الإثنين 19 نوفمبر 2018 4:00 ص القاهرة القاهرة 18.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

دستورٌ فى خريف عاصف!

نشر فى : الأحد 28 أكتوبر 2012 - 9:40 ص | آخر تحديث : الأحد 28 أكتوبر 2012 - 9:40 ص

هذا هو الأسبوع الأخير فى شهر أكتوبر، شهر «الخريف» كما يسميه الجغرافيون، وشهر الانتصارات كما كنا قد درجنا نحن المصريون على تسميته ، وشهر الأنواء والعواصف والتقلبات «والانقسامات» كما كان هذا العام سياسيا بامتياز.

 

فى السادس من أكتوبر، اختلفنا حول الحفل؛ مظاهره، ومنظميه ومدعويه.. فضلا عن مكان أو مكانة القوات المسلحة فى المشهد الذى كان باتساع استاد القاهرة الكبير.

 

فى التاسع من أكتوبر، اختلفنا حول المائة يوم الأولى للرئيس «المنتخب» بين قائل بفشلها، أو مدلل على نجاحها أو مذكر بصعوبة الامتحان.

 

وفى الثانى عشر من أكتوبر، الذى أراده البعض جمعة للحساب، وأراده الآخرون جمعة للتخلص من النائب العام، كانت ذروة المشهد. كرٌ وفرٌ، وحجارةٌ وزجاجاتٌ حارقة، ومشهدٌ لا يختلفُ عن المشهد المشين لما سمى بموقعة الجمل إلا فى التفاصيل.

 

يومها، شهد «الميدان»؛ الرمز الذى بات مستباحا، صداما لم يكن أحد بالتأكيد يرغب فيه. كما لم يكن أحد بالتأكيد يرغب فى أن يتحمل سياسيًا مسئوليته. اتهم البعض الإخوان المسلمين بأنهم المسئولون عما جرى، واتهم الإخوان المسلمون طرفا ثالثا «مأجورا» بمحاولة إحداث الفتنة. وأيا ما كان أمر الاتهامات المتناقضة، بقيت الحقيقة الوحيدة الثابتة أن المشهد مثل ذروة حالة التصنيف والاستقطاب بين رفاق الثورة، والميدان «والدم».... فهل يصلح هذا مناخ لكتابة دستور «لكل» المصريين؟

 

لم تمض ساعات حتى بدا لأكثر المتفائلين، أن الأمر لا يمكن أن نعتبره محضَ «نزقٍ لشباب متحمس» ولا مجرد «ثقافة» شارع أو ميدان. إذ لم ينته اليوم حتى كان التشاحن بالكلمات، وبالتهديد والوعيد قد وصل الى آخر مكان يمكن أن تحتمل «دولة» بالتعريف أن يصل اليه: «محراب العدالة». وكان أن شهدنا حربا سياسية أدواتها الألفاظ والدلالات والمعانى. استقال النائب العام، أم لم يستقل؟ قبل وظيفته الجديدة، أم لم يقبل؟ هل كانوا له ناصحين، أم مهددين أم لرغبته مستجيبين؟ اختلف الشيوخ فى القصر بعد أن اختلف الشباب فى الميدان. لم تمنع مهابة القانون سدنته عن ما بدا لنا غريبًا وصادمًا.... فهل هذا مناخ يصلح لكتابة دستور هو بالتعريف أبو القوانين.

 

أيام فقط، ثم يصدر بيانٌ غير مسبوق للقوات المسلحة، يعقبه ترويج لمقولة أن «الجيش قد يغضب» ثم سرعان ما يتصدر نشرات الأخبار «الرسمية» خبرُ قرار غير مسبوق أيضًا يطيح برئيس تحرير جريدة قومية، وللمفارقة، كانت الهيئة التى أطاحت به، هى ذاتها التى اختارته قبل أسابيع تعد ربما على أصابع اليد الواحدة، فهل هذا مناخ يصلح لكتابة دستور يطمئن اليه المتشككون أو المتوجسون أو القلقون على الحريات العامة فى الجمهورية الجديدة.

 

لم ينته الشهر حتى كان قضاة المحكمة الدستورية قد أصدروا بيانهم الاستباقى غير المسبوق أيضًا برفض ما يجرى تداوله فى الجمعية التأسيسية. ثم، ولكى تكتمل إثارة الدراما. وقبل أن تخفت أصداء بيان الدستورية، كانت أوراق الطعن فى التأسيسية قد ذهبت اليها. ولأن الحكم بالنظر الى السوابق القانونية يكاