الإثنين 12 نوفمبر 2018 8:57 م القاهرة القاهرة 21.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

قصة حب عشتها

نشر فى : الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 8:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 8:40 م
عادت الأمور إلى طبيعتها. القاهرة فى أوج جمالها وإشعاعها بعد انتهاء الحرب وتوقف الغارات الجوية، الصناعة مزدهرة ومحلاتها التجارية الكبرى تغص بأفخر البضائع، الناس من كل أنحاء الوطن العربى تعود إلى عاصمة مصر، لتشترى جهاز عرائسها والعائلات الميسورة تبعث بأولادها ليتعلموا، فسمعة جامعاتها فائقة والأمن فى أحيائها الثرية والفقيرة آمنة ومستقرة، وتكلفة العيش فى مصر فى متناول أبناء كل الطبقات. وقبل هذا وذاك، القاهرة مدينة مفتوحة، مفتوحة ذهنيا وعاطفيا وعقائديا، تربة خصبة ليغرس الإنسان فيها بذرة حب لتنمو شجرة وارفة ولتزهر عقودا.

* * *

وصل الشاب إلى القاهرة يحمل حقيبة ملابس، حقيبة مثل كل الحقائب الجلدية التى كان يحملها المسافرون متوسطو الحال، يتنقلون معها بين أقطار الشرق بالحافلات أو بالقطار القادم من الشمال مارا بحيفا ثم غزة ومنها إلى القاهرة. وجد فى انتظاره أحد أصدقاء العائلة ليصحبه إلى شقة متواضعة فى حى تسكنه غالبية من الطبقة الأدنى قليلا من الوسطى. قضى بقية اليوم يعد الشقة للسكن والدرس، وفى اليوم التالى قطع المسافة إلى الجامعة الأمريكية مشيا على قدميه. أنهى إجراءات التسجيل ودار على مبانى الجامعة يتطلع منبهرا. انبهر بروعة وجمال المكان، وانبهر أكثر بالشبان وقد اختلطوا بالشابات المتقدمات للتسجيل، ساعتها شعر بأنه بالفعل غريب، وغلب عليه الشك فى قدرته على أن يكون واحدا من هؤلاء، يتكلم كما يتكلمون ويتبادل معهم النكات ويضحك كما يضحكون. لن يكون واحدا منهم فمصروفه الذى خصصه له الأهل من مبلغ اشترك فى جمعه كل الأخوال والأعمام وجده لأمه وجدته لأبيه، هذا المبلغ لن يسمح له بارتداء مثل هذه الملابس الأنيقة أو الاختلاط بهذا الشباب.

***

بدأت الدراسة وللوهلة الأولى وشعر بالحاجة إلى بذل مجهود مضاعف، ليكون على مستوى زملائه وزميلاته. بعد أيام كان قد تغلب على الخجل وصار يشارك فى المناقشات، ثم تجاسر وبدأ يقترب متوددا إلى الشلل عند التئامها فى فترات الاستراحة عند النافورة أو أمام المكتبة. بعد قليل وجد نفسه يفضل شلة على غيرها، ثم اكتشف أنه صار يقضى وقتا أطول من المعتاد فى التزين، ويختار للجلوس موقعا بعينه فى قاعة المحاضرات. وما هى إلا أيام وقد أصبح طالبا يشار إليه بالتفوق والتميز لكثرة مداخلاته وسعة اطلاعه.

أحب «ع» المكان وأحب الدراسة وأحب المدينة وأحب مصر كلها، ولم يدرك وقتها أن وراء كل هذا الحب والتفوق والرغبة فى التأنق، فتاة بقوام رشيق وبشرة بيضاء مكسوة بحمرة طبيعية، ترتدى ملابس بدت له فاخرة. استمر يتابعها ظنا منه أن دافعه الفضول. يراها تأتى كل صباح فى سيارة سوداء فارهه، تنزل من بابها الخلفى ولكن ليس قبل أن يفتحه لها السائق الذى يصحبها، أو بدقة ضرورية، يتبعها امتارا معدودة حتى باب الجامعة وينتظرها لتدخل قبل أن يعود إلى سيارته.

