الخميس 17 أغسطس 2017 11:45 ص القاهرة القاهرة 30°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في «أكشاك الفتوى» بمحطات مترو الأنفاق؟

عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية

نشر فى : الخميس 27 نوفمبر 2014 - 8:10 ص | آخر تحديث : الخميس 27 نوفمبر 2014 - 8:10 ص

منذ ثلاث سنوات، وفى الفترة التى كان فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسئولا عن البلاد، قتلت السلطة أحمد سرور. قتلوه فى مثل وقت كتابتى هذه الكلمات، صباح السادس والعشرين من نوفمبر، وكان هذا بين أحداث شارع محمد محمود وأحداث شارع مجلس الوزراء. سيارة أمن مركزى ضربت الشاب وسحلته مسافة خمسين مترا. وانتشر فيديو للسيدة والدة أحمد سرور وهى ترفع ملابس ابنها المخضبة بالدماء، وتصف ابنها وترثيه وتوصى:

«صحابه كلهم يقفوله. صحابه كلهم يقفوا له بالورد. صحاب أحمد يقفوا له. صحاب ابنى يقفوا له، زى ما بييجوا يندهوا له ويقولوا له انزل تعالى لنا. الكبير والصغير، لو فيه أى حاجة، انزل يا أحمد تعالى لنا. يقول حاضر. أقول له عشان خاطرى يا أحمد ماتنزلش، يقول بس يا ماما، ماحدش يجيلنا على مافيش يا ماما. بيخدم طوب الأرض. والله بيخدم طوب الأرض. للكبير والصغير حاضر ونعم..

..اتصلوا على جارتى مارضيوش يتصلوا عليا، لأ، اتصلوا على جارتى. اتصلوا على جارتى، وافتح الباب، أول ما بافتح لها الباب باقول لها مين فيهم فى المشرحة؟ أنا اللى باقول لها، باقول لها مين فيهم اللى فى المشرحة؟ والآخر قالت لى ده أحمد بس إصابة خفيفة. قلت لها أحمد فى المشرحة. أحمد، طالما أحمد يبقى أحمد فى المشرحة. أحمد مافيش حاجة تعَوَّرُه. أحمد فى السفارة واخد التلات خرزات فى كعب رجله ماقالش أى. وخلاهم فى رجله. قلت لها مايغلبش أحمد إلا الموت، أحمد فى المشرحة. بقى الكل يقول لى أحمد اتصاب اقول لهم لأ، أحمد ما يغلبوش إلا الموت. ابنى ما يهدهوش إلا الموت..

من أول الأسبوع كل يوم هو واخوه هناك. امبارح بالليل باقول له كفاية كده، عشان خاطرى، طالما ربنا جابها سليمة الأيام اللى فاتت كفاية كده، قاللى مانبقاش رجالة لما نسيب بلدنا.. خَد اخوه ونزل الساعة اتنين بالليل.. ما هو كل يوم هناك، كل يوم بيروح من المغرب يجيلى الصبح الساعة تمانية.. أروح اتطمن عليهم واغطيهم، زى الأطفال، أغطيهم، اطمن انه نام وادخل انام، والله مابانام إلا اما اغطيهم الاتنين.. الكبير يروح على شغله يا قلب امه، وانا اغطى الاتنين وبعد كده ادخل انام.. نزل الليلة دى الساعة اتنين بالليل..

يا قلبى.. يا قلبى يابنى.. يا حزن العمر كله عليك يا حبيبى يا حنين يا احمد، ياللى عصبيتك تخليك نار وف ثانية تقول لى حقك عليا يا ماما. مسامحاك يا قلب امك، مسامحاك يا قلبى، احتسبتك عند ربنا يابنى، احتسبتك عند ربنا يابنى، احتسبتك عند ربنا يا قلب امك.. باب السما كان مفتوح؟ باب السما كان مفتوح يعنى؟ مفتوح لك يا واد يا نضيف يا نزيه، يا واد يا حنين يا خدوم لطوب الأرض..

كنت حاسب يابنى م العربية. بس ضاربينه. مضروب، ومهروس بالعربية. ضاربينه بالرصاص ومهروس بالعربية. دايسين على وسطه التحتانى بالعربية، آدى حكومتك يا مصر وآدى شبابك يا مصر اللى اندهسوا. آدى حكومتك يا مصر. حرقوا قلب الأمهات. بضهرهم داسوا على ابنى. ضربوه الأول ودهسوه بضهرهم..

ساب المدرسة من تانية ثانوى وراح اتطوع فى الجيش، أربع تلاف وسبعمية جنيه صارفينهم ورق، والآخر طلعوه بعد سنة وقالوا اسمه مش عندنا..

