الجمعة 21 سبتمبر 2018 12:54 م القاهرة القاهرة 29.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

مصر وليبيا.. هواجس الأمن والدبلوماسية

نشر فى : الأحد 27 ديسمبر 2015 - 11:10 م | آخر تحديث : الأحد 27 ديسمبر 2015 - 11:10 م

فى صيف (٢٠١٠) بدا العقيد الليبى «معمر القذافى» منشغلا بمستقبل النظام المصرى بأكثر مما هو معتاد.
أخذ يستقصى ويسأل كل من يعتقد أنه مطلع على ما يجرى فى كواليس الحكم وردهات المعارضة.
كانت الشواهد أمامه تقول إن نظام «حسنى مبارك» تصدع بصورة خطيرة والنهايات لم تعد بعيدة.
غير أنه لم يخطر بباله أن ينظر داخل نظامه ليرى تصدعا آخر يؤشر إلى قرب نهايته هو.
لم يكن أحدهما يحمل للآخر فى الغرف المغلقة أدنى احترام، لكنهما توصلا إلى «صيغة تعايش» اقتضتها المصالح المشتركة بين نظاميهما والحدود الممتدة بين بلديهما.
عند مطلع العام التالى (٢٠١١) أطيحا على التوالى بسيناريوهين مختلفين، والفوضى الليبية الضاربة داهمت الحدود المصرية بصورة لا مثيل لخطورتها على أمنها القومى المباشر.
عبر الحدود تدفقت ترسانات من السلاح المتقدم وإرهابيون مدربون على استخدامه.
رغم ارتفاع منسوب التحكم فى الحدود إلا أن الهاجس الأمنى مازالت له الأولوية فى الانشغال المصرى بالتطورات الليبية.
هذه حقيقة لها وجهان.
الأول، إيجابى من حيث ترتيب الأولويات والأوراق وصياغة المواقف والسياسات.
والثانى، سلبى من حيث القدرة على التفاعل مع المتغيرات، فلا أمن بلا سياسة.
بصورة أو أخرى لا تبدو الدبلوماسية المصرية الآن على ذات قدر الوضوح الذى كانت عليه قبل فترة فى إدارة الأزمة الليبية.
لماذا الغموض الآن حيث توضع الأوراق كلها فوق المائدة؟
من ناحية دبلوماسية «الخارجية المصرية» رحبت باتفاق «الصخيرات» الذى يطلق عملية سياسية جديدة بين الفرقاء الليبيين تحت رعاية أممية.
غير أنها لم تبد حماسا يتجاوز عبارات الترحيب الفاتر.
وزير الخارجية «سامح شكرى» لم يحضر بنفسه حفل التوقيع على الاتفاق.
الدبلوماسيون الإيطاليون، الأكثر اهتماما أوروبيا بالملف الليبى، حاولوا أن يجدوا تفسيرا دون جدوى تقريبا لقلة الحماس المصرى للعملية السياسية.
أى تفسير خارج السياق العام لحركة الأحداث هو خاطئ مقدما.
المصريون كما الليبيون يعتقدون أن التدخل العسكرى الغربى الذى أسقط العقيد «القذافى» يتحمل المسئولية الأساسية عن الفوضى المسلحة التى ضربت ليبيا فى عمق وجودها كدولة.
كان تدخل «الناتو» مدمرا سياسيا، أسقط «القذافى» وترك ليبيا لمصير مرعب تتنازعه الميليشيات.
لم يكن هناك جيش بأى معنى يضمن الحد الأدنى من الأمن وتماسك الدولة، فقد جرى تحطيمه على مرحلتين.
الأولى: بالتفكيك المنهجى الذى اتبعه العقيد «القذافى»، حتى إن آخر وزير دفاع اللواء «أبو بكر يونس» لم يكن مخولا بأى دور حقيقى.
والثانية، بإنهاء وجود الجيش كله وتصدر الميليشيات باختلاف أنواعها ونزعاتها المسرح السياسى المحطم.
بعض الأطراف الإقليمية حاولت تنصيب بعض زعماء الميليشيات قادة جددا يدينون بالولاء لها.
كان ذلك من بين أسباب تقويض نتائج الانتخابات النيابية مرتين، فحكم الميليشيا أقوى من أى عملية سياسية.
جرى التلاعب بالحكومات المنتخبة لأنه لم يتوافر لها أى قدرة على حفظ الأمن.
القضية الرئيسية الحقيقية هى القدرة على حفظ الأمن وفرض السيطرة على الأرض.
هيبة الحكومات من قدرتها على فرض الأمن، وإلا فإنه سوف يتكرر مرة أخرى السيناريو نفسه.
ميليشيات خارج القانون تطيح بالحكومات، تحتجز رؤساءها وتملى شروطها وتغير من قواعد اللعبة بحسب ما يصل إليه سلاحها.
عند هذا الحد فوجه التحفظ طبيعى وضرورى.
إنكار أسبابه تهويم فى الفراغ.
غير أن التحفظ وحده لا يكفى إن لم تسنده سياسة قادرة على التأثير فى الأحداث وطرح البدائل الممكنة وسط حسابات متعارضة.
بصورة ما دخلت موسكو على خط الأزمة الليبية لتعلن حضورها فى كل أزمات الإقليم وأنها طرف لم يعد ممكنا تجاهله.
بقدر آخر تحركت روما بالنيابة عن المعسكر الغربى كله، توافق القاهرة على ضرورات الحسم لكنها تماشى حسابات الشركاء الآخرين بحثا عن مصالحها الاستراتيجية.
فى الوقت نفسه تكاد دول الجوار العربى لليبيا، مصر والجزائر وتونس، أن تتوارى إلى خلفية المشهد لا بين صناعه الكبار.
لا يوجد ما يؤكد أن هناك تفاهما حقيقيا على الخطوات التالية بين هذه الدول رغم أنها لا تخفى خشيتها من أن تفلت الأزمة الليبية فتتمدد فيها «داعش» وتستحيل إلى خطر داهم جديد على أمنها.
غياب أى سياسة معلنة وواضحة أمام المتغيرات الجديدة لا يفيد قضية الأمن ويضر فى الوقت نفسه بالحضور الدبلوماسى ويتجاوز ما هو طبيعى إلى ما هو غير مفهوم.
من الطبيعى أن تتشكك الدبلوماسية المصرية فى قدرة حكومة التوافق الوطنى المقترحة على «إنهاء الترتيبات الأمنية الضرورية لإشاعة الاستقرار فى ليبيا» أو على «ممارسة سلطاتها الكاملة على مقدرات ليبيا النفطية والمالية» بصياغة قرار أصدره مجلس الأمن دعما لاتفاق «الصخيرات».
لا تنسوا أن ليبيا دولة نفطية كبيرة والمصالح تلازم أى حديث دولى عن فرض الأمن و«دحر داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى مثل «جبهة النصرة» و«أنصار الشريعة».
رغم العبارات الأممية الصارمة فى الدعم الكامل والشامل للحكومة المقترحة فإن المهمة ليست سهلة ولا هينة والشكوك طبيعية فى مدى قدرة المجتمع الدولى على الالتزام بما ألزم نفسه به من محاسبة من يعرقل العملية السياسية.
لا يكفى أن يقال إن أسماء جديدة سوف تضاف للعقوبات الأممية لكل من هو مرتبط بتلك التنظيمات الإرهابية.
فالمعادلة السياسية الليبية تتداخل فيها اعتبارات بالغة التعقيد وهناك تحفظات جوهرية متبادلة بين الفرقاء.
من يمثل من؟ ومن يضمن الأمن؟
السؤال الأخير جوهر اللعبة كلها.
السياسة هنا لها الأولوية فى الإجابة عن سؤال الأمن.
بقدر حيوية الحركة تتأكد القدرة على ضبط المسارات الرئيسية.
بالنسبة لمصر فإن فكرتها الرئيسية إعادة بناء الجيش الليبى وأن يخول وحده مسئولية حفظ الأمن.
فمن ينزع سلاح الميليشيات؟
ومن يتولى إعادة بناء الجيش مؤسسة القوة الأولى؟
راهنت مصر على اللواء «خليفة حفتر»، فإلى أى حد يمكنها أن تضمن وجوده على رأس الجيش الوطنى الليبى أمام ضغوطات دولية غير مستبعدة سوف تعمل على إطاحته؟
التساؤلات الجوهرية تطرح نفسها الآن والسياسى قبل الأمنى.
هذا يستدعى إعادة بناء الرؤية السياسية من جديد لإتاحة فرصة حقيقية أمام الليبيين لتجاوز محنتهم وحفظ مقتضيات الأمن المصرى فى الوقت نفسه.