بمرور الأيام ازدادت متابعته لها، وتعددت لحظات تركيزه عليها. صار يشرد فى المحاضرات. عيونه عليها وآذانه مع الأستاذ وعقله مشتت بينهما. لم تكن لديه التجربة التى تؤهله ليعلم أن تركيزه عليها لابد وأن يصل إليها ويحرك شيئا فيها. لم يطمع فى أن تنتبه إليه، فعالمها غير عالمه وأصحابها غير أصحابه واهتماماتها غير اهتماماته. هى الشىء المستحيل فى حياته وربما فى حياة كل منا، الشىء االذى تراه وتتخيله وتحلم به فى الليل ويصاحبك فى شرودك ومذاكرتك وربما طموحك، ولكن يبقى مستحيلا، وبما أنه مستحيل فليذهب الخيال بعيدا وحرا من أى قيود. هو آمن ومطمئن إلى أنها لن تلاحظ وجود هذا الشاب الريفى البسيط، حتى وإن كان وسيما ولامعا.

***

فى اليوم الثالث من الشهر الثالث، انتهى الدرس وكالعادة لم ينهض ليغادر. جلس ملتهيا بجمع كراساته مسترقا نظرات رآها تجمع هى الأخرى أوراقها وتستعد للخروج. نهضت من مقعدها فابتعد بنظره عنها خشية أن تضبطه متلبسا بالنظر إليها. خلت القاعة إلا منهما فانكب مرة أخرى على أوراقه كمن يلمها وهو لا يلم. ظل منكفئا على فخذيه لا يرى ما يحدث حوله وضربات قلبه تتلاحق فى سرعة لا يألفها وحبات عرق تبلل جبهته وتتسلل إلى أصابعه. ازدادت ضربات القلب وتصلبت أعصابه وتوقف عقله عن التفكير. وفجأة وبدون وعى أو إرادة ارتفعت رأسه ليراها تقف إلى جانبه، ثم سمعها تدعوه للتحرك قليلا ليتسع لها مكان إلى جانبه، ثم شعر بها تجلس حين انسابت اليه نفحات من عطر. أدار رأسه ناحيتها فوجدها تنظر إليه بل تغوص بعينيها الملونتين فى عينيه الحالكتى السواد، ثم تبادره بالقول، يا «ع» «أنا عايزة أسمع حكايتك».

* * *

مرت خمسون عاما على هذه اللحظة، اللحظة التى طلبت فيها «ل» من «ع» أن يحكى لها حكايته. كنا فى بيتى بحى المهندسين، وكان الدكتور «ع» ضيفا علينا. وصل الليلة الفائتة من إنجلترا ليحتفل مع الجامعة الأمريكية وزملائه بذكرى مرور خمسين عاما على انضمامهم للجامعة. تناولنا العشاء ثم انتقلنا إلى غرفة المكتب، وما أن جلس على أريكة مريحة إلا وألقيت بسؤالى «إيه الحكاية؟». لم أعرف أن هذا السؤال سيفجر بركان عواطف وذكريات. السؤال نفسه كان ضمن قصة حب عجيبة غريبة.

***

نظر بعيدا وهى تجلس إلى جانبه ليحكى لها حكايته، حكاية طفل ثم شاب فى قرية صغيرة ولكن بعائلة ممتدة. كان نبوغه المبكر الدافع لأهله ليجمعوا مدخراتهم ويخصصونها للإنفاق على سفره ودراسته ومعيشته فى مصر. حكى لها عن شقته فى القاهرة وجيرانه وحفاوة أهل الحى به ولياليه التى يقضى بعضها متجولا فى القاهرة الفاطمية أو مذاكرا. حكى لها عن رغبته فى أن يحقق ما جاء من أجله لإرضاء أهل قريته وعائلته والوفاء بوعده لهم أن يعود إليهم حاملا أعلى الشهادات. نظرت فى عينيه نظرة فيها حنان ولكن فيها أيضا ما لم يره فى عيون أخرى من بعد أو من قبل، ثم قالت له أريد أن أعرف حقيقة شعورك تجاهى، تلعثم وتردد وعاد العرق يتصبب فأسرعت بالقول.. ولكنى أحبك.

* * *

ذاع الخبر، خبر العاطفة المتبادلة بين بنت الباشا المصرية والفلاح العربى. لم تخف حبها له أمام الناس. أخذته إلى شوارع القاهرة الأثرية ودارت به فى أحياء الزمالك وجاردن سيتى والمعادى ومصر الجديدة. هذه هى قاهرتى، وستكون قاهرتك. لم تخف أنها من عائلة بالغة الثراء، وأنها تنوى أن تحصل على درجة عليا وبعدها يقرران معا ماذا تفعل بهذه الدرجة. قالت له وهما يجدفان فى فلوكة على النيل «ما أحلى أن أراها، أى الشهادة، تزين حائطا فى غرفة المعيشة فى بيتنا فنستمتع بها شاهدا على قصة حبنا. راح الحلم يستفحل والسعادة تغمرهما ومعهما الجامعة التى لم تجد قصة أكثر إثارة ومصدر فخر لها.

***

فجأة وبدون سابق ابلاغ اختفت «ل». جن جنونه. لم يعرف كيف يسأل ومن يسأل. لم تترك له هاتفا أو عنوان سكنها. راح يبحث حتى جاءته صديقة لها تحمل منها رسالة، ترجوه فيها أن يتوقف عن البحث عنها. أهلها حرموا عليها الخروج حتى تقرر أنها ستتخلى عنه. ثم وصلته رسالة أخرى تقطر شوقا فرد عليها متمسكا بحبه لتقع رسالته فى يد الباشا، وما هى إلا ساعات وكانت الأوامر قد صدرت إلى وزارة الداخلية لإلغاء تصريح إقامته فى مصر وترحيله فورا. بعد أسبوع كان «ع» فى الولايات المتحدة يجلس فى مكتب التسجيل فى إحدى جامعات أمريكا، يجلس وفى قلبه حب كبير وحسرة شديدة وألم فراق وعذاب ضمير لأنه، كما قال لى فى غرفة المعيشة ببيتى، تركها لأحضان أب شرير.

* * *

استعد للنوم. كانت آخر كلماته قبل أن يدخل إلى غرفة خصصناها لنومه سؤاله إن كنت أظن أن القدر سيكون كريما فيراها بعد خمسين عاما فى الحفل الكبير؟ استيقظ مبكرا، وأظن أنه لم يذق طعم النوم فى تلك الليلة. رأيته وقد جلس على مائدة الإفطار فى أبهى حلة. رأيته يترك مقعده مرارا ويتجه نحو المرآة ليعدل من ربطة العنق أو ليعيد تصفيف شعره الرمادى الكثيف، لعله يبدو لها أصغر عمرا، وكأنها نسيت كم يبلغ من العمر. رأيته وسيما، يقف فى الثمانين طويلا منتصب القامة، بوجه لفحته شمس الريف، لم تغادره سمرتها ولا تخلت عنه لهجته المميزة. يقف أمامنا كطفل ارتدى أفخر ثيابه ليحتفل أو ليحصل على جائزة استحقت.

* * *

قضيت اليوم متلهفا عودته ليسمعنا تفاصيل يوم فريد فى حياته، بل وفى حياتى أنا أيضا. عاد عند الخامسة عصرا. أكاد أقسم أننى رأيت شابا فى العشرينيات يدخل من باب بيتنا. العينان مبتلتان ولا دموع، السعادة فيهما وعلى شفتيه ناطقة ولا كلمات، القامة أشد انتصابا وأطول من قامة الصباح. لا أذكر أنى رأيت قبل ذلك اليوم أو بعده رجلا فى مثل حالته ولكنى رأيت نساء كثيرات. رأيت فى تلك العصرية رجلا بهالة حب تكلل رأسه، رجلا تنبعث منه فيمتلئ البيت بمشاعر فياضة. لم يتركنا طويلا نعانى عذاب الفضول.. وبدأ يحكى.

* * *

وصل إلى ساحة الجامعة، وقد سبقه إليها عدد غير قليل من رجال ونساء كبار السن، منهم من انحنى للزمن، ومنهم من أمسك بعصاة تحمى خطواته. قدر أنهم زملاؤه ولكنه لم يتعرف على زميل بعينه أو زميلة بعينها. قضى بعض الساعة يقترب من النساء عساه يرى «ل» بينهن. هل تأخرت فى الطريق؟، أم أنها فى الحفل تعرف أنه يبحث عنها ولكنها لا تكشف عن نفسها؟، هل هى هذه السيدة الأنيقة التى تحملق وتدقق؟، لا لم تكن سمراء. أم هى هذه التى تقف فى ركن تحمل باقة زهور حمراء؟ كلا.. فلم تكن قصيرة. مرة أخرى وبدون سابق إنذار، حبات العرق تتجمع والأعصاب تتصلب وضربات القلب تتدافع. ينظر خلفه لتبادره بالسؤال، «ازيك يا «ع»».

فاجأته تماما كما فاجأته قبل خمسين عاما فى قاعة المحاضرات. أسعدته أيضا بلفتة لم يتوقعها أو كان يمكن لخياله أن يتصورها، فقد أدارت وجهها لتخاطب الفتاة الفاتنة التى تقف إلى جانبها متلهفة ومتوقدة، «ها هو أمامك، الرجل الذى حدثتك عن حبى له، أول حب فى حياتى»، ثم توجهت بالحديث إليه قائلة «سلم عليها يا «ع»، فهذه حفيدتى التى قضت طفولتها والآن شبابها أكرر على مسامعها قصة حبى معك. هذه الحفيدة التى اخترتها من بين أحفادى لأعلمها كيف تحب وكيف تحترم الحب وترعاه. لم تتركنى أحضر الحفل بمفردى، أرادت أن تراك، أرادت أن ترى الرجل الذى أحببت خمسين عاما بحق وصدق». راح يقسم لنا أنه رأى دمعة تنساب على خد الفتاة.

* * *

سافر صديقى عائدا إلى عائلته الصغيرة. قابلته مرتين أو أكثر خلال خمسة عشر عاما انقضت على زيارته للقاهرة لحضور الاحتفال. تقطعت الصلات وتباعدت وبخاصة عندما رحل عن دنيانا ولكن استمرت اللقاءات بأفراد العائلة. وقع آخر لقاء عندما كنت فى زيارة عمل قصيرة لعاصمة عربية. هناك التقيت بابنته الأصغر المتخصصة فى دراسات التاريخ الإسلامى. جلسنا نتسامر حتى جئنا على ذكر الجامعة الأمريكية التى يعمل بها زوجها، فإذا بها تتوقف قليلا عن الحديث لتطلب منى «معروفا». قالت «أريدك أيها الصديق الكبير أن تكمل جميلك فتأخذنى لألتقى السيدة «ل.ش» إنها صديقة أبى التى كانت لها معه قصة الحب التى تعرفها، هذه القصة التى لم يترك فرصة إلا وانتهزها ليروى لنا جانبا منها، وبخاصة رحلته إلى القاهرة التى نزل خلالها فى ضيافتكم والتقى فيها بحبيبة عمره».

استطردت الابنة «أرجو أن تنقل لها عن لسانى أننى راغبة فى لقاء يجمعنا. أريد فقط أن أحتضنها وأقبلها عرفانا بدورها فى إدخال السعادة إلى قلب رجل عاش أغلب عمره يحبها. تزوج مرتين وهو يحبها. رحل عن عالمنا ولكن بعد أن غرس فينا حبه لها. من فضلك خذنى لها».
جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.