دم ابنى. دم ابنى أهه.. دم ابنى أهه.. دم ابنى أهه.. آدى دم شهدائك يا مصر، آدى يا حكومة دم الشباب اللى زى الورد.. آدى دم الشباب يا حكومة.. آدى دم ابنى.. آدى دم ابنى.. ماحدش مصدق، ماحدش مصدق أبدا ان ابنى عنده تسعتاشر سنة. طول بعرض. قمر. ضاربينى قبل ماعرف الخبر فى قلبى أنا، ضاربينى يا قلب امك فى قلبى، ضاربينى يا قلب امك فى قلبى، آااااه، حرام، حرام، حرام عليهم كده..»

أم أحمد سرور فى القاهرة، أم محمد منصور العلمى فى مطروح وأم أحمد طارق فى أسيوط، أم ماجد مدحت يوسف فى الإسماعيلية وأم بهاء السنوسى فى الإسكندرية.. كم أم؟ كم أم فجعت؟ وكم أم اتكسر قلبها؟ وكم أم قالت ــ زى ما والدة أحمد قالت ــ «أنا استعوضت عنه ربنا، بس كل واحد فى التحرير ده أحمد، ودم أحمد مش هيروح طول ما هم فى التحرير..»؟

والمقصود هنا ليس التحرير كجغرافية، وإنما «التحرير» كنضال ثورى من أجل أهداف ورؤية ونمط حياة. هل نذكر الكلمات الأربع؟ أم نشعر بشئ من الخجل، شىء من السخف إذا حاولنا نطقها؟ كأننا نهم بالحديث خارج الدور وخارج الإطار؟ أو كأننا ننطق بكلام عبيط أو كلام عيب؟

عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية

مطلوب منا الآن أن ننسى هذه الكلمات الأربع، و«الكرامة الإنسانية» المرتبطة أيضا بها، ونركز فى كلمتين أخريين: «الأمن» و«الاستقرار». لكن الغريب أن ما نراه، ما نعيشه ــ بدون فلسفة ولا أيديولوجية ولا أى حاجة، بالخبرة المحسوسة فقط ــ هو أننا كلما ابتعدنا عن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية ابتعدنا أيضا عن الأمن والاستقرار. الاقتصاد يسوء والسجون تكتظ والأصوات تخمد والعدالة نفسها ــ فضلا عن العدالة الاجتماعية ــ تتوارى ــ والعماير تقع والأوتوبيسات تنقلب والمواطنون على اختلافهم يقتلون والعبوات الناسفة تنفجر والجنود يسقطون هم أيضا شهداء ــ والأمن والاستقرار يبتعدان.. يبتعدان. المعادلة موجودة وأكيد ممكن حسابها.

ثلاث سنين ومئات الشهداء، وآلاف المصابين، وآلاف المسجونين، وعشرات الآلاف المدمرة حياتهم، و٣٠ يونيو، وانتخابات واستفتاءات ودساتير وقوانين ومحاكم وديون وجيوش ومشروعات، واليوم تصلنى هذه الرسالة القصيرة من سيدة شابة تصطحب والدة أسير لتزور ابنها المحبوس ظلما وبهتانا فى أحد سجون بلدنا:

«فيه حاجة كدة عايزة افضفضلك بيها لإنى من ساعة ما حصلت وانا مخنوقة قوى ومش عارفة اعمل ايه

انا سمعت صوت ناس بتتعذب فى السجن... الساعة كانت ٩،٣٠ الصبح، والدنيا كانت هادية قوى والصوت كان عالى قوى... كان عالى لدرجة ان الأهالى اللى مستنيين الزيارة اتجمعوا وفضلوا يشتموا ويدعوا على اللى بيعمل كدة..

الصوت كان عبارة عن كرباج أو سلك كهربا بيضرب وبيطلع بعده (آآآه)... كان فيه صوتين لشخصين مختلفين بنبرتين صوت مختلفين. وبعد ما سكتوا بنص دقيقة رجع صوت الكرباج أو السلك تانى، بس المرة دى ماكانش فيه صوت حد بيتألم، لدرجة ان فيه واحد واقف علق وقال ( هو مات واللا ايه؟؟؟)...

والدة مسجون مريضة وبتزوره على كرسى متحرك جالها هبوط لما سمعت الصوت ده وكان هيغمى عليها

انا مقدرتش للأسف أساعد بحاجة ولا أتصرف غير انى أخدت والدة (فُلان) بعيد عن مصدر الصوت».

واليوم نسمع عن قرار الداخلية بناء سجن جديد فى منظومة سجون طرة..

تأخر الوقت، ولكن لم تزل هناك مساحة صغيرة، طاقة صغيرة لم تزل مفتوحة، لفهم المعادلة.

التعليقات