم فى الوقت نفسه على الرئيس المصرى ونقد إدارته للأزمة وأوجه القصور فيها.

رغم ذلك كله تدرك أن غزة قضية مصرية وأن العالم عندما يتوجه لمصر فى هذا الملف بالذات فإنه يدرك الحقيقة نفسها، غير أن المشكلة أحيانا فى مدى إدراكنا نحن للحقائق الأساسية والقدرة على التصرف فيها بصورة أكثر إقناعا وتأثيرا.

لم يكن العدوان الإسرائيلى مفاجئا على أى نحو، فقد كانت المعلومات متوافرة والتقديرات تحذر من أخطاره، لكن ما كان متوقعا بدا كأنه قد هبط فجأة من السماء.

ارتبكت الأداءات الإعلامية والسياسية وخلطت الأوراق بين غزة وحماس، رغم أن الثانية لا تلخص الأولى وترددت عبارات استهلكها الزمن عن أرقام الشهداء من أجل فلسطين أو أن مصر خاضت أربعة حروب من أجلها فى أعوام (١٩٤٨) و(١٩٥٦) و(١٩٦٧) و(١٩٧٣) على ما كانت تقول حملات «أخبار اليوم» على عهد الرئيس الأسبق «أنور السادات».

عودة اللغة القديمة إشارة إلى تعثر جديد محتمل للدور المصرى فى عالمه العربى، فمصر حاربت من أجل نفسها قبل أن تحارب من أجل فلسطين.

فى المرة الأولى تحركت مصر لمنع بناء دولة على حدودها تهدد أمنها القومى فوق جثة شعب عربى شقيق، القضية كانت مشتركة والمصير واحد والنكبة نالت العرب جميعا.

ولدت ثورة يوليو فى خنادق القتال بفلسطين «فقدنا ثقتنا فى قادتنا ومن يحكموننا» على ما كتب «جمال عبدالناصر» وهو فى الثلاثين من عمره بخط يده تحت قصف النيران الفالوجا.

وفى المرة الثانية اعتدى تحالف ثلاثى ضم بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر بعد تأميم قناة السويس، وأيا كانت التضحيات فقد أفضت النتائج السياسية لهذه الحرب إلى صعود مصرى كبير فى قيادة حركات التحرير الوطنى فى العالم العربى والقارة الإفريقية ممتدا أثره إلى العالم الثالث كله.

فى المرة الثالثة استهدفت الحرب على مصر إجهاض مشروعها النهضوى باستغلال ثغرات بنية النظام الناصرى، وفى المرة الرابعة كانت الحرب قتالا من أجل تحرير ما احتل بالقوة.

ضبط اللغة مسألة ضرورية للتقدم إلى العالم العربى بأوراق اعتماد جديدة وتطوير المبادرة المصرية يرفع من مستوى الأداء السياسى ويصحح الصورة العامة.