الإثنين 27 مارس 2017 4:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى 2 جنيه؟

حول الديمقراطية والبهدلة

نشر فى : الأربعاء 26 ديسمبر 2012 - 9:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 26 ديسمبر 2012 - 9:15 ص

لن أحكى عن التجاوزات الإجرائية، ولا عن الألاعيب السياسية مع أنها كانت أول ما بدأت به يومى، يوم السبت ٢٢ ديسمبر، حيث ذهبت إلى جمعية صديقة لأستلم تصريحى بمراقبة الاستفتاء، وبينما أنا أنتظر التصريح وأسماء اللجان التى سأمر عليها كانت المكالمات تتوالى تصف الانتهاكات وتشكو رفض أقسام البوليس تحرير محاضر بها.

 

وتخللت اليوم مشاهد وشهادات تصف أنواعا متباينة من المخالفات، من شكوى فى الحوامدية بأن الباصات تأتى محملة بناخبات لجنة بعينها، وتمر من سور المدرسة لتدخلهن مباشرة إلى اللجنة دون الانتظار فى الطابور، إلى ذعر سيدة رقيقة الحال أفهموها (من الذى أفهمها؟) انها إن قالت «لا» سيتم وقف معاشها: ثلاثمائة جنيه تربى بها أبناءها، إلى ما شهدته بعينى من حضور سيدات ترمين بكلام يشعل مشادات طائفية فى الطابور الذى ضاق خلقه أصلا من طول الانتظار ثم تغادرن المكان بدون الإدلاء بأصواتهن. هذا حدث، وحدث أكثر منه، وسيظل محل نقاش وتقاضٍ. ولكن، الإطار العام الذى تتم فيه عملية الاستفتاء هو ذاته فى حاجة إلى دراسة ومراجعة.

 

فإن كان الاستفتاء، أو الانتخاب، هو الآلية المتفق عليها لتأخذ إدارة البلاد توجيهات الشعب، ومن ثم الشرعية، فيجب أن يعكس الإجراء نفسه ذلك؛ أى يجب أن يحترم الإجراء الشعب. لننظر ماذا يحدث بالفعل:

 

مدرسة أم المؤمنين فى العمرانية

 

نقترب من المدرسة ونتبع الطابور الممتد فى الشارع إلى بابها، الحوش رحب شرح، والطابور ينثنى فيه ويتعوج ويستمر حتى باب اللجنة. المدرسة بها ٦ لجان، والآن، فى نحو الثالثة بعد الظهر اللجان قد انتهت تقريبا من أعمالها، فيما عدا لجنة واحدة. هى لجنة سيدات، والواقفات فى طابورها أغلبهن من كبار السن. الطابور لا يكاد يتحرك. أتتبعه حتى الباب الذى عنده تدافع وازدحام كبير. أربعة من جنود القوات المسلحة يحكمون الدخول إلى اللجنة بناء على تعليمات رئيس اللجنة والعاملين بالداخل، وقد مترسوا الباب بدِكَك الحديقة الخشبية الخضراء.

 

