الجمعة 22 سبتمبر 2017 8:54 م القاهرة القاهرة 28.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

مَنْ يحكم مصر بعد ٣٠ يونيو؟

نشر فى : الأحد 27 أكتوبر 2013 - 7:40 م | آخر تحديث : الإثنين 28 أكتوبر 2013 - 8:47 ص

بسقوط مبارك فى فبراير 2011 تخيل كثيرون، وأراد لنا آخرون أن نعتقد، أن نظامه قد سقط. لكن التطورات التى تلت ذلك أثبتت أن ذلك لم يحدث وأن الطريق لإنجاز هذا مازال فيه الكثير. ويقول لنا البعض الآن إن من يحكمون مصر بعد 30 يونيو هم تعبير عن قطيعة «ثورية» مع سنة حكم مرسى وما قبلها ومع نظام مبارك. لكن: من يحكم مصر الآن بالفعل؟ والسؤال هنا لا يعنى الاختيار بين رئيس الجمهورية المؤقت المعين عدلى منصور أو رئيس الوزراء، الذى قيل لنا بعد الإطاحة بمرسى وحكم الإخوان إنه سيمتلك أغلب الصلاحيات، أو وزير الدفاع الذى يبدو أنه يحرك كل الخيوط.

السؤال يجب أن يتجاوز الأشخاص للتحالفات وتكتلات المصالح التى يمثلها الأشخاص. إذ إن هذه التحالفات التى قد لا تكون أحيانا معلنة أو متجسدة فى أشكال حزبية مباشرة هى التى تحدد طرق الحكم وفرصه واحتمالات استمراره، وقد يوفر فهمها تفسيرا لما يستغلق فهمه فى بعض الحالات من تطورات تبدو غير منطقية، أو تخالف تعهدات أو توقعات من دائرة المؤيدين الأوسع فى الشارع. إذا أردت أن تعرف من يحكم عليك أن تنظر فى المصالح التى تمتلك الأولوية والأسبقية على غيرها.

تحالفات مبارك ومابعده

كانت وضعية مبارك الشخص، وربما أسرته أيضا، محورية فى حكم مصر لكنه لم يكن يحكم مصر منفردا. كان حكم مبارك معبرا عن سيطرة تحالف بين المؤسسات الأمنية وبيروقراطية الدولة والحزب الحاكم ثم دخل بعدها كشريك تكتل مصالح من رأسمالية خاصة بازغة فى إطار دعم مشروع توريث الحكم لنجله، بعد أن فرض هذا التكتل وجوده ونفوذه على الأرض، وطرح نفسه كبديل لفشل حكم بيروقراطية الدولة وعدم قدرة الدولة على شراء الولاء عبر التوظيف فى جهازها وغيرها من الأدوات كتوأم للقمع والتعذيب. كان هذا تحالفا عضويا فى الحكم لا يسمح بما يحاول البعض ترويجه الآن عن أجندة مستقلة لهذا الجناح أو ذاك تتجاوز مبدئيا المصالح الأساسية السائدة فيه.

جاءت ثورة يناير وأسقطت مشروع التوريث ومبارك وحزبه الحاكم ورموز البيروقراطية فى الحكم. ورغم أن ثورة يناير وجهت ضربة موجعة أربكت وأجبرت أجنحة حكم مبارك على التراجع إلا أنها لم تزحها. وهكذا انتهينا إلى سنة ونصف من حكم المجلس العسكرى المتحالف مع بيروقراطية الدولة (ظهر هذا التحالف فى الإصرار على استدعاء كمال الجنزورى من سنن التقاعد لطمأنة هذا الجهاز، الفاسد المفسَد بطبيعة الحال)، ومع المجلس الأعلى لحكام القوت، وهى كتلة مصالح رجال الأعمال التى تحكم الاقتصاد. ولا يخدعنكم هنا المشهورون منهم، فهى كتلة أوسع وأعمق لا يتسرب للرأى العام الكثير عن بعض مناطق النفوذ الأساسية فيها فى احتكارات تتسع تقريبا لكل شيء على رأسها القمح والبترول وغيرهما.

