الأربعاء 13 ديسمبر 2017 7:13 م القاهرة القاهرة 19°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

حول الدستور والألتراس

نشر فى : الأربعاء 28 مارس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 28 مارس 2012 - 8:00 ص

من المفيد أن نتذكر أن الدساتير والقوانين والحكومات والأجهزة إنما اخترعت أصلا ليساعد الناس بها أنفسهم على تنظيم حياتهم وعلاقاتهم فى تجمعاتهم البشرية. واليوم انتهت صلاحية الأفكار والنظم القديمة المنظمة للدساتير والقوانين والحكومات والأجهزة، فقد توج الإنسان تاريخه السياسى والاقتصادى باستعراضات عنف مبهرة نحو نفسه ونحو كوكبنا المعجزة، بل كان يعمل على أن يمتد عنفه إلى الفضاء والمجرة والكون ذاته. وشبابنا وشباب العالم يبحث اليوم عن منظومة أفكار جديدة لإدارة المجتمعات البشرية ــ منظومة تنقذ الإنسانية، وتنقذ الكوكب، بأن تضع فى مركز اهتمامها ــ ويا لبديهية وبساطة الفكرة: الإنسان. ليس المؤسسة، ولا المال، ولا المنشآت ولا القيم المجردة، فقط الإنسان. الإنسان وبيئته، مسكنه ومأواه ومطعمه ومشفاه: الأرض.

 

وأزعم أننا، فى مصر، فى تقاطع تاريخى وجغرافى يهيئ لشبابنا الفرصة للمساهمة فى هذا الفكر الباحث الواعد مساهمة فريدة، فقد أثبتنا أننا أقدر على إدارة شئوننا بدون الأجهزة التى يتضح لنا خواءها وسلبيتها يوما بعد يوم. بل أزعم أن كلنا يعلم أن أى كفاءة ندير بها أمورنا تتحقق رغما عن الأجهزة، تلك الأجهزة الموجودة اسما لإدارتها والتى هى فى الحقيقة تعرقلها وتمتص دماءها وعافيتها، فنحن شعب قوى ومجتمع متماسك تقبع فوقه دولة عجوز مهترءة. قام الشعب قومته فأطاح برأس النظام، وبدلا من أن تستفيق الدولة وتغتنم الفرصة وتنفض عن نفسها الغبار والفساد وتتشكل على شاكلة أشجع وأنصع ما فى شعبها، دخلت معه فى حرب استنزاف.

 

المجلس العسكرى يصدر مراسيم ورسائل ويقتل أولادنا، فنقول كلها شهور ويخرج من السلطة.

 

يأتى البرلمان مائلا بسبب تقسيمة الدوائر وإدخال القوائم فى ثلث الفردى ــ فنقول معلهش، انتقالى، والكل أكيد عارف ان البرلمان ده مهمته تكريس سلطة الشعب والثورة، إلخ، إلخ، إلخ.

 

يعمل البرلمان كرادين على مبناه، وتأخذ الأغلبية فى توزيع اللجان على بعضها وتنسى الوطن، وتُبَدّى المصالح الحزبية ــ فنقول دورة وتفوت، وأهى خبرة.

 

لكن الدستور؟

 

مشروع وضع الدستور المصرى الجديد فرصة فارقة لاستنباط عبقرية هذا الشعب، شعب مِتْسَنتَر فى وسط العالم منذ بدء الخليقة، منغرس فى أرضه متفاعل مع نيله وشمسه، عاش تجربة فريدة من الاستقرار والارتباط مع مرور الموجة تلو الموجة من فوقه ومن تحته ومن خلاله ــ موجات من الغزو ومن التجارة، من الهيمنة والاستكشاف، من العشق ومن الاستغلال، فتعرف إلى نفسه، وأدرك مواطن القوة والضعف فيها، فهِمها وأحبها وسبّها ورسمها وألف فيها الأشعار وأطلق عليها النكات. شعب قديم متجدد كنيله وأرضه، وأظن أن عنده ــ كالضوء الكامن المستتر ــ الإجابة عن السؤال الأزلى: ما الذى يجعل الحياة تستحق أن نحياها؟

 

هل رأيتم الشاب حامل علم مينا دانيال، يرفعه مرفرفا ضوءا وهداية فى أحلك أجواء الغاز والرصاص؟

 

هل رأيتم الفن الذى فجّره شباب الفنانين على جدران وسط البلد؟

 

هل انصتتُم ــ فعلا ــ إلى أى أم من أمهات شبابنا المستشهَد؟

 

هل سمعتم بيانات الطلبة والتلامذة فى الأسابيع الأخيرة؟

 

هل رأيتم أطفال الشوارع يمسكون بالكاميرات ويجهزون البروجكتور والكمبيوتر؟

 

هل أسعدكم الحظ فدعيتم إلى فرح فى بشتيل أو الوراق أو المعادى الجوانى؟ على ما توصلوا الفرح تكونوا مريتوا على عشرة. دى جى معجزة، طبال ملهَم. خالة العريس ترقص بالسيف وأخوه يتحزم والأطفال تنط على الكراسى. مسيحى مسلم نوبى إسكندرانى، شعب حاوى: يمد إيده الفاضية فى الهواء فتلتقط مناديل البهجة الملونة تُلَوِّح بها.

 

هل رأيتم الرجل الذى يجلس مع لوحاته الفنية على نزلة الزمالك من كوبرى ٦ أكتوبر؟ أهدى صديقتى لوحة أعجبتها. نصفه الأسفل مبتور ــ لا أعلم من أين بالضبط فلم أجرؤ أبدا على تدقيق النظر. لا أعلم كيف يصل إلى هذا الرصيف ولا من يرفعه منه. لكنه، على أى حال، فى مرسمه، يتعامل بيديه ووجهه ووجدانه، ويهدى لوحاته لمن يحب.

 

من يمثل هؤلاء فى لجنة الدستور؟

 

من يمثل الألتراس؟ نصف الدستور موجود ــ وأنا المتربية على تشجيع الأهلى ــ فى نشيد الوايت نايتس الجديد: «أسلوب حياة». اسمعوه واستخلصوا القيم التى يسعى وراءها شبابنا:

 

كانت بالنسبة لى الدنيا متكونة من سلطة ومال

 

يادهس خلق الله برجلى ياسرق وابقى راجل أعمال

 

الألتراس نَوَّر طريقى ووصلنى لعالم الخيال

 

فكرة تمحى هموم الدنيا وتخرجنى من الضلال.

 

بعد العتمة وبعد الشدة كان لابد من طريق

 

ياخد بإيدى وبإرادتى واعرف إيه معنى الصديق

 

إخوات فى الدم رباط مقدس يجمع بيننا ليوم الدين

 

فارس واقف جنب اخواتى وقت الفرح ووقت الضيق.

 

٢٠٠٧ تاريخ ميلادى وحياتنا بقى ليها معنى

 

فى كل مكان بنروح وراه وماحدش يقدر يمنعنا.

 

بالتضحية والدماء شلنا الزمالك فى عنينا

 

خمس سنين (؟؟) والناس كلها عرفت بينا

 

كانت الفكرة من زمان فى قلب الزمالك موجودة

 

فكرتنا ثورة فرسان للتغيير كانت مطلوبة

 

سنظل أوفياء واستردوا البطولات

 

ونشجع ياللا زمالكاوى وانتصر رغم الفساد.

 

●●●

 

الكربة هى عنوانى والطنبور لحنى وصوتى

 

والشمروخ هو سلاحى والبانر يثبت وجودى.

 

حاولتوا كتير تكتموا صوتنا بس ده كان مستحيل

 

عندى قضية قبل منى والموت أهون ليّا كتير

 

إعلام وشرطة وصحافة ومسئولين كورة فاسدين

 

حربى عليكوا هتفضل قايمة لحد ما يتم التطهير.

 

سنين وسنين فاتت علينا عرفنا معاك معنى الحياة

 

اتربيت على حبى ليك وعمرى فى يوم ماقدر أنساك

 

هافضل أعلى فيك واكبر لحد الموت أفضل معاك

 

يارب يا عالى إحمى ناديّ هو الروح هو الحياة.

 

فى يوم هانضم للمقاومة وهشارك فى الانتفاضة

 

فلسطين هى سبيلى وانا مليان عزم وإرادة

 

فى الضفة هانزف بدمى وف غزة باتمنى اموت

 

وفبيت لحم أساند أهلى وفى القدس هانول الشهادة.

 

فى هذا النشيد: النور، الخيال، الخروج من الضلال، الصداقة، الفروسية، التضامن، أن يكون للحياة معنى، حرية الحركة، التضحية، إنكار الذات، التغيير، الوفاء، الوقوف ضد الفساد، الفن، إثبات الوجود، حرية التعبير، الطهارة، الوفاء، الصمود، الشهادة، فلسطين. إن الإنسان يبقى له لازمة، واللازمة دى مرتبطة بعلاقته بالغير، وبفكرة أو قضية أكبر منه.

 

فين قضيتكم يا ممثلى الشعب؟

 

ممثلو الشعب ليسوا على مستوى الشعب. مثل نظام مبارك، مثل المجلس العسكرى، مثل الكثير من الـ»نخب»: لا يستوعبون حجم مصر وحجم شعبها. الشعب يخرج يموت ويديهم فرص وهم يضيعوها. أعتقد ان قضية تشكيل اللجنة التأسيسية لكتابة دستور مصر ستكون بشكل ما الفرصة الأخيرة للتيار الإسلامى ليضبط نفسه ويثبت انه يدرك حجم وتنوع وتاريخ ودور ووظيفة مصر فى الدنيا، وانه ــ كما اننا جميعا ــ إلى زوال ومصر وشعبها سيبقوا، وأن يعمل ما تستوجبه لحظتنا التاريخية هذه، ولا يحاول اختزال البلاد فى تيار فكرى وطبقى واحد مهما كان.

 

استمعت إلى نشيد «أسلوب حياة» فى نفس الساعة التى قرأت فيها عمود الأستاذة الكاتبة الصلبة المرهفة المستشِفة، نجلاء بدير، فى جريدة التحرير، حول جورج بائع الترمس. ثم رأيت صورة لللافتات المرفوعة فى بورسعيد تعلن «أخويا برىء من دم اخويا». وجدت الدموع تنهمر على وجهى، وكانت أول مرة أستطيع بكاء شهداء ألتراس الأهلى، فالحمد لله على الدموع.

 

أصدر ألتراس أهلاوى بيانهم يوم الاثنين جاء فيه: «نعتبر حادثة بورسعيد المدبرة للتخلص من الأولتراس هى القشة التى ستقسم ظهر الفساد والنظام والتى ستدفعنا (بأيدينا وأيديكم وأيدى كل أحرار مصر) إلى السعى بقوة وراء التخلص من هذا النظام الفاسد والسعى إلى بداية ثورة حقيقية من جديد ــ ثورة تقضى على النظام الفاسد بأكمله». أصدقهم، وأحترمهم، وأحبهم، ويدى معهم.

التعليقات