السيدات غاضبات من طول الانتظار. اللجان المجاورة انتهت من عملها فلماذا لا يقسم العمل عليها؟ طبعا هذا الآن مستحيل. السيدات يجهرن بالانتقاد وبأن هذا البطء مقصود علشان يزهقوا ويمشوا وهن لن يزهقوا. تتهاوى سيدة على إحدى الدكك وتجرى إليها ابنتها وتقف لتُهَوِّى عليها. هذا المشهد ــ مشهد الابنة التى أكملت استفتاءها تقف وتهوى على الأم المنتظِرة دورها ــ رأيته أربع مرات أثناء اليوم. الجنود منزعجون من التدافع، من ضغط كتلة النساء الجسدى على ظهورهم، وهم أحيانا يستديرون ليزعقوا ويقسموا ان ماحدش داخل لو الصف لم ينتظم فتزعق السيدات بالرد احنا هنقف لحد إمتى؟ انتو مابتدخلوش الناس ليه؟ تصعد سيدة إلى إحدى الدكك المتاريس وتتوازن عليها بصعوبة، مشرئبة، تحاول الرؤية داخل الغرفة واستشفاف سبب العَطَلة. تخبر الواقفات انها لا ترى شيئا يذكر. أحاول أن أمر بين الناس بالجنب، أُصَغِّر من حجمى وأرفع تصريح المراقبة عاليا ليراه الجميع وأعلن بصوت مُستسمِح: «رقابة.. رقابة؟» حين أندلق من الزحام إلى الغرفة رافعة التصريح تقابلنى صيحات «حقوق إنسان! حقوق إنسان! ورِّى التصريح لسيادة المستشارة..» سيادة المستشارة فى الحقيقة شكلها مغلوب على أمرها إلى حد كبير، إلا أن مراقِبة موجودة بالمكان من قبلى تحذرنى أن المستشارة توجه الناس للتصويت بـ«نعم» وعلينا ملازمتها طول الوقت. (يُسِّر لى مراقب آخر فيما بعد بأن المراقبة الأولى من «جماعة الغريانى» ويجب الحذر منها ــ والحقيقة أن كل ما أعلمه علم اليقين هو ان هناك حالة من انعدام الثقة شبه الكاملة ــ لكن الكل، مع ذلك، يحاول القيام بدوره.

 

الموجودون بالمكان رئيسة اللجنة، ومعها ٥ (ربما ٦) موظفين، شابان وسيدة وأنا مراقبين. تعليمات المستشارة إلى الجنود إدخال خمس سيدات ولا تدخل غيرهن إلى أن يخرجن جميعا.

 

هندسة عملية الإدلاء بالصوت تبدو مصمَّمة بهدف العرقلة. لنُسَمِّى المحطات المختلفة حسب ترتيبها على الأرض فى المكان: (١) هو الباب، (٢) طاولة رئيس اللجنة عند الجدار اليمين، (٣) طاولة كشوفات التسجيل عند الجدار المواجه للباب، (٤) ساتر الإدلاء بالصوت عند الجدار اليسار، (٥) صندوق الاقتراع فى وسط الغرفة. على كل سيدة أن تتجه من الباب (١)، عبر الغرفة، إلى (٣)؛ الطاولة عند الجدار المقابل حيث تبرز البطاقة ورقمها فى السجل، فيبحث العامل فى كشوفات ورقية كثيرة إلى أن يجد الرقم، فيدون شيئا فى الكشف، ثم يدير الكشوف نحو السيدة ــ ممسكا بالأوراق حتى لا يفقد الموقع، فتأخذ السيدة القلم وتوقع باسمها فى الكشف (هذا إن كانت تقرأ وتكتب) ثم تعود السيدة إلى (٢) حيث تترك البطاقة عند رئيس اللجنة الذى يعطيها ورقة الاقتراع، ثم تتجه ــ عبر الغرفة ــ إلى الساتر (٤) حيث تعلم على الورقة، ثم إلى منتصف الغرفة (٥) حيث تضع الورقة فى الصندوق ثم إلى (٢) حيث تستعيد بطاقتها ثم إلى (١) حيث تحارب للخروج من الباب.

 

السيدات تصطدمن ببعضهن فى الطريق من وإلى المحطات المختلفة، الكل يصطدم بطاولة صندوق الاقتراع فى الرايحة والجاية، الكثيرات من السيدات يتهن وسط الإجراءات، العاملون بالمكان يصدرون تعليمات وأوامر متعاقبة بأصوات عالية ولهجات آمرة ــ «من هنا، من هنا يا ستى، عدى من هنا، هناك، هناك، ياللا بسرعة، ياللا، معاكى الرقم؟ روحى هناك، تعالى من هنا» ــ سيدة وقفت تبكى، قالت لى إنها أضاعت الورقة التى عليها رقمها فى السجل والعامل يقول لها ان هذه ليست لجنتها لكن ابنها (وهو الذى طلَّع لها الرقم أصلا) أكد لها أن هذه لجنتها. طيب فين ابنك نسأله؟ ابنها بره ومستحيل أن تمر من هذا الباب لتجده وتستطيع الدخول مرة أخرى. تعاوننا أنا وهى وأتينا برقمها من ٥١٥١ فدعت لى. وبخنى الموظف لأن المراقب عليه أن يراقب فقط. حدث كثيرا أن تقف سيدة فى حيرة عند الساتر ممسكة ببطاقة الاقتراع، لا تعرف أى لون يعنى ماذا. العاملون يصرخون فيها «مع نفسك يا ست! ماحدش يسأل حد حاجة! ياللا بسرعة! مافيش كلام مع حد!» سألت الموظف الذى يصرخ ــ شاب كان يمكن ان يكون حفيد أى واحدة من السيدات ــ سألته ما الضرر فى أن تقول لها ان الأزرق معناه «نعم»، والبنى معناه «لا». قال «عشان ماحدش يقول اننا بنوجههم». فى الآخر قالوا ان المستشارة لازم هى اللى تقول، بس طبعا المستشارة هتعمل إيه والا إيه؟

 

وكأن الإجراء كله نوع من العقاب الجماعى، لا كرامة فيه ولا إنسانية. سيدة على ما وصلت لأنها دخلت من الباب كانت بدأت فى الزعيق: «هى إيه البهدلة دى؟ إحنا ستات كبار! خمس ساعات واقفة وانا عندى القلب!» تحول الزعيق إلى صراخ؛ هى تقف وسط الغرفة، وجهها قد شحب وينضح بالعرق، كفها على صدرها، وتصرخ: «بتعملوا فينا كده ليه؟ هو احنا جايين ناخد منكوا فلوس؟ هو احنا طالبين منكوا حاجة؟ أنا عندى القلب انتو بتذلونا ليه؟» أخرى أيضا تبكى لأنها أضاعت الرقم ولأن ابنتها الطفلة، الواقفة ترقبها، عندها فيروس سى.

 

خرجت مرة أخرى إلى الحوش والطابور. السيدات قويات صامدات مصرات، لكن الله وحده يعلم حجم المتاعب والمشاكل التى تحملها الواحدة منهن، تلك المشاكل التى ــ حين تصل إلى اللجنة بعد الطابور والصراع على الباب لتفاجأ بأنها فقدت الرقم ــ تتكالب عليها فى تلك اللحظة فتبكى كل شىء.

 

المفروض أن تكون لحظات ممارسة «الديمقراطية» هذه لحظات عزة لأبناء الشعب، ولا يصح أبدا أن تدخل فى زمرة اللحظات المهينة والطبقية، لحظات الشخط والنطر والأمر ــ التى يعيشها الناس أغلب الوقت. الشعب لم يأت إلى الاستفتاء ليستجدى، بل جاء ــ وكتّر ألف خيره فى هذه الظروف ــ ليقول كلمته فى سير البلاد.

 

الجيد فى هذا الاستفتاء الأخير هو انتفاضة المجتمع المدنى الذى نزل يمارس حقه فى المراقبة. بنتعلم. علينا أن نفكر أيضا فى آليات الدعم، وأن نجد الطرق والأساليب التى تمكننا من دعم ومساندة إخواننا وأخواتنا ممن هم بحاجة إليه. أنا وجدت نفسى تلقائيا أنسى الرقابة وأتجه نحو المساندة ــ إحضار زجاجات مياه، البحث عن رقم السجل، هدهدة طفل، تطييب خاطر سيدة. لم يكن هذا صح، لأن الرقابة مهمة، لكن الدعم أيضا مهم، دعم البنى آدمين اللى الثورة دى ــ فى الآخر ــ عشانهم.

 

ملحوظة: أسفرت نتيجة الاستفتاء فى المرحلة الثانية بلجنة 25 بمدرسة أم المؤمنين بالعمرانية بالجيزة، عن تصويت 733 بـ«نعم» مقابل 744 بـ«لا».

التعليقات