ومنذ الأيام الأولى لثورة يناير بدأت مفاوضات أجنحة الحكم، الباحثة عن تمكين ايديها مرة أخرى، مع الإخوان المسلمين من أجل صياغة تحالف جديد تكون الجماعة واجهته السياسية المنتخبة. وبعد شد وجذب تفاوضى حسمت انتخابات الرئاسة الأمر لصالح مرسى على حساب المرشح المباشر للمصالح القديمة. وهنا بدأت مفاوضات جديدة. وبعد تعديلات فى الرؤوس، بدا الاتفاق واضحا: فى مقابل السيطرة السياسية للإخوان المسلمين وبعض المساحة فى السياسة الخارجية وبعض الشراكات فى الاقتصاد وقدر من التمثيل فى جهاز الدولة، تم تحصين مصالح القوات المسلحة الاقتصادية والسياسية وتبنى برنامج اقتصادى لم يحلم مبارك وابنه بالوصول لما ذهب إليه فى تحرير الاقتصاد. ولا يجب أن ننسى هنا عودة جهاز الشرطة القديم دون إصلاح لمعادلة الحكم على يد مرسى والإخوان المسلمين بعد أن وجهت ثورة يناير ضربة قوية له، لم يمانع فيها المجلس العسكرى لاعتبارات تنافس المصالح المحتدم فى سنوات حكم نظام مبارك الأخيرة. لكن أشهر قليلة من حكم مرسى أظهرت للأجنحة القديمة الجديدة أن مستقبله غير مضمون، إذ بدأت القدر تغلى مرة أخرى باحتجاجات اجتماعية وسياسية وشعبية كانت تنذر بما لا يحمد عقباه.

وهكذا بدأ هؤلاء فى إعادة النظر مرة أخرى فى التحالف مخافة أن يسبقهم الشارع. سبق الشارع بالفعل لكنهم كانوا مستعدين. وتقدمت المؤسسة الأمنية بجناحيها مرة أخرى للصدارة على أطلال أخطاء وخيانة مرسى والإخوان للثورة، التى تركت جميعها الشارع ممرورا وسمحت للأجنحة القديمة بإعادة تقديم نفسها فى لباس جديد. وصحيح أن البداية كانت توشى بتقدم حليف جديد من الإصلاحيين الليبراليين على الأقل فى واجهة الحكم السياسية، لكن التطورات أثبتت أنه ليس شريكا كاملا فى الحكم لافتقاره لقاعدة التأييد الاجتماعى التى تعطيه ثقلا تفاوضيا فى مواجهة حلفائه وظل يخسر أرضا يوما بعد يوم حتى يبدو أنه لن تكون له حاجة أصلا فى المستقبل القريب.

ابحث عن فواتير المصالح

يبقى الاقتصاد كاشفا لغياب أى قطيعة ثورية مع ماسبق يناير. فعلى مدى ما يقترب من 3 سنوات لم يتم إنجاز أى إجراء ولو حتى إصلاحى، ناهينا عن ثورى، سواء فيما يتعلق بإعادة توزيع الدخل والثروة أم مكافحة الاحتكارات أم تحجيم الفساد الخاص والعام ولا حتى زيادات لها وزن فى الإنفاق على الصحة والتعليم. وقف المجلس الأعلى لحكام القوت فى وجه أى ضرائب عادلة تعيد قدرا ولو يسيرا من التوازن لموازنة الدولة، وغاب أى تفكير فى إصلاح جهاز الدولة البيروقراطى بل على العكس أعادت حكومة 30 يونيو مساحات الفساد التاريخية فى الإسناد بالأمر المباشر للأراضى وغيرها لتلغى حتى مخالفات القانون بأثر رجعى.

وعندما نجح الجناح الإصلاحى فى الحكومة فى تمرير مبدأ زيادة الاستثمارات الحكومية وأن الموازنة توسعية بدت أصوات أخرى داخل الفريق الاقتصادى تعمل فى عكس الاتجاه بل وتصدر أوراقا رسمية للحوار تنافى توجهاتها توجه الحكومة بالإضافة إلى خوض معارك وأد وإبطال تفصيلية وعملية دؤوبة للمشروعات التى تنافى استمرار توجهات السوق الحرة القديمة والمصالح المستقرة بها. (إحدى صياغات مادة الاقتصاد فى لجنة الخمسين تعيد الاقتصاد الحر بالنص مرة أخرى للدستور الجديد). وتصاعدت سياسات الاقتراض الخارجى والداخلى، المتواصلة بلا انقطاع منذ عهدى المجلس العسكرى ومرسى لتمويل إجراءات اقتصادية محدودة هى مواصلة لسياسات مبارك فى شراء الولاء السياسى. فقط حلت الإمارات والسعودية والكويت محل قطر وتركيا. بينما يتواصل دور مؤسسات أخرى كالبنك الدولى والبنك الأوروبى دون شفافية ولا إفصاح. ولا يمكن أن ننسى هنا السعى المتواصل (عبر كل العهود) لتحجيم الإضرابات والاعتصامات العمالية والاجتماعية ضمن حزمة إجراءات أوسع لتحجيم التظاهر عموما لإيقاف حركة الشارع.

وعلى مستوى آخر، مازالت موازنة الجيش رقما واحدا فى الموازنة ومازال النشاط الاقتصادى للقوات المسلحة غير خاضع لرقابة ديمقراطية، بل وأصبحت مثل هذه الموضوعات بعيدة عن النقاش العام لينتصر منطق «لن نفرط فى عرق الجيش ولن نسمح للدولة بالتدخل فيه»، الذى سمعناه وقت المجلس العسكرى السابق. كما زاد الإنفاق على الداخلية وعلى معاشات العسكريين وغيرها. وطالعتنا الصحف، فى عز أزمة عجز الموازنة بسجون جديدة تبنى بمليارات الجنيهات. وكعادتها عبرت البورصة، درة تاج مصالح نظام مبارك عن سعادتها بكل هذه التطورات، متجاهلة كل مواجهات الشوارع وحظر التجوال ليقترب مؤشرها الرئيسى من مستويات ما قبل ثورة يناير.

•••

فى كتابه النبوئى الدولة الضعيفة والنظام القوى (الصادر فى طبعته الأولى عام 2006 وصدرت طبعته الثالثة مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة)، يحدثنا عالم الاقتصاد السياسى الراحل الصديق سامر سليمان عن أزمة حكم مصر المتمثلة فى الفشل فى صياغة تحالف حكم اجتماعى ناجح وكفء ومستقر بنجاح تنموى. يصف لنا سامر سليمان ذلك التحالف غير المستقر وغير التنموى وغير الكفء والمستبد، الذى اعتمد فى توطيد حكمه على مصادر غير إنتاجية (ريعية على رأسها الاقتراض الخارجى والداخلى وقناة السويس وغيرها) من أجل تمويل الاستبداد ورشوة قطاعات البيروقراطية بالدعم والتوظيف الحكومى (الدولة الرعوية).

أعطانا سامر حكمه القاطع الذى فرض نفسه بعدها بخمس سنوات ومازال معنا وإن ارتدى مسوحا جديدة: «بأفول الدولة الريعية، وبتآكل الدولة الرعوية، يفقد النظام السياسى المصرى أحد أهم ادواته فى السيطرة. لا شك أن مصر تدخل مرحلة جديدة فى تاريخها الاقتصادى والسياسى». لا يستطيع تحالف الحكم الجديد التخلص من هذه الطريقة فى الحكم إلا بمعركة حقيقية بين أجنحته لا تبدو ممكنة أو محتملة، وهكذا فهو يرسم لنا مصيره المحتوم بضيق وعدم مرونة وجشع المصالح التى تحدده.

وائل جمال كاتب صحفي
التعليقات