الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 6:36 م القاهرة القاهرة 32.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

القبيلة والدولة

نشر فى : الإثنين 27 أغسطس 2012 - 8:05 ص | آخر تحديث : الإثنين 27 أغسطس 2012 - 8:05 ص

التوقيت كان حرجا، نتائج الانتخابات الرئاسية معلقة، وشكوك عميقة تستبد بالحياة السياسية كلها. بدا المصير المصرى مرتهنا لسيناريوهات متضاربة، لكل سيناريو حساباته ولكل اعتبار عواقبه.

 

فى تلك الأجواء العاصفة جرت اتصالات بين «العسكرى» و«الجماعة»، أخطرها اجتماع جرت وقائعه فى مقر يتبع القوات المسلحة بضاحية مصر الجديدة. كان الفريق «سامى عنان» رئيس أركان حرب القوات المسلحة فى ذلك الوقت على رأس ممثلى «العسكرى» والمرشد العام الدكتور «محمد بديع» على رأس وفد «الجماعة»، الأخير ضم إليه نائبه القوى «خيرت الشاطر» ورئيس مجلس الشعب السابق الدكتور «محمد سعد الكتاتنى»، والدكتور «محمد مرسى» الذى أُعلن رئيسا للجمهورية بعد ساعات لم تطل.

 

فى الاجتماع المثير بدا أن هناك مسألتى خلاف تعترضان التفاهمات الأخيرة.. أولاهما، تتعلق بمصير مجلس الشعب، والأكثرية فيه للجماعة ورئيسه حاضر فى الاجتماع. كان تقدير قيادات الجماعة أنه يتعين عودته لممارسة دوره التشريعى، وأن هناك تعسفا قانونيا جرى فى حله. وثانيتهما، تتعلق بالإعلان الدستورى المكمل الذى أصدره «العسكرى» فور صدور حكم «الدستورية» بحل مجلس الشعب. كان رأى «الجماعة» أن «المكمل» ينتقص من صلاحيات الرئيس المنتخب ويخضعه لحساب رأى عام متطلع للتغيير فيما هو غير قادر على التصرف والوفاء بتعهداته.

 

قائد عسكرى كبير شارك فى الاجتماع وجه حديثه مباشرة إلى الرجل الذى سوف يصبح بعد ساعات رئيسا للجمهورية: «إذا أردت أن يحترمك العالم ابدأ عهدك باحترام أحكام القضاء».

 

تكشفت فى هذا الاجتماع، عند نقطة الذروة فيه، قصة «الفاتحة» التى قرأها «عنان» و«مرسى» على «الولاء والإخلاص»، بدا عندها أن العسكرى تعمقت أزمته وتحلل من داخله، وأخذت تتنازع قياداته الشكوك والاتهامات، وبدا فى الوقت ذاته أن عهدا جديدا يوشك أن يبدأ.

 

لم يفض الاجتماع الأخير إلى تفاهمات ملزمة، وأخذت الأحداث مداها بإطاحة «العسكرى» من الحياة السياسية على النحو الذى جرى.

 

فى المرتين، ترتيبات نقل السلطة وإجراءات إطاحة «العسكرى»، كان «البنتاجون» الأمريكى حاضرا. حذر فى المرة الأولى من التلاعب فى نتائج الانتخابات مراهنا على صعود «الجماعة» لحكم البلد الأكبر والأهم فى الإقليم لمصالح يراها.. وأعطى فى المرة الثانية ضوءا أخضر لمرور التغييرات الدراماتيكية المباغتة فى قيادة القوات المسلحة أنهت ازدواج السلطة.

 

معضلة الرئيس «مرسى»، والبلد معه، أن هناك فواتير تسدد، تكاليفها تنذر بإعادة إنتاج النظام السابق فى السياسات الإقليمية بصيغ جديدة ووجوه مختلفة.

 

فوائض السلطة لديه باتت عبئا عليه. الأزمات ضاغطة على أعصاب الدولة والجماعة ضاغطة على أعصاب الرئيس.

 

بعد إنهاء ازدواج السلطة لم تعد هناك ذريعة للرئيس فى إسناد الفشل لطرف آخر، هو الآن المسئول وحده، ألغى «المكمل»، فوض نفسه صلاحيات دستورية لم يتسن لأسلافه الحصول عليها، معه السلطات «التنفيذية» و«التشريعية» و«الدستورية»، ينشئ الإعلانات الدستورية التى تلائمه ويشرع القوانين بالطريقة التى تناسب جماعته، ولديه سلطات تنفيذية شبه إلهية. فوائض السلطة تقابلها مخاوف «اخونة الدولة»، وقضيته أن يثبت أنه رأس دولة لا رئيس قبيلة. الانتساب إلى الجماعة فى ذاته لا عيب فيه، غير أن الخطر يكمن فى توظيف الدولة التى أؤتمن عليها لخدمة الجماعة وحدها.

