الأربعاء 19 سبتمبر 2018 1:57 م القاهرة القاهرة 35.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

حياة منزوعة الغموض

نشر فى : الأربعاء 28 أبريل 2010 - 9:47 ص | آخر تحديث : الأربعاء 28 أبريل 2010 - 9:47 ص

 أشخاص، بينهم أصدقاء وأقرباء وزملاء وأحباء، تعرفهم معرفة جيدة، تعرف طباعهم وأخلاقهم وسير حياتهم وتعرف ما يتحلون به من خصال كريمة وما يدمنون من عادات وما يرتكبون من زلات أو سقطات أليمة، وتعرف واقع حياتهم ومستوى معيشتهم وطموحاتهم وخيبات آمالهم،

هؤلاء أنفسهم لن تعرفهم إذا قرأت أخبارهم فى صحف بعينها، وربما فى معظم الصحف، إن هم صاروا فى حد ذاتهم موضوعات صحفية أو جاءت سيرتهم عرضا. وتسأل نفسك، كما سألت نفسى مرارا، كيف يختلط الأمر هكذا ومن المسئول؟.

شخص تعرفه جيدا لأنه قريب لك أو لصيق بك، تراه فى الصحف شخصا مختلف الخصال والأخلاق، وقد تراه مختلف السيرة والتاريخ. تراه شخصا تكاد لا تعرفه.

نعيش زمنا تنحشر فيه مهنة الصحافة وسط عنق زجاجة. لا أحد يعرف على وجه الدقة مصيرها خلال عقد أو عقدين. نشهد سهاما من النقد اللاذع أحيانا والجارح فى أحيان أخرى للمهنة ومنتجاتها تتكاثر وتركز على الحال الذى تدنت إليه، والسمعة التى تسعى للالتصاق ببعض العاملين فيها. أكتب هنا عن حال المهنة فى بلادنا العربية وهى حال لا تختلف عن حالها فى دول الغرب ربما إلا فى الدرجة.

نسأل هنا، كما يسألون هناك، هل أصبح عدد متزايد من الصحفيين يفهمون دور الصحافة كرقيب على أنه دعوة لهم للتفرغ لتقصى الشر والسوء والخيانة والعمالة والفساد والتوقف كلية عن تقصى الخير والطيبة والولاء والوطنية الحقيقية والشرف. صار القارئ فى معظم دول الغرب، كما تشير استطلاعات الرأى، مقتنعا بأن الشخص الذى يرد اسمه فى سياق تغطية خبرية أو تحليل أو رأى لابد أن يكون سيئا.



سمعت نموذجا لهذا النقد خلال متابعتى لندوة مصورة نشر وقائعها الموقع الإلكترونى لإحدى أهم الصحف الغربية، وكان المشاركون، جميعهم، من الغرب. سمعت سؤالا أذكر جيدا أنه راودنى أكثر من مرة وإن بصيغ مختلفة، خلاصته لماذا يبدو الناس لنا فى الواقع شيئا، ويبدون على صفحات الصحف شيئا آخر؟ أنا شخصيا تكونت لدى صورة ذهنية عن شخص معين نتيجة معلومات وفيرة عرضها كاتب صحفى فى إحدى لقاءات النقاش التى أشارك فيها.

وبعد أيام قليلة قرأت للكاتب نفسه تحقيقا ظهر فيه هذا الشخص فى صورة مناقضة للصورة التى تكونت عنه فى اللقاء السابق على كتابة التحقيق. وبقيت بعدها وإلى يومى هذا محتارا، أيهما أصدق أو على الأقل أقرب إلى الواقع، الصورة الشفهية أم الصورة الصحفية رغم أن المصور واحد.

أعود إلى الندوة الإلكترونية حيث كان أحد المتحدثين يشرح قائلا إن للصحافة منطقا خاصا بها يختلف عن منطق أى مهنة أخرى. وراح يقارن بضرب المثل بالفن المسرحى وأدب الرواية. قال إنه فى الروايات والمسرحيات التى يكتبها أدباء أو فنانون يظهر الناس «أفضل» كثيرا مما يظهرون فى التحقيقات وغيرها من الكتابات الصحفية.. وأضاف المتحدث ملاحظا أن الأديب أو الفنان حين يكتب عن الناس فى الصحف فإنهم غالبا ما يظهرون أقل طيبة وأسوأ أداء وأخلاقا من الناس الذين يكتب عنهم فى رواياته أو مسرحياته.

وأنا، وقد لا أكون الحكم المناسب لتقويم رأى يحظى بتأييد كبير داخل أوساط مثقفين، وبين عامة قراء الصحف، أشعر من متابعاتى المتواضعة للمسرح ومتابعاتى المكثفة للصحافة، أنه بينما يرى الناس أنفسهم وأقرباءهم وأحباءهم فى شخصيات على خشبة المسرح تشخص أدوارا هى الأقرب فعلا إلى واقع الحياة رغم التراوح الفنى أو الأدبى المعتاد بين الحقيقة والخيال، إلا أنهم لا يرون فى الصحف أنفسهم أو أقرباءهم أو أحباءهم وزملاءهم كما هم فعلا فى الواقع. الفن يذكرنا، على كل حال، بأن الأشياء ليست بالبساطة التى تبدو بها أمامنا، وكذلك الناس.

يعترف صحفيون بأن الفجوة بين صورة الناس كما هم فى الحقيقة وبين صورتهم كما تظهر فى الصحف لم تكن فى أى يوم أوسع مما هى الآن.

قال أحد الصحفيين مبررا هذه الحقيقة الصارخة «أنتم تطلبون من الكاتب الصحفى أن يحاول رسم صورة لشخص ما غير الصورة الموجودة فعلا فى ذهنه لهذا الشخص، وتطلبون منه أن يحكم بعقله وضميره ثم يختار بين الصورتين ويبنى تحقيقه أو مقاله على ما وقع اختياره عليه، وتطلبون أن يحدث هذا كله فى أقل من 600 كلمة، هذا طلب مستحيل».

يقول آخر، الصحافة بطبيعتها اختزالية، وهذا ليس خطؤها..» الصحافة تهدف إلى تقطير ما يصل إليها، وتهدف إلى أن تفرض سيادتها على أى موضوع تتناوله بل وإخضاعه لها. وبسبب هذا الطموح يتعرض الصحفى دائما لمخاطرة أن يقع فى المحظور. هذا المحظور تلخصه عبارة من ثلاث كلمات هى «احتقار آخرين وامتهانهم».

نخطئ إذا حكمنا على الصحافة بمنطق الفن والأدب ومعاييرهما ونخطئ أكثر إذا خلطنا بين ثلاثتها. وربما كان على حق من قال إن الصحافة هى «الحياة منزوعة الغموض». بينما الفن والأدب هما « الحياة بكامل غموضها وأسرارها وخصوصياتها».

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.