الجمعة 24 فبراير 2017 10:17 م القاهرة القاهرة 17°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

تحية إكبار للأستاذ أيمن مهنى

نشر فى : الأربعاء 27 فبراير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 27 فبراير 2013 - 8:00 ص

الشريط المسجل مع الأستاذ أيمن مهنى شريط مؤلم للغاية، وشريط هام للغاية. تستوقفك فيه دماثة خلق هذا الرجل الواضحة، وتهذيبه الشديد، وشجاعته المرهفة؛ رباطة الجأش التى تنهار بين حين وآخر، فتغض الكاميرا البصر، ثم تعود إلى التسجيل.

 

يقول الأستاذ أيمن:

 

«كنت رايح يوم الأحد ٣ فبراير أدفع فاتورة الموبايل فى شارع ١٤ مايو فى سموحة، وكان فيه مظاهرات بسبب حمادة صابر اللى سحلوه وقلعوله هدومه عند الاتحادية، وكان الأمن المركزى بيرمى قنابل على المتظاهرين وبيجرى وراهم. جت العربية بتاعة الأمن المركزى بتجرى ورا المتظاهرين. عربية الأمن المركزى كان وراها ناس لابسين مدنى وماسكين عصى. كانوا بيضربوا الناس اللى واقفة. قبل ما أخش الفرع (لدفع الفاتورة) ضربونى بعصاية فى دماغى، فقدت طبعا الوعى. لما فقت لقيت الجماعة اللى لابسين مدنى دول رمونى فى المدرعة بتاعة الأمن المركزى. طبعا أنا مش عارف أنا اتاخدت ليه. حطونى فى قلب العربية ولقيت العسكرى عاملنى السلم بتاعه: ينزل يضرب فى المتظاهرين، ويطلع عليا».

 

كتفوا ايديه ورا ضهره بأفيز بلاستك ولبسوه كيس اسود فى راسه. أخدوا منه الموبايل والفلوس اللى كانت معاه. ثم أخذوه إلى معسكر أمن مركزى حيث بدأ الضرب.

 

 «القيادات فى الأمن المركزى مفهمة العساكر إن إحنا كفار؛ لدرجة إن العساكر وهى داخلة تضرب بتقول يا كفرة يا ولاد الـ… وبيشتموا بألفاظ قبيحة. اتبهدلنا طبعا. وجم بالليل كان الظباط بتوع الأمن المركزى، اللى هى نوباتشية، بدل ما يتفرجوا على التلفزيون لأ كانوا بيعملوا علينا حفلة: العساكر يطلعونا ليهم متكتفين، ويلبسونا كيس إسود فى دماغنا، وشتيمة وإهانة...»

 

قال له الضباط انهم يعرفون إنه راجل موظف وإنه عايز يمشى وقالوا إنهم هيمشوه فعلا، بس يمضى على اعتراف بأنه ينتمى للـ «بلاك بوك» (كذا). فرفض.

 

«طبعا الإهانات بقت كتير، والضرب أكتر، يدخلونا أوضه ويكبوا فيها مية ويوصلوا فيها تيار كهربى يكهربنا… بقينا بنتنطط على الأرض.. و.. و …»

 

الكاميرا تقطع، ثم تعاود:

 

«كانوا بيجيبوا عصيان واحنا طبعا متكتفين يحطوهالنا... طبعا ــ »

 

الكاميرا تقطع، ثم تعاود:

 

«الكهرباء بصفة مستمرة، والضرب على طول مافيش راحة خالص، والشتيمة بألفاظ ماسمعناهاش قبل كدة، والظباط بيصورونا زى ما نكون مسخة ليهم. يقولولنا خللى الثورة تنفعكم».

 

الأستاذ أيمن لا يتنصل من الثورة؛ فهو يقول إنه سبق أن ذهب إلى الكثير من المظاهرات، ولكنه يوم ٣ فبراير كان مواطنا يذهب ليسدد فاتورة التليفون، فأخدته الحكومة، وحبسته. وكانوا محبوسين ــ أربعين شخصا ــ فى غرفة ٤ أمتار فى ٣ أمتار، فى النهاية خرج منها ٤ أشخاص، الأشخاص ــ على حد قوله ــ الذين كانوا يطيعون الأوامر، وبقى بالداخل كثيرون. وهو لا يعرف أين كان. أخرجوهم فى منتصف الليل، وبرءوسهم فى الأكياس السوداء رموهم فى منطقة مهجورة فى ظهر حديقة الحيوان على ترعة المحمودية، وهددوهم بأن من يتحدث أو يقدم بلاغا لن يرى الأسفلت مرة أخرى.

 

الأستاذ أيمن رجل رياضى وحائز على بطولات ملاكمة فى دورى الشركات. فى الفيديو ينظر إلى الأرض، وليس إلى الكاميرا. ملامحه، عيناه، وضع كتفيه ــ الكل ينطق بشدة المعاناة، بالمجهود الذى يبذله، والحواجز التى يتخطاها، ليتكلم. يقول: 

 

«أنا مش قادر إنى أورى إبنى وشى».

 

«أنا كان أهون عليا إن أنا أنضرب بالنار».

 

«العذاب اللى أنا فيه مش فى حد، وماحدش شاف اللى أنا شفته».

