السبت 16 ديسمبر 2017 8:42 م القاهرة القاهرة 18.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

ترجمة خطاب بانون دفاعًا عن ترامب

نشر فى : الخميس 26 أكتوبر 2017 - 9:50 م | آخر تحديث : الخميس 26 أكتوبر 2017 - 9:50 م

تواجدت عدة مرات مع ستيف بانون فى نفس الغرفة أو القاعة خلال حضورى مؤتمرات وفاعليات مختلفة بالبيت الأبيض، وخلال تلك المرات لم يفتح بانون فمه بأى كلمة، فقط كان يتواجد مراقبا ومتابعا.
التقيته متحدثا للمرة الأولى يوم الإثنين الماضى، وفعلا يمتلك الرجل مهارات مختلفة ومتنوعة، ويتمتع بكاريزما وجاذبية خاصة، على الرغم من تبنيه استراتيجية شريرة وإيمانه بآراء متعصبة وعنصرية، إضافة لتبنيه لمنهج شعبوى من أجل خدمة أهدافة.
وتنبع خطورة بانون الرئيسية من فهمه المعقد لتركيبة المجتمع الأمريكى، وكيف أثرت عليه تطورات العقود الأخيرة خاصة فيما يتعلق بنسيجه الاجتماعى واللغوى والعرقى والدينى، واستطاعته استغلال خبرته العملية بذكاء كجندى سابق وكصانع أفلام روائية ووثائقية، وكمدير أشرف على عدد من وسائل الإعلام المؤثرة.
بعد خروج بانون من البيت الأبيض فى أغسطس الماضى، عاد لموقع بريتبارت الإخبارى الشعبوى، والذى كان يشرف عليه قبل تفرغه للعمل ضمن فريق حملة وإدارة دونالد ترامب. وذكر فى أول مقابلة صحفية بعد ذلك وكانت من نصيب مجلة الإيكونوميست البريطانية أنه «امتلك تأثيرا كبيرا خلال وجوده داخل البيت الأبيض، إلا أنه الآن يمتلك القوة من خلال وجوده على رأس موقع بريتبارت الإخبارى». وتعهد بانون بدعم الرئيس ترامب فى مواجهاته ضد الكونجرس، ووسائل الاعلام وقطاع الأعمال والشركات.
إلا أنه من الغريب فهم هذا التعهد فى ضوء سيطرة الحزب الجمهورى (حزب الرئيس ترامب) على مجلسى الكونجرس (النواب والشيوخ)، وكما يُعرف عن قطاع العمال والشركات غالبا ما تميل لجانب الجمهوريين.
ولا يقتصر صراع بانون وترامب من جانب ضد مؤسسات ورموز الحزب الجمهورى من جانب آخر على أجندة الحزب المحافظة، بل تخطى الصراع هذه النقطة ليصل لمعركة من يحدد مسار الحزب. هل بانون ذو الأجندة الأيديولوجية المتشددة والذى يرى العالم من منظور مختلف عن منظور المؤسسة الجمهورية الراسخة، وما يعنيه ذلك من استمرار معارك واسعة داخل الحزب الجمهورى، أم ستنجح مؤسسة الحزب فى كبح جماح تصورات بانون حول الحزب والحكم والعالم. سؤال مفتوح وهام خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس بعد عام واحد من الآن وخوف الطرفين من استغلال الحزب الديمقراطى لهذا الانشقاق الجمهورى.
***
نعم يضم الحزب منذ ستينيات القرن الماضى، تيارات فكرية متنوعة ــ صاحبت إقرار قوانين الحقوق المدنية التى منحت حقوقا مساوية للسود ــ أهمها المحافظون الاقتصاديون (فيما يتعلق بالضرائب وقطاع الأعمال) والمحافظون الاجتماعيون (ممن يقفون وبشدة مع شكل العائلة التقليدى) والمحافظون الجدد (ممن لا يمانعون استخدام القوة والحروب الخارجية)، ويضم كذلك المعادين لدور متضخم للحكومة الفيدرالية. وتاريخيا تبنى الحزب الجمهورى أفكارا وقيما تقليدية محافظة سواء الاجتماعى منها أو ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، فى الوقت الذى تبنى فيه سياسة خارجية تدعم التدخل الأمريكى فى الشئون العالمية ولا تمانع من استخدام القوة والسلاح لخدمة المصالح الأمريكية. لكن بانون من جانبه يعارض الكثير