السبت 25 فبراير 2017 2:36 ص القاهرة القاهرة 14°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

القاهرة: مدينتى وثورتنا (٦)

نشر فى : السبت 28 فبراير 2015 - 1:35 م | آخر تحديث : السبت 28 فبراير 2015 - 1:35 م

فى اليوم التالى لزفافنا القاهرى قدت السيارة بنا بطول قناة السويس، ولم نكتشف أننا على طريق حربى إلا حين وصلنا إلى حاجز وكان من الصعب الرجوع. استدعى الجنود الضابط فأسلمته جوازات السفر وقصتنا وقسيمة الزواج الجديدة. حدق للحظة فى الأجنبى الصامت الجالس إلى جوارى مستترا خلف نظارته الشمسية ثم تمتم «مبروك» عن غير اقتناع وأشار لنا بالمرور. مررنا عبر على الأقل عشرة حواجز قبل أن نتمكن من مغادرة الطريق.

وبعد أربعة أشهر كان زفافنا اللندنى فى العيد التاسع والعشرين لثورة يوليو، واتخَذَت حياتى رتما جديدا: القاهرة/لندن، لندن/ القاهرة، والمدينتان تتغيران ولكنى ــ على العموم ــ راضية عن تغيرات لندن: المشهد من على جسر ووترلو يصبح أكثر تركيبا وإثارة كل عام، أسواق الشوارع تزدهر، والملاك الجبسى الأبيض يحط من جديد على قبة مسرح حَيِّنا الصغير فى ويمبلدون، أما فى القاهرة ففى كل مرة أعود إلى الديار أجد الديار تتفتت من حولى.

أعود فأجد ناصية شارعنا تغيرت: القصر الغامض الذى كان يشغلها وسط غابته الصغيرة اختفى. كان أحد زملائى يغيب وراء تلك الأشجار فى نهاية كل يوم مدرسى. الآن السور الحديدى المشغول، والأشجار الكثيفة، والأضواء اللامعة فى الداخل البعيد ــ كلها اختفت وظهرت مكانها هذه الصيدلية فى مدخل عمارة حديثة.

أعود فأجدهم فككوا كوبرى أبو العلا الحبيب وبنوا مكانه كوبرى ١٥ مايو البشع. لا تمشية الآن إلى ماسبيرو ولا إلى بولاق ثم وسط البلد ولا إلى كازينو الشجرة. الكوبرى العلوى (والمسمى على تاريخ «ثورة التصحيح» التى تخلص بها السادات ممن تبقوا من رجال عبدالناصر) يمر عبر الزمالك ويضع بصمة كارثية على شارعها الرئيسى.

وفى العتبة، المسرح الرئيسى لطفولتى، ممشى من الحديد الكئيب يدور حول الميدان، ميدان العتبة الخضرا. خَطِّى العتبة، شرقا إلى قلب المدينة القديمة، غربا إلى قلب مدينة هاوسمان التى أنشأها إسماعيل فى نهايات القرن التاسع عشر، والقلبان يعشقان التجارة، شغوفان بها. الكل هنا يعمل بالصناعات الصغيرة والتجارة والحِرَف. بيت جدى كان هنا، ومحلاته وورشته على بعد تمشية خمس دقائق عبر شارع الأزهر. رَحَل جدى، وحَوَّل خالى الورشة من صناعات الخشب إلى الألومنيوم بسبب سياسات البلطجة التى تمارسها مصلحة الضرائب. كانت الورشة والمحلات تقع فى العمائر الضخمة الإيطالية الطراز فى الجانب الشرقى من الميدان. تأملها. تأمل الثقة التى تنطق بها هذه العمائر، التى تنطق بها مبانى البوستة الخديوية والمسرح القومى وعمارة قهوة ماتاتياس حيث كان خاليا يلعب الشطرنج كل ليلة.

والبيت: عمارة كبيرة صلبة منمقة من الطراز المنتشر فى عواصم المتوسط. كانت تفتح على حوش هادئ فى شارع الجيش، وكنت أحب أن آتى إليها من الأزبكية وسوق الرويعى، طريق مزدحم لكن المشى فيه متعة، نمر بمحلات «ألف صنف وصنف» المكدسة بلعب الأطفال والتى اشترينا منها كل لعبى ولعب إخوتى، ثم ندخل إلى ممر رطب يجرى تحت البناية لنخرج إلى حوش مزين باللافتات والبانرات معلقة على باب محل الخطاط، ندلف يمينا إلى البهو الواسع ذى المصعد الخشبى الفخم والأرضية من البلاط الرخامى كلوحة الشطرنج العملاقة. هذه مفروشات مخيلتى، تدفأت عليها وغَذَّيت بها روحى خلال سنوات غُربَة الدكتوراه الباردة فى شمال بريطانيا، وحين عُدْت وجدت المشى فى سوق الرويعى يتطلب كفاحا وجَلَدا، ووجدت خالتى طوفى فى حرب قائمة مع كل ما يحدث خارج باب شقتها: فيض القمامة يرتفع فى بئر السلم والدهانات الرديئة تكسو الجدران والعناكب ترقمها، ورخام الدرج يتكسر ويتشقق. دفنوا خشب المصعد القديم ذى الظلال العميقة المتغيرة تحت طبقة من اللاكيه البنى، واحتل الباعة الجائلون (الذين يُشَغِّلهم نائب الحى لمجلس الشعب) المدخل فاتخذوه مخزنا لبضاعتهم. وجدت الكبار من جيراننا يتلاشون وأبناءهم ينتقلون إلى الأحياء الجديدة فتؤول شققهم إلى القيادات المحلية التى تستعملها كمخازن للبضاعة والبلطجية.

