الثلاثاء 27 يونيو 2017 9:18 م القاهرة القاهرة 30.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد قرارات قطع العلاقات المتتالية مع قطر.. هل تتوقع تغيير الدوحة لسياستها؟

عن الخانات وعابريها

نشر فى : الأربعاء 27 مارس 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 27 مارس 2013 - 8:00 ص

جلست أشاهد اللقاء الذى أجراه الدكتور باسم يوسف فى برنامج «البرنامج» مع الدكتور محمد يسرى سلامة، رحمه الله، فى مارس ٢٠١٢. ومرة أخرى تدهشنى الأبعاد التى يُكسِبها الزمن والأحداث للكلمات؛ أسمع الرجل يتكلم منذ عام فكأنه يصف تفصيلا ما جرى فى الشهور التى مرت منذ حديثه، ويهولنى مرة أخرى ما فقدناه بفقدانه.

 

أستحضر هنا ــ بشكل مختصرــ بعض ما قال: قال إنه تصور فى البدء ــ وقد دُعِى للانضمام إلى حزب النور ــ تصور أن مهمة شباب الثورة أن يكونوا ممثلين للثورة داخل الحزب، ثم «لما بان إن حصل تعارض بين انتمائى للثورة أولا وانتمائى للحزب كان صعب إنى أكمل فى الحزب». قال إن الأحزاب مخترقة عسكريا وأمنيا بشكل أو بآخر، (حتى وإن كان هذا «بحسن نية»)، وأن هذا الاختراق يؤثر على قرارات الحزب، وأدى بالفعل إلى التفتيت والانقسام داخل صفوف الثوار، فالإخوان «كانوا قوة عارمة بزخم الثورة»، وحين انفصلوا عن الثورة لم يتبق لهم خيار إلا أن يمشوا مع المجلس العسكرى.

 

وصف الدكتور محمد يسرى سلامة ما يحكم مصر بالـ«ائتلاف» ــ وهو اسم أوضح للدولة العميقة، أو حتى لـ«نظام» ــ وهو ائتلاف رجال المال والأعمال، والجهاز الإدارى للدولة، والقضاء، والمؤسسات الأمنية والحربية، إلى جانب الحكومة الرسمية ومترسباتها عبر الزمن. وأكد أن الاستقطاب الشديد «كان مقصودا وكان مخططا له»، وأن أكثر ما أزعج الائتلاف «ان ناس من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بتشتغل مع بعض وبتنزل وبتعمل نشاط سياسى مع بعض... ده كان بيهدد اللى هم بيعملوه اللى هو فرق تسد».

 

فرق تسد، نفس اللعبة القديمة، لعبها كل نظام مستغل مستبد أخذ يُعَرِّف ويُحَجِّم ويُبَسِّط ويبتر ويُأدلِج ويسطح، ثم أخذ يَكْذِب ويحرض ويقيم الفتنة. اللعبة هى أن تقيم خانات منفصلة، ثم تصنف الناس داخلها: (يمينى ويسارى، إسلامى وعلمانى، رأسمالى واشتراكى وشيوعى، فقير وغنى، «نخب» و«بسطاء»، قيادة وتابعين، فلسطينى ومصرى، مدنى وميرى، شمالى وجنوبى، ثائر وبلطجى...) وتسوق الناس إلى هذه الخانات الكاذبة سوقا، وتصر عليها وعلى صدقها، بل وتكرس خطابا يوحى بأن هذه ليست فقط فئات منفصلة داخل خاناتها بل إنها أضداد متناحرة، متنافرة المصالح، لا يستقيم الأمر لأحدها إلا على حساب الآخر.

 

وبالرغم من أن تجارب الناس الحياتية تخبرهم بغير ذلك، إلا أن النظام، وفى يده جبروت الدولة والإدارة والتعليم والإعلام، غالبا ما يتمكن من فرض هذه الرؤية، التى تسهل تفريق الناس وضرب فئة بأخرى.

 

لعب نظام حسنى مبارك اللعبة، ثم اضطر المجلس العسكرى ــ حامى البلاد وولى أمرها ــ إلى لعبها بفجاجة أكبر فى وجه حالة ثورية وَحَّدت الشعب ورفعته فوق الفرقة، فمر بنا فى ماسبيرو وطالع حتى محاولة استغلال تصنيفات وتنافسات موجودة فعلا فى بورسعيد، ثم نغزة «كله يشارك» من المشير إلى الشعب الممتنع الذى لم يكن راضيا، فى عمومه، ان ينزل ليدبح بعضه.

 

سمعت ــ بأذنيّ، فعلا ــ سمعت الناس فى التحرير فى أيامنا الثمانية عشر المشهودة وبعدها تعجب لكيف تمكن النظام من حبسنا «كل واحد فى صندوق» وتخويفنا من بعض، سمعت الإصرار الصريح على ألا يحدث هذا مرة أخرى، سمعت الناس وقد خرجت من عزلتها وخوفها تحتفل بالتنوع والتماس الذى هو مصر. والآن نرى الوجه الجديد للنظام، الوجه الإخوانى، يلعب نفس اللعبة القديمة: النظام يحشد فقراء الإخوان، يستجلبهم من القرى والمحافظات ليشتبكوا مع الثوار، ليضرب الشعب بعضه، والنظام يستحث الشعب على ممارسة القمع والعنف ضد نفسه، ويقف رئيس الجمهورية ليخطب فيستعدى، فى حديث الأصابع، مواطنين على مواطنين.

 

حين صدر مساء الاثنين الأمر بضبط وإحضار علاء عبدالفتاح وأحمد دومة وحازم عبدالعظيم وكريم الشاعر وأحمد الصحفى، واستدعاء نوارة نجم لأخذ أقوالها ــ اشتعل الإعلام الشعبى بمزيج متفجر من التريقة، والسخط ــ والأسئلة (الاستنكارية): «طب النائب العام لما يتجاهل البلاغات ضد محرضين الاتحادية وقتلة الحسينى وصور اللى ضربوا الصحفيين فى المقطم... «واللى ضرب علا شهبة ورامى وغيرهم وعذبهم فى الاتحادية َضبط وإحضار برضه؟ واللى قتل الحسينى؟ وعبدالرحمن عز وتحريراوى بتوع النفير العام قبلها بيوم؟» «طب والثور اللى ضرب مرفت موسى؟» «طب واللى اتهجموا على جريدة الوطن؟ واللى أرهبوا الإعلاميين وكسروا عربياتهم عند مدينة الإنتاج؟ ضبط وإحضار برضه؟» «واللى ضرب الشباب فى الاتحادية، وشاهندة مقلد، وتعذيب الشباب عند بوابات قصر الاتحادية؟» «وابن مرسى المدلل اللى بيحرض على حرق مدينة الإنتاج علنا؟» «فين تحقيقات النيابة فى الاتحادية وقتل الحسينى؟ فين تحقيقات النيابة فى احداث العنف فى الصحف ومدينة الإنتاج وبورسعيد والمنصورة والمحلة؟».

 

ولكن، وإلى جانب الاستنكار، أعاد الصحفى والناشط عمرو عزت نشر مقال له سبق نشره يوم ٢٦ يونيو ٢٠٠٦، يشير فيه إلى مدونة لعلاء عبدالفتاح ظهرت قبلها بيومين فيقول «ما دونه علاء أيضا (٢٤ يونيو ٢٠٠٦) بعد خروجه مباشرة (من محبسه الأول لمساندته انتفاضة القضاء) هو دليل آخر على وضوح تفكيره، فهو التقط ما ينبغى حقا أن يقال.. فذكر لقاءه الدال بشباب الإخوان المسلمين فى لاظوغلى. هو خارج وهم داخلون بعد اعتقالهم بتهمة إقامة معسكر ترفيهى فى مطروح. شباب الإخوان على عكس المتوقع ــ لدى البعض ــ احتفوا بعلاء وأبدوا اهتمامهم بالمدونات وهنأوا علاء بالإفراج وأشاعوا جوا من البهجة بنكات وأغانٍ شعبية. هذه اللقطة الدالة حرص علاء على أن تكون أول ما يسجله قبل أن يهتف فى تدوينته تحية لهؤلاء الشباب: «ألف تحية للإخوان»، ويذكرنا ألا نردد أن الشرقاوى وكريم فقط من تبقيا بالداخل... هناك أيضا المئات من شباب الإخوان».

 

أما علاء نفسه فقد أصدر بيانا أعلن فيه نيته التوجه إلى مكتب النائب العام ظهر الثلاثاء (أى فى اللحظة التى أكتب فيها هذه السطور)، وهو أيضا أعاد نشر مقال كتبه (ونشرته الشروق) وهو فى محبسه الثانى فى سجن طرة فى خريف ٢٠١١، تساءل فيه حول الدولة فى نظام مبارك فقال: «ألم يخذلنا اقتصادها الذى يغلق مصانع الغزل رغم تكدس القطن فى بيوت الفلاحين؟ ويشغل مصانع السماد رغم تكدس السموم فى الماء؟ ألم تخذلنا نوادى كرتها التى تترك جمهورها فريسة الأمن لو شجعوا بصخب وتتدخل لإنقاذ لاعبيها من المحاسبة حتى لو رفعوا سلاحا على أعزل؟ خذلتنا وتخذلنا كل مؤسساتها وكل قوى ومسئول قيادى فيها، وغدا سيخذلنا برلمانها ورئيسها».

 

وقد كان، وها هى كلمات أيضا تكتسب أبعادا بمرور الشهور. ويظل عدو النظام الأول هو من يصر على التواصل والتلاحم، وعلى مقاومة التصنيف والفرقة، وعلى العيش فى المساحات المشتركة، وعلى الوضوح فى تحديد النظام/الائتلاف العدو وإبراز سماته واضحة مجردة. الصفات الإنسانية السامية، والنقدية اللامحة عدوة للنظام.

 

بعض من أخلص ثوارنا قد استشهد، وبعض أُفقِد نور العيون أو صحة الجسد، وبعض مقيد فى المحابس، وبعض مهدد. لكن الأكيد أن كلهم ــ أيا كان موقعهم ــ هم فى قلوبنا، يلهموننا، ويوجهوننا، وهم فى قلب الثورة، يدفعونها، ويسمون بها عن ممارسات النظام.

 

رحم الله شهداء مصر، وحفظ ثورتنا وأهلنا وكتب لمصرنا النصر القري

التعليقات