من مسلمات الحزب الجمهورى، فقد عارض بانون حرب العراق 2003، والمستمرة حتى اليوم، وذلك على الرغم من أنها نتاج أفكار المحافظين الجدد، التيار الرئيسى بالحزب اليوم. وينتقد بانون فى كل مناسبة سجل هيلارى كلينتون؛ وهو السجل الأقرب لسياسة وقيم وأفكار الحزب الجمهورى عنها لقيم الحزب الديمقراطي؛ عندما يتعلق الأمر بدعمها للحروب الأمريكية فى أفغانستان أو العراق أو ليبيا أو حتى الغارات على صربيا أثناء رئاسة زوجها بيل كلينتون فى تسعينيات القرن الماضى. وعلى العكس من التراث الجمهورى الداعم للتحالفات العسكرية للولايات المتحدة، وعلى رأسها حلف شمال الأطلنطى (الناتو)، يرى بانون عدم وجود ضرورة لبقاء الناتو ويعتقد أنه يستنزف الموارد المالية والبشرية والعسكرية لأمريكا ولا يخدم إلا مصلحة الدول الضعيفة بين الأعضاء. كما يعارض بانون نهج الحزب، ويدعو دولا مثل اليابان وكوريا الجنوبية للاستقلال العسكرى عن الولايات المتحدة. ويعارض بانون وبقوة اتفاقيات التجارة الحرة التى هى عماد التجارة الدولية وذلك على العكس مما يؤمن به ويدعمه الحزب الجمهورى. ومن هنا جاء تعهد ترامب بإعادة التفاوض حول اتفاقية «نافتا» منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وتضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ويعارض كذلك اتفاقية منطقة آسيان، الشراكة التجارية لمنطقة المحيط الهادى، والتى تضم إضافة للولايات المتحدة اقتصاديات شرق وجنوب آسيا الصاعدة والتقليدية. ولطالما آمن الحزب الجمهورى بفلسفة الأسواق الحرة وحرية انتقال رءوس الأموال والشركات كعوامل ضرورية لدفع الازدهار الاقتصادى، بينما يطالب بانون بفرض سياسات حمائية لخدمة العامل والمنتج الأمريكى، ويتعهد بإقناع ترامب بفرض تعريفة جمركية، وضرائب على المنتجات الواردة من الصين وغيرها من الشركاء التجاريين لأمريكا.
***
لا يتوقف بانون وماكينته الإعلامية من مطاردة أى عضو من الحزب الجمهورى يخرج على النص ويهاجم الرئيس دونالد ترامب وأجندته. ولم يتوقف هجوم بانون على قادة الكونجرس الكبار مثل زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونل ورئيس مجلس النواب النائب بول راين. أما من ينتقد ترامب علنا مثل السيناتور الجمهورى جون ماكين أو السيناتور بوب كوركر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، ومؤخرا السيناتور الجمهورى من ولاية أريزونا جاك فيلك، فلا يكون مصيره إلا التشهير والإهانة.
منذ صعود نجم ترامب السياسى واغتنامه بالبيت الأبيض ظهر حجم الانقسامات داخل دوائر الحزب الجمهورى، وصلت لدرجة أن يتخوف البعض من خطف الحزب على يد التيار الشعبوى الذى يُعد ستيفن بانون أبوه الروحى داخل الحزب. نعم شكل وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم فى الولايات المتحدة صدمة لكثير من الناس حول العالم، إلا أن هذا النصر كتب شهادة ميلاد جديدة للتيارات العنصرية المتطرفة اليمينية الشعبوية فيها، هذه التيارات تحاول إعادة تركيب التاريخ الأمريكى ليظهر وكأنه تاريخ صراع مجتمعى على قضايا الهوية والعنصرية والتطرف وتحية النشيد الوطنى أو حرق العلم الأمريكى أو حقوق المثليين جنسيا. المفاجأة غير السعيدة هى أنه يبدو أن أنصار هذا التيار المؤمنين بستيفن بانون ورؤيته ليسوا أقلية صغيرة كما يعتقد البعض.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات