الأربعاء 26 سبتمبر 2018 2:01 ص القاهرة القاهرة 25.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

قضية شيماء: توظيف الحرب مع الإرهاب

نشر فى : الأربعاء 28 يناير 2015 - 8:30 ص | آخر تحديث : الأربعاء 28 يناير 2015 - 8:30 ص

من أسوأ الخيارات فى بلد يخوض حربا مع الإرهاب إنكار الحقائق وأولها أنه لا توجد استراتيجية متماسكة لخوض مثل هذه الحرب.

ردات الفعل تسبق التخطيط المحكم وتمركزات العنف تتحدى قوة الأمن من بين ثغرات السياسة.

ما هو أمنى يُزيح ما هو سياسى رغم أن الإرهاب بالتعريف يستخدم العنف لتحقيق أهداف سياسية.

الكلام عن القتل من أجل القتل يفتقد إلى أى أساس أو معرفة بالجماعات التى تنتهج الإرهاب، وهو بذاته يفرغ الحرب كلها من أى معنى سياسى يتطلب ظهيرا شعبيا يعرف أى دولة يطلب ولأى قضية يضحى.

الأخطر من ذلك توظيف الحرب لتجفيف المجال العام وإشاعة جو من التخويف يسىء إلى أى معنى ديمقراطى ويضر بسمعة البلد بفداحة تستعصى على أى ترميم.

باسم الحرب على الإرهاب هناك من يسوغ أية انتهاكات أيا كانت فظاظتها وإضرارها بسمعة الأمن نفسه، كأن حفظ الأمن يرادف التغول على مواطنيه فى لحظة يحتاج فيها إلى مساندة مجتمعه فى حرب تستهدف ضباطه وجنوده.

وباسم الحرب هناك من يطلب بلا مواربة عودة «الدولة البوليسية» وقهر كل صوت يختلف وإلغاء أى تنوع سياسى والتدخل فى كل شئون الدولة على النحو الذى كان جاريا قبل يناير كأننا لم نتعلم شيئا ولا تقدمنا خطوة واحدة للأمام فى إصلاح الجهاز الأمنى وفق مقتضيات الدستور والعصر.

بعبارة صريحة فهذه دعوة إلى كراهية الأمن، كأن الدببة تقتل أصحابها من جديد.

طلب «الدولة البوليسية» يناقض الدستور ويدوس على القانون وتداعياته تقوض أية شرعية، وهذا من دروس التاريخ التى لا يتعلمونها.

الطلب نفسه ينطوى على دعوة أخرى لعودة الماضى بكامل وجوهه وسياساته وإزاحة من تصدوا له من فوق المسرح السياسى كله، وهذا وهم لا يقدر على تحقيقه أحد دون أثمان لا يحتملها بلد يحاول أن يتماسك بالكاد.

فى المقابل هناك من يقف حائرا بين إرهاب يمقته وانتهاك يرفضه، وهو وضع يصعب أن يستمر لوقت إضافى، وهذا عواقبه أخطر من أن تحتمل ومسئولية الرئاسة مضاعفة.

ما بين التحريض والحيرة فإن السياق كله منذر ومقلق.

عودة الماضى ماثلة والسياسات الاقتصادية مازالت على حالها، الكلام عن النمو يلغى كلام آخر ضرورى عن التنمية، كأن لجنة السياسات تحكم بغض النظر عمن ذهب ومن بقى ومن يأمل فى عودة جديدة.

هناك توقعات قوية برفع جديد للدعم عن الطاقة فى منتصف العام الحالى والاحتمالات مفتوحة، فتأخر حسم الخيارات الكبرى نال من الثقة العامة التى دعت قطاعات واسعة من المواطنين إلى تحمل رفع الأسعار بأمل تحسن الأحوال، وأى دوس آخر على الفئات الأكثر عوزا أو انحياز إضافى لرجال الأعمال المتنفذين يضرب فى الشعبية والشرعية معا ويضع الأمن أمام تحديات لا يقدر على مواجهتها ويدخل البلد كله على مسار جديد.

بالتوقيت ذاته يصب الاحتقان السياسى فى مسارات الخطر.

لم تكن مصادفة أن تعلو مجددا أصوات الرصاص وعمليات التخريب المنهجى فى مناطق متعددة فى اليوم التالى لاغتيال الناشطة اليسارية «شيماء الصباغ» بلا أدنى مبرر، كأن الإرهاب وجد فى حماقة الاغتيال ما يدعمه فى حربه مع الشرطة.

نقطة الخلل الرئيسية أن الشرطة بدت غليظة على مواطنيها مضطربة مع قاتليها.

تواتر الروايات عن الانتهاكات اليومية بحق مواطنين عاديين دون حساب رادع أو وقفة حاسمة يحرض على الإرهاب ويسحب من أى رصيد شعبى، وفى قتل «شيماء» وصلت المأساة ذروتها خلطا بين ما هو سلمى وما هو عنيف.

وزير الداخلية نفسه يقول: «لو ثبت تورط أى ضابط أو فرد سأسلمه بيدى للنيابة»، وهو اعتراف ضمنى يستحق حسابا حازما من أجل العدالة والأمن معا.

بعبارة صريحة فإن التدليس على الحقيقة يدفع ثمنه ضباط الأمن قبل غيرهم، فهو يعمق الإرث السلبى وينزع فى الوقت نفسه أحقية التضامن الأخلاقى والسياسى عن تضحيات رجال الشرطة الذين يتعرضون للاستهداف بالقتل يوميا.

بمعنى رمزى فإن اغتيال «شيماء» جريمة متكاملة الأركان بحق شهداء الشرطة.

كأن القاتل أو من أمره بالقتل أطلق الرصاصة القاتلة على ذكرى شهداء الشرطة، فقد استشهدوا لكى يبقى هذا البلد آمنا وحرا لا لكى تنتهك حياة آخرين، مسالمين وأبرياء برصاص جهاز ينتمون إليه.

الخشية هنا إن غابت العدالة أن يخفت ما هو إنسانى عميق فى التضامن مع شهداء الشرطة. وهذه كارثة لا سبيل إلى تداركها إلا ببتر القتلة الذين داسوا كل قيمة وأى قانون لا التدليس على الحقيقة باسم الحفاظ على الروح المعنوية للشرطة فى لحظة حرب مع الإرهاب.

ما يحفظ الروح المعنوية أن تكون القيم الأخلاقية ماثلة والاحتضان السياسى حاضرا والأداء الإعلامى مقنعا، وبعض هذا الأداء تحريض عصبى لرفع السلاح ضد الدولة.

أنت لا تقنع إلا بما هو مقنع ولا تلهم إلا بما هو ملهم، أما الصراخ الفضائى فهو تعبير عن قلة ثقة بالنفس وأما التحريض على الديمقراطية فهو دعوة لتقويض أية قدرة على حسم الحرب تضع سلامة المجتمع تحت فوهة الرصاص.

فى صورة «شيماء» مضرجة بدمها التى بثت فى العالم كله وأساءت إلى سمعة النظام بقسوة ما يدعو إلى مراجعة جدية لاستراتيجية الحرب على الإرهاب، فلا أحد فى العالم مستعد أن يعطيك شهادة استحقاق دون أن تكون جديرا بها، قد تغلب المصالح الاستراتيجية أية قيم أخلاقية وسياسية لكن الثغرات سوف يجرى استخدامها لتطويع السياسة المصرية كلها إذا ما نحت للخروج عن الطوع.

فى صورتها قطع طريق رمزى على مؤتمر مارس الاقتصادى وفرص الاستثمار المتاحة، كأن الرصاصة انطلقت من ميدان طلعت حرب إلى مقر المؤتمر فى شرم الشيخ.

فأى استثمار محتمل تحوطه تساؤلات حول مدى الاستقرار وخضوع الدولة لمقتضيات القانون.

المعنى فى ذلك كله أن الجريمة أخطر من أن تلخص فى سيدة شابة اغتيلت وهى تحمل باقة زهور لتضعها على النصب التذكارى لشهداء يناير فى ميدان التحرير ولا فى قاتل بلا ضمير.

الجريمة تجسد أزمة الجهاز الأمنى فى لحظة عصيبة، وكأى أزمة إذا لم تجر مواجهة حقائقها فإنها سوف تنفجر فى الوجوه التى تنكرها وبأسرع من أى توقع.

بقدر الاعتقاد العام فى سلامة الطريق فإن الاستعداد للتحمل يرتفع منسوبه.

وبقدر تراجع معدلات الثقة فإن كل تقدم قابل للانتكاس وكل أمل مرشح للتقويض.