من القاهرة إلى لندن ومن لندن للقاهرة، والقاهرة فى تدهور مستمر، بالرغم من العمارات الجديدة الفاخرة ومولات التسوق الرخامية والشقق التى تباع بملايين الدولارات، المدينة تتآكل بفعل الإهمال وربما بفعل فاعل. يحفرون الشوارع ويتركونها دون رصف، يحولون مواقع رئيسية وتاريخية ــ مثل موقع دار الأوبرا التى احترقت فى ميدان إبراهيم باشا ــ إلى مواقف للسيارات. أنوار الشوارع تخبو. لا شىء يُصَلَّح أو يصان، البيوت القديمة والقصور تهدم وتصعد مكانها ابراجٌ بذيئة، المواصلات العامة صارت مزحة سخيفة وفى حبل مشنقة حول المدينة انشأوا مجتمعات سكنية مغلقة على أرض شبه مسروقة وزينوها بأراضى الجولف المتعطشة دائما إلى الماء ونادوها بـ«الريف الأوروبى» و«بيفرلى هيلز».

وخلال كل هذا كنت أحبها. أحبها، وأحبها أكثر. الملايين منا يحبونها. كنا نستيقظ فى الصباح فنجد نفقا انتهوا من إنشائه منذ أسبوعين قد بدأوا فى هدم جدرانه مرة أخرى ليكسوها بالرخام والسيراميك. نتساءل أى من نواب مجلس الشعب يعمل فى الرخام والسيراميك؟ (هم نفس النواب الذين سيبعثون باللوريات محملة بالبلطجية وبكسر الرخام والسيراميك يشقون بها رءوسنا فى شوارع الثورة). إشارات المرور مائلة معطلة ونستيقظ فى يوم لنجد المدينة قد أنبتت نَخِيلا من البلاستك مزين بالأضواء الحمراء والخضراء تغمز لنا كالمهرج الرخيص. نعتذر لمدينتنا فى قلوبنا، نكرر أننا نحبها، وأننا باقون. كنت أشعر بموجة من الحب فى كل مرة أمر بذلك البيت الأصفر ذى الأبراج الصغيرة المتهدمة الذى لم يزيلوه بعد، بدور السينما الآرت ديكو الضخمة، متآكلة تعث فيها البراغيت لكنها صامدة. فى اليوم الذى فقد فيه برج الجزيرة كشافاته البيضاء المتحفظة ورموا حوله شبكة من الأضواء الملونة بكيت. ردموا أجزاء من النيل ليقيموا عليها بيوتهم. باعوا الأراضى من تحت أقدام السكان إلى المستثمرين الأجانب. صبوا الأسمنت فى كل مشروعات المنشآت العامة بما فى ذلك ترميم مساجد عمرها ألف عام، ومصانع الأسمنت تدور بالوقود المدعوم فتصل معدلات أرباحها إلى ٦٥٪. وفى المقطم نشعت مجارى الحى الثرى الجديد الذى بنوه أعلى الجبل فخلخلت الصخر الذى تجلس عليه «الدويقة» الفقيرة أسفله فانهارت بيوتها تتدحرج على سفح الجبل (سكانها فى الخيام الآن أمام ماسبيرو، يحتجون ويعرضون بؤسهم على الإعلام والمارة). ربع مليون طفل يعيشون فى الشارع، والبعض يحاول مساعدتهم والبعض يصور الأفلام عنهم والبعض يسرق منهم الكلى والعيون.بعض ضباط البوليس يديرون شبكات البلطجة وتجارة المخدرات والمواطنون ينتظمون فى السقوط من نوافذ الأقسام أثناء التحقيق معهم أو الموت بهبوط حاد فى الدورة الدموية وهم فى الحجز. فيديو لسيدة معلقة من ساقيها تستعطف وتستعطف وترجو... احتجاجات ومسيرات ومظاهرات كل يوم، وعروض مفاجئة لفيديوهات التعذيب، وحين وقف كبار القضاة ساعتين فى وقفة صامتة أمام ناديهم بالأوسمة والقلادات على صدورهم أيقنا أن وقت الحساب آت.

