الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 5:59 م القاهرة القاهرة 31.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

للجامعة العربية أفضال على الدول العربية

نشر فى : الأربعاء 28 مارس 2018 - 9:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 28 مارس 2018 - 9:40 م

تعقد الجامعة العربية المؤتمر الدورى لقمتها بعد أيام قليلة وفى ظل تردد محسوس. كثيرون يتوقعون أن تكون هذه القمة، إذا انعقدت وفى الرياض كما هو مقرر، قمة هامة على غير عادة غالبية القمم العربية فى السنوات الأخيرة. يتصور بعض من تابع مسيرة الجامعة العربية أن تكون قمة الرياض مفصلية وهو التعبير الذى يشى بمعنى معين، معنى أن ما بعد القمة يختلف جذريا عما قبل القمة. لعله أيضا التعبير الذى يمكن أن يفسر التردد المحسوس الذى يحيط بجميع مراحل الإعداد لهذه القمة.

***
أدرك، ربما أكثر من كثيرين، عمق استهانة الرأى العام العربى وغالبية السياسيين العرب بالجامعة وشئونها. لهذه الاستهانة، فى رأيى، ما يبررها فى تاريخ الجامعة البعيد والقريب على حد سواء. تبررها بنود عديدة فى قائمة سلبيات يتصدرها سوء أداء الجامعة فى كثير من عهودها، سوء أدائها كأمانة عامة ومنظمة إقليمية ومنظمات نوعية متخصصة. قد لا يتسع مجالنا لمهمة تحميل مسئولية سوء الأداء ولكن يتعين القول بأن الدول الأعضاء تتحمل القسط الأكبر من هذه المسئولية، فالاستهانة بالجامعة نبتت فى قصور الحكم العربية ومن هناك انتقلت إلى بيروقراطيات الدول الأعضاء. جاء وقت أذكره جيدا كانت الأهداف العليا للعمل العربى المشترك محل اهتمام شعبى يسبق اهتمام أغلب المسئولين العرب والمسئولين فى الجامعة العربية. وجاءت أوقات، كالراهنة، يتساوى فى التدنى واللا مبالاة بالعمل العربى اهتمام الرأى العام والنخب الحاكمة معا. كانت هذه اللامبالاة التربة الخصبة التى تغذى عليها دائما ويتغذى سوء أداء هذه المنظمة الإقليمية.

