الأربعاء 19 سبتمبر 2018 7:47 م القاهرة القاهرة 31.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

فنّ الكتابة والبراعة الهشّة

نشر فى : الأحد 28 يناير 2018 - 10:00 م | آخر تحديث : الأحد 28 يناير 2018 - 10:00 م
نشرت جريدة الرياض السعودية مقالا للكاتب «عبدالله الحسنى» وجاء فيه: الحديث عن فن الكتابة بشتى ضروبها حديث ذو شجون لا يخلو من فائدة ومتعة، إذ إنّه بات علما له قواعده وتقنياته وأصوله، وأصبح يدرّس ضمن التقنيات الفنية، وأصبحت له مدارس واتجاهات كما يشير أساتذة الفن والقص فى الكتاب المهم والرائع «تقنيات الكتابة»، بل إنهم يذهبون إلى أن فن الكتابة لم يعد يحوى إلا القليل من الإيحاء، أما الباقى فيعتمد على قرار مسبق قوامه التخطيط والمتابعة، وهو أكثر شبها بملء الفراغات، ومن هنا فإنّ الكتابة القصصية والروائية عمل شابه وضع الخطط وتنفيذها من خلال تكتيكات مرحلية وأخرى استراتيجية تمتد على طول العمل وتحتويه بالكامل.

ومع أهمية ورش الكتابة وتعليمها فهى لا تصنع روائيا أو كاتبا ناجحا، كما أن الموهبة وحدها لا تكفى دون توافر صفات أخرى مهمة كالدأب والانكباب على العمل تجويدا ومراجعةً، فضلا عن التواضع الذى هو سمة أغلب الكُتّاب الأفذاذ الذين تركوا آثارا أدبية خالدة، وكذلك صقل الموهبة، والشغف الكتابى الذى لا يستقيم ما لم ترفده قراءة معمّقة واستفادة من تجارب الآخرين، ولذا من المهم جدا التوقف عند آراء الكُتّاب والنُقّاد الكبار الذين أصّلوا للعمل الإبداعى فى حقول مختلفة مثل أمبرتو إيكو وأنطوان تشيخوف، فالأول روائى وسيميائى يُعدُّ من أهم نُقّاد وكتاب القرن العشرين وصاحب العمل الخالد «اسم الوردة» و«بندول فوكو» و«جزيرة اليوم السابق» وغيرها، بالإضافة إلى الأعمال النقدية والتنظيرية التى تعد مرجعا لا غنى لأى ناقد وقارئ عنها، أما تشيخوف فهو باختصار الأب الأكبر والأهم عالميا للقصة ولا زالت قصصه تدرس للأجيال فهو قاص وروائى عابر للأجيال. وكلا الكاتبين لهما آراء مهمة جدا فى ضرورة التواضع والدأب فى الكتابة وعدم التعجّل فى طرح العمل الأدبى وتمكيثه فى حاضنة التجربة والتفكير لحين نضوجه بدل أن يظهر نيئا لا روح فيه، فإيكو فى نصيحة له إلى كاتب شاب يدعوه إلى ألا يبالغ فى تقدير ذاته ولا يعتقد أنه يستلهم مؤكدا أن العبقرية: «عشرة بالمئة إلهاما وتسعين بالمئة مجهودا»، ويضيف مستغربا: لا أستطيع فهم هؤلاء الروائيين الذين يصدرون كتابا كل سنة، هكذا يفقدون بهجة تحضير كتبهم لمدة ست أو سبع أو ثمانى سنوات كى يكتبوا الرواية، وطالما لاحظت رغبة وتلهف الكتاب الشبان فى نشر كتبهم فورا».

وللروائى والقاص تشيخوف رؤى نقدية وتبصّرات فى فن الكتابة ثرية وبحاجة للتوقف عندها والإصغاء لها، فهو يكتب عن ضرورة التواضع والشغف بتقديم الأفضل فيقول: «لو قُدّر لى أن أعيش أربعين سنة أخرى فأقرأ وأقرأ وأقرأ، وأدرّب نفسى على إجادة الكتابة، أعنى الكتابة الموجزة لطلعت عليكم بما يروعكم ويذهلكم. أما الآن فلست إلا قزما كالآخرين»... وقد كان تشيخوف رغم اشتغاله بعد تخرجه من الجامعة فى الطب والأدب يقرأ بنهم كبير، ولم تكن قراءته مجرد نظر فى الكتب، بل كانت دراسة عميقة ذائبة. وقد أوصى أخاه نيكولا بذلك فقال: «إن الفنان لا بد له من العمل المتصل فإن هذا سبيله الوحيد إلى البقاء». ويقول أيضا: «على الكاتب أن يعتاد ملاحظة نفسه ملاحظة واعية ودائمة حتى يصبح ذلك طبيعة ثانية لديه». كان تشيخوف يركّز على ضرورة أن يخلّص الكاتب عقله ووجدانه من كل شائبة ويرتفع بنفسه إلى مستوى موهبته فما دام هناك فرقة بين الإنسان وموهبته فلن يتحقق له إلا شيء من البراعة الهشة التى لا تصل إلى مرتبة النبوغ.

وتبقى تجارب الكتاب والأفذاذ نافذة جميلة تقودنا لمصبّات الإبداع الحقيقى وللأعمال ذات القيمة الأدبيـة الحقيقية التى تعكس الوعى العميق بأهمية الكتابة وضرورة تمثّل آلياتها بغية الوصول لفهم حقيقى للكتابة المحكمة والمشدودة بحبل الإبداع والتبصُّر.

الرياض ــ السعودية

 

التعليقات