 

أمامه الآن امبراطوريتان، كل منهما تعتقد أن لها وضعا خاصا. الامبراطورية الأولى، المؤسسات الاقتصادية العسكرية.. والامبراطورية الثانية، ميزانية جماعة الإخوان المسلمين التى ينتسب إليها. الأولى، تعود نشأتها إلى الرئيس الأسبق «أنور السادات»، الذى كان يعمل على إبعاد الجيش عن الاشتغال بالسياسة مشجعا على زيادة دوره الاقتصادى طبقا للقانون (٣٢). بموجب هذا التطور حصد الجيش استقلالا ماليا أكبر عن ميزانية الدولة، صار لديه حسابات خاصة فى البنوك التجارية، وعوائد نشاطاته تعود إليه. «مبارك» واصل السياسة ذاتها، زادت الاستثمارات فى عهده. وصلت أعداد العمالة فى المشروعات الاقتصادية للقوات المسلحة إلى (٤٤٠) ألف مصرى وفق قراءة أمريكية رسمية فى عام (٢٠٠٥)، الرقم بذاته فيه رسالة كامنة عن كفاءة القوات المسلحة فى إدارة مشروعاتها وتشغيل العمالة فيها على عكس مستويات الأداء الحكومية على ما يلاحظ السفير الأمريكى الأسبق فى القاهرة «دانيال كيرتزر» فى دراسة مثيرة ولافتة كتبها فى دورية «ذى ناشيونال انتريست» فى (٢٢) أغسطس الجارى.

 

الدراسة تناولت بإسهاب قصة القوات المسلحة المصرية فى الحياة السياسية، رافق نشرها ما جرى من تغييرات فى قياداتها. يصف «كيرتزر» المؤسسات الاقتصادية العسكرية بـ«الامبراطورية»، مستندا إلى تقدير وزير الصناعة الأسبق «رشيد محمد رشيد» بأنها فى حدود (١٠٪) من حجم الاقتصاد المصرى. هناك تقديرات اخرى فيها مبالغة تضاعف النسبة. الامبراطورية تشمل الصناعات الحربية والمدنية والزراعة ومشروعات البنية التحتية. ورغم أن الجيش لم يخض حروبا كبيرة بعد السبعينيات إلا أنه ظل عقود طويلة صاحب الكلمة الأولى فى احتمالات إعلان الحرب، وفى تحديد مصادر التهديد، تحكم فى أوضاعه الداخلية تاركا الأمن الداخلى تحت اليهمنة الرئاسية. اعتبر «كيرتزر» ذلك نوعا من تقاسم السلطة.

 

المعادلة الآن اختلفت، العسكرى غادر المسرح نهائيا بعد حسم ازدواج السلطة، غير أن قواعد اللعبة الرئيسية تظل سارية. وكان لافتا أن «مرسى» حرص ــ ربما باقتراح من وزير الدفاع الجديد الفريق أول «عبدالفتاح السيسى» ــ أن يستدعى للرئاسة اللواء «محمود نصر» مساعد الوزير للشئون المالية فى لحظة إعلان إقالة المشير ورئيس أركانه. كانت تلك رسالة رئاسية للقوات المسلحة أن تغيير قياداتها لا يعنى المس بمشروعاتها الاقتصادية.

 

فى إعادة الإنتاج أزمة شرعية كامنة، دولة المؤسسات الحديثة لا تعرف استثناءات ولا قوى فوق القانون.. الدول الحديثة تحكمها دساتير تقر الحريات العامة وتؤسس لشرعية ثابتة تخضع لها المؤسسات كافة، للجيش وضعه الخاص، ولكن التطور الديمقراطى والمواءمة بين الاعتبارات المتعارضة يفسح المجال لإنهاء حديث الامبراطوريات دون إخلال بالأمن القومى أو مستلزمات القوات المسلحة. مشكلة «مرسى» هنا معقدة إذ يصعب عليه الحديث مع الجيش عن امبراطوريته الاقتصادية وضرورة إدماجها فى الميزانية العامة للدولة، كما تقضى بذلك الأعراف فى الدول الأكثر تقدما، بينما الجماعة التى ينتسب إليها لديها امبراطورية مماثلة، خارج الدولة، والأخطر أنها فوق القانون، فالجماعة التى تحكم مصر الآن أبت أن تقنن أوضاعها. مازالت تعمل بذات الآليات السرية التى كانت تتبعها قبل وصولها للرئاسة. هذا أمر خطير ينزع عن الدولة محاسبة الجماعة والنظر فى مواردها المالية، التى تذهب بعض التقديرات إلى أن حجم أموالها يبلغ نحو (٦٦) مليار جنيه. الرقم بذاته يثير التساؤلات عن الإمبراطورية ومواردها واستثماراتها، وقد تكون فيه بعض مبالغة، لكن مصادره تؤكد وتجزم، ولا سبيل للتدقيق فيه إلا بإخضاع القبيلة لإشراف الدولة.

 

للجيش حججه فى أن تكون له مشروعاته التى تمول نشاطاته وتدريباته وعمليات تسليحه فيما لو توقفت لسبب أو آخر المعونة العسكرية الأمريكية، ولكن هذه الحجج تتوقف عن الإقناع عندما تمنع الدولة عبر مؤسساتها من الإطلاع عليها عبر لجنة الأمن القومى فى مجلس الشعب أو فى مجلس دفاع وطنى يضم شخصيات مدنية وعسكرية. على الناحية الأخرى تفتقد الجماعة لأية حجة مقنعة فى أن ترفض الخضوع لسلطة الدولة، وأن تخضع ميزانياتها لإشرافها.

 

فى صدام الامبراطوريتين اختلت موازين وتبدلت حسابات لكن الأحوال الرئيسية بقيت على حالها، الجيش عنده مشروعاته ولا يستطيع أحد الاقتراب منها والجماعة لديها مواردها لا يستطيع أحد الاطلاع عليها.