***

أعرف، ومثلى آخرون يعرفون، أن الجامعة العربية كمؤسسة من مؤسسات النظام الإقليمى العربى، نظام بسمات مميزة، تتعرض الآن أكثر من أى وقت مضى لاحتمال الاستغناء عن وجودها. كان يقال، وكنت أنا نفسى من القائلين، أن الجامعة فى أبسط تجلياتها كانت منصة يتنافس ويزايد من فوقها السياسيون العرب على مواقف قومية. ظل قولى هذا سائدا طالما بقى المد القومى صاعدا. توقف المد ثم انحسر قبل أن يظهر البديل المناسب للمد القومى ولم يظهر ولا ظهر بديل للعمل العربى المشترك فى أى شكل وأى مستوى أو صورة مبتكرة. سمعت من يصور الوضع الحالى المحيط بالجامعة العربية فى صورة أشبه ما تكون بصورته فى عهود ما قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية. فى ذلك الوقت احتاجت الجامعة لتنشأ إلى نفوذ بريطانيا العظمى. كانت الساحة حبلى بالأفكار والمبادرات، وكانت الثورة هى النغمة السائدة للتعبير عن غضب الشعوب على الفساد والظلم الاجتماعى والهيمنة الأجنبية. كانت بريطانيا العظمى حريصة على أن تعجل بترتيب البيت العربى استعدادا لانسحابها من المنطقة وتسليمها للولايات المتحدة الأمريكية على أن تحتفظ لنفسها بوضع الحليف والشريك الأصغر لهذه القوة العظمى الصاعدة.
***
أظن، وبعض الظن له ما يبرره، أظن أن غالبية الدول الأعضاء فى الجامعة مقتنعة بأن الجامعة وصلت إلى طريق مسدود. تقلصت الحاجة إليها. لا أحد فى القصور الحاكمة يفكر فى استخدام الجامعة منبرا قوميا مثلما كان يفعل أسلافه. لا أحد يريد ربط أمنه وأمن عائلته وبلاده بمنظمة أمن عربية. المألوف الآن والمقبول أيديولوجيا وبراجماتيا الربط بمنظومة أمن أجنبية وبدول جوار غير عربية وشركات ارتزاق عسكرية. لا أحد فيها يعتقد أنه من الصواب وضع خطة تنمية وطنية تعتمد على خطة تنمية عربية تضمن تكامل جوانب من اقتصادات الدول العربية وتيسير انتقال العمالة ورئوس الأموال وإقامة شركات متعددة الجنسية العربية. لا أحد يريد أن تطبق بلاده مناهج تربية وتعليم تقررها مؤسسة ثقافية تابعة للجامعة العربية. لا أحد، إلا ما ندر، متشبث بالعربية لغة تستحق المحافظة عليها فى الجامعات والمدارس. نبهنى مفكر عربى كبير إلى أن العربية تنسحب شيئا فشيئا كما انسحبت اللاتينية لتعيش داخل جدران الكنائس والأديرة، طلب منى أن أستمع إلى تسجيلات لرؤساء وأعضاء وفود عربية وزعماء تحدثوا فى مؤتمرات عربية فى الأربعينيات والخمسينيات وأقارنها بلغة متحدثى وزعماء أيامنا الراهنة. للجامعة العربية مستقبل رغم كل ما أصابها وأحاط بها من تحولات فى الإقليم والعالم.؟ أجيب، وبدون تردد، نعم لها مستقبل. ولدى حجتان.

****

حجتى الأولى بسيطة وواضحة. هناك أمور وقضايا ما يزال مطلوبا من العرب مجتمعين اتخاذ موقف موحد فى شأن بعضها. أقول مجتمعين لأن بعض القضايا وهى ليست خافية على القارئ اللبيب لا يكفى معها قرار بالأغلبية. الدولة أو الدول العربية التى لديها ما تريد أن تمرره إرضاء لطرف قوى خارجى، وما تريد أن تمرره قد يكون ثقيلا على النفس العربية، تحاول ألا تترك طرفا عربيا غير مؤيد أو غير راغب فغيابه عن الإجماع يدعم حجج الرافضين ويقوى سواعد المزايدين. الإجماع العربى ما يزال، وللغرابة، قوة ضغط لا تراها الآن العين المجردة وغير المجربة بينما تراها فى أكثر الحالات وتثق فى فاعليتها وضرورتها الدبلوماسيتان الأمريكية والبريطانية. دبلوماسيات أخرى فضلت أسلوب شق الصوت العربى وإجهاض الإجماع باعتباره عقبة حقيقية فى وجه تحقيق أهدافها التى قد تبدو للرأى العام متناقضة مع فهمه وتقديره وعقيدته. الرأى العام العربى بدون شك مختلف عن الرأى العام فى عقود سابقة حتى بعد أن لاقى من محاولات الترويض خلال الثورات وبعدها ما لم تلاقيه أمم أخرى كثيرة. يبقى عصيا إلى حد غير مقبول من الدول صاحبة النفوذ، ولذلك تبقى الحاجة أحيانا ماسة إلى ضرورة توفير الإجماع لتمرير مصلحة دولية كبرى.