 

«أنا عايز الظابط ده يكون سامعنى دلوقتى: أنا مش عايز أشوف الأسفلت. أنا عايز أسكن تربتى… بأمانة… يا تموتونى يا تجيبولى حقى. عشان أقدر أرفع وشى فى وش ابنى تانى وياخدنى قدوة ليه زى ما كان واخدنى الأول».

 

فكر فى الانتحار، ومنعته زوجته والجيران. زوجته التى كانت قد اتصلت بالنجدة  فنصحوها بالبحث عنه فى «مستشفى المجانين» لإنه «مختل».

 

«مش عارف أعيش، مش عارف أنام، مش عارف آكل، مش عارف أعمل حاجة خالص.. من المفروض ان البلد دى فيها قانون فأنا عايز حقى بالقانون… أطالب: عيش حرية كرامة إنسانية. لإن الكرامة الإنسانية اغتصبت.. زى ما أنا اغتصبت».

 

ومؤخرا، جاءت «الحكومة» إلى بيت الأستاذ أيمن باحثة عنه، وذهبت إلى عمله باحثة عنه، فقرر التغيب عن الإثنين.

 

هو الآن مغترب: مغترب عن بيته، وعن عمله، وهو مغترب أيضا عن نفسه، لأن صورته لنفسه أنه رجل بطل ملاكمة، ومواطن، وأب، وموظف، ومحترم، وقدوة ــ وما حدث له نفاه بعيدا عن كل هذا ــ فمن هو الآن إذا؟ لذا فهو يصر على التمسك بعودة حقه، فهذا الحق هو حق العودة؛ العودة إلى نفسه، وإلى حياته، وإلى قدرته على أن يحياها.

 

الأستاذ أيمن: شجاعتك تملؤنا باليقين وبالأمل. أنت لم تطلب هذا الدور، ولا هذه البطولة بالذات، فرضتها عليك قذارة السلطات، واستماتتها فى استعادة سلطة القهر التى كسرها الشعب ــ وأنت منهم ــ والتى يجاهد ليدمرها إلى الأبد. وأنت لم تُقهر، فطالما أنت تتكلم وتطالب بالحق وبالكرامة فأنت لم تقهر وليس هناك والله ما تخجل منه.

 

لن أثقل عليك بآراء ووجهات نظر؛ فقط ببعض الحقائق:

 

أولا: تقول: «العذاب اللى أنا فيه مش فى حد، وماحدش شاف اللى أنا شفته». مش صحيح. أنت لست وحدك. هناك عشرات الشباب تقدموا ببلاغات انتهاك عرض فى نفس توقيت تعرضك لهذا التعدى. وعلى صعيد أوسع تكشف الأبحاث أنه قد تم اغتصاب الرجال بشكل ممنهج فى الحروب والاشتباكات فى تشيلى وجواتيمالا والأرجنتين واليونان وأيرلندة الشمالية والشيشان وتركيا والعراق وليبيريا وسييرا ليون وكينيا والسودان وبوروندى وأوغندة ورواندا. وحيث أجريت أبحاث دقيقة ظهر أن ٧٦٪ من المعتقلين السياسيين فى السلفادور تعرضوا للتعذيب ذى الطابع الجنسى، كما قرر ٨٠٪ من الرجال الذين اعتقلوا فى البوسنة أنهم تعرضوا للاغتصاب. ولا يقلل هذا من بشاعة الجريمة، لكنه يرفع من على ضحيتها ذلك الإحساس المركب الذى يجعله يتحمل وزرها وكأنها مسئولية عليه.

 

ثانياً: أنت لا زلت قدوة لإبنك. اسأله. اسأل زوجتك. أنت قدوة له لأنك تكلمت، وبشجاعة. ولأنك لن تترك حقك. ولأنك بفعلك هذا سوف تساعد الغير ممن تعرضوا أو يتعرضوا لمثل هذا التعدى، وستساهم ــ فى النهاية ــ فى عقاب الجانى وفى ردع من تسول له نفسه القيام بجرم مشابه. الدرس الذى يتعلمه منك ابنك هو درس المقاومة، درس عدم الانهزام.

 

ثالثا: أنت ــ معلهش ــ خير من يواجه هذا الاعتداء، ويصر على كشفهم وأخذ حقه. فأنت رجل موظف وزوج وأب وكمان بطل ملاكمة. يعنى لا يمكن التلسين عليك، ونشر الشائعات حولك، ومحاولة تمييع القضية فى الطرق الكئيبة المغشوشة التى يهوونها ويجيدونها.

 

رابعا: ان ما ارتكبوه ضدك هو جريمة حرب، فهم فى حرب علينا، وعلى الشعب، وعلى الثورة. ومقاومتك فى القضاء والإعلام والمجتمع عمل بطولى. لا تخجل منه. 

 

نحترمك يا أستاذ أيمن، ونقدرك، ويشرفنا أن نصطف وراءك. ارفع رأسك، وامسك بيد إبنك، وطمئن زوجتك، وانظر فى عدسة الكاميرا وفى عين العدو. إعمل مع النشطاء الذين يساندون من تعرضوا لما تعرضت له ــ  وهم ربما أضعف منك. وخذ حقك بالقانون، وبدعم الآخرين، وبالعمل على فضح هذا النظام وهذه الممارسات، ثم إسقاطه وإنهائها. والتمسك بالحياة، وبالثورة. 

التعليقات