مُهانة ومكلومة ومنهوبة ومستغَلَّة ومعتدى عليها ومستهزأ بها: مدينتى. كنت أخجل من نفسى لأنى لا أنقذها. كلنا نخجل من أنفسنا أمامها. كل ما نستطيعه هو أن ننظر ونستمع ونشهد ونحتج ونصر أننا ــ نحبها. وهى تتظاهر بأنها لا تكترث، تتفكك فى صخب وشجاعة؛ كل خيط من منظومة كانت محكمة ينفر وينطلق وحده: الأزرق والأخضر والأحمر والأسود وخيوط من كل لون وكل ملمس تقفز نافرة من المنسوجة فى فوضى معقدة متلوية حية متفجرة حاضرة. سهرت المدينة وأطلقت ناسا أكثر فى الشوارع، أقامت مناطق جديدة بالجهود الذاتية ولما لم تمدها الحكومة بالمياه والكهرباء أخذها الناس من الشبكات، فتحت المطاعم ونظمت الخدمات الخاصة لزوارها من الخليج الغنى منها وكالات للزيجات الموسمية من شابات مصر الفقيرات.

معارض فن جديدة فتحت وصالات صغيرة للعروض المسرحية والشعبية. فرق موسيقية تكونت وأصوات وأنماط جديدة ظهرت، مساجد ومراكز ثقافية قامت تتشبث بالمساحات المهملة تحت الكبارى، الأخضر فى المدينة يختفى ولكن فى كل ليلة تكتظ الكبارى بأهل القاهرة يشمون الهواء، مشكلة السكن تتفاقم ولكن فى كل أمسية ترى عروسا تعيش لحظة نجومية فى موكب فرحها فى الشارع، تصل معدلات البطالة إلى ٢٠٪ وطوال اليوم تسمع الأغانى ودقات الطبول الراقصة من المراكب الصغيرة البراقة التى تجرى فى النهر.

الأشجار التى لم يقتلعوها رفضت أن تموت. تراكم عليها التراب وخلت بعض فروعها من الأوراق لكنها تمسكت بالحياة. كنا نرقب بحرص وقلق شجرة البانيان الكبيرة فى شارع الشيخ المرصفى فى الزمالك، وأشجار التين الهندى على كورنيش جاردن سيتى، والأشجار التى ناداها أولادى بـ«أشجار جوراسيك بارك» بجوار حديقة الحيوان. إن قطعوا شجرة نبت مكانها أشجار. إن دقوا سورا من الحديد فى جذورها مالت الشجرة فارتكنت على السور. إن أقاموا مبنى زاحمها أنبتت فروعا أكثر فى جانبها البعيد. عرفت اشجارا لم تعد تقوى على إنتاج الأوراق فوضعت كل ما عندها من طاقة فى ثورة من الزهور الوردية مرة فى العام، وفى مرة رأيت شجرة وَجَدَت من يعتنى بها، كانت للتو مغسولة، ولم تكن تكف عن الرقص.

كنت أحبها. أستيقظ فى سريرى فى لندن حيث باب بيتى الأمامى يفتح على ويمبلدون مقتنعة أن باب الحديقة يفتح على الزمالك. وفى يوم من الأيام، وأنا لست فى القاهرة ولا فى لندن ولكن فى جَيبور الهند، قرر شباب بلادى أنهم سيتصدون لمن يسرقون حياتهم، وفى كل حى فى البلاد قاموا، ساروا إلى قلوب المدن وهم يهتفون «إحنا ولادكم إحنا اخواتكم إحنا بنعمل كده علشانكم» فنزلنا من بيوتنا ومشينا معهم. ثاروا من أجل العيش، وثاروا من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، وثاروا للكرامة الإنسانية. تبعناهم، وعجبنا لهم، ووقفنا إلى جانبهم كتفا إلى كتف، وبين كل حين وآخر ــ وبالتأكيد أكثر مما كانوا يحبون ــ كنا نمسك بواحد منهم ونحتضنه ونمسك بيديه نسلم عليه ونشكره. نعم نشكرهم لأنهم رفعوا عن ظهورنا حمل الفشل، لأنهم رفعوا عن قلوبنا حمل الأسى، لأنهم خرجوا وساروا فمحوا ذلك السؤال الذى كان يعذبنا: ما الذى أتركه لأولادى من وطن؟ من مستقبل؟ ما الذى تركناه يحدث لبلادنا؟ لعالمنا؟ شباب مصر قالوا لنا «نحن سنعنى بكل هذا. سنعالجه! فقط، ظلوا معنا». نادوا علينا: «يا أهالينا ضموا علينا» ــ فضمينا.

التعليقات