***

حجتى الثانية فى جوهرها رمزية. أزعم أن لجامعة الدول العربية، على ضعفها وممارسات الاستهانة بها وسوء أدائها المزمن، أفضال على الدول العربية جميع لا يمكن أن تنساها ولا يجوز إخفاؤها عن مواطنيها، وأفضال على الأمة. هذه الأفضال على سبيل السرد والتوضيح وليس الحصر أربعة على الأقل:
أولا: أكثرية الدول الأعضاء فى الجامعة العربية لم تكن قد ظهرت فى الساحتين الدولية والإقليمية كدول مستقلة وذات سيادة عند تدشين الجامعة منظمة إقليمية بعضوية سبع دول لا أكثر. يعنى هذا أمورا عديده أهمها أن الجامعة الأقدم عمرا من معظم الدولة يحق لها أن تتباهى بأنها أطول خبرة وتجربة فى العمل السياسى من معظم الدول الأعضاء. يحق لها أن تتصرف فى بعض الأمور كما الأمم المتحدة كبيت خبرة للدول الأعضاء. يعنى أيضا أن بعض هذه الدول حصلت على استقلالها بفضل قوى ودول وجهات خارجية تأتى فى صدارتها جامعة الدول العربية. كثيرون من الزعماء العرب أشادوا بفضلها وبعضهم تغافل عن الإشادة وبقيت سجلات الجامعة ورواتها يذكرون بهذا الفضل. يعنى كذلك أن الفلسطينيين كشعب عربى يسعى ليحصل على استقلاله وسيادته لن يفقد الأمل نهائيا فى الجامعة العربية. يتجدد أمله فى أن الجامعة لن تتخلى عنه انطلاقا من ولائها لماضيها المشرف مع معظم شعوب العرب.

ثانيا: يعتقد معلقون وسياسيون إسرائيليون وغربيون متعاطفون مع الصهيونية أن وجود الجامعة العربية كان عقبة رئيسة من بين عقبات أخرى عطلت هدف إسرائيل والغرب تصفية قضية فلسطين فى وقت مبكر. بل إن مسئولين كبار فى الولايات المتحدة وفرنسا لم يخفوا حقدهم على هذه المنظمة التى وصموها بالعداء للسامية وطالبوا بحلها ورفضوا الاعتراف بها وحاربوا جهود فتح مكتب لها فى واشنطن. فلسطين، ومعها مؤيدوا حركة تحررها وإقامة دولتها على أرضها لا شك يعترفون بفضل جامعة الدول العربية على استمرار القضية داعمة لبقائها مثارة ومذكرة بنضال هذا الشعب، نضال عمره من عمر الجامعة. لا غرابة ارتباط الاثنين ببعضهما البعض. إلى متى ؟، أتساءل كما يتساءل كثيرون استبد بهم القلق.

ثالثا: هذه الأمة وبخاصة مجتمعاتها الأكاديمية ومنابرها الفكرية وقياداتها الثقافية، يجب أن تشعر بفضل الجامعة العربية فى صنع نخبة عربية، أكاديمية وسياسية واقتصادية، ساهمت فى وضع أسس لعلم التكامل عربى. لقد خلقت الجامعة بينما كانت تعد لقمة عمان الاقتصادية مدرسة فى فلسفة الاندماج الإقليمى أضافت بها اجتهادات من منطقة نامية إلى المدرسة الأوروبية التى نفذت مشروع الوحدة الأوروبية.

رابعا: فى رأيى، يعود الفضل أيضا إلى هذه الجامعة العربية المغلوبة على أمرها فى التأكيد المستمر على أن نظاما إقليميا عربيا قام فى هذه الأنحاء، حدود «ه« معروفة وموثقة تاريخيا وأيديولوجيا. لقد نجحت هذه الجامعة خلال فترة طويلة نسبيا فى أن ينشا جيل عربى أو أكثر واثق تماما من أن من يقطنون الناحية الأخرى من الحدود هم ليسوا من العرب ولا يجوز بأى حال خلط الهويات على جانبى الحدود أو التنازل عن الهوية العربية لهوية أخرى أعلى أو أدنى. أكتب هذا وأنا أعلم أن التحولات الاجتماعية والسياسية فى السنوات الأخيرة أفرزت ثقافة واجتهادات ترفض هذا الفضل، بل ربما حملت الجامعة مسئولية حالة الكره والعداء المتبادل فى كل أنحاء الشرق الأوسط.

***

أمام هذه الخلفية يجرى التحضير لعقد قمة عربية فى مدينة الرياض، أى برئاسة المملكة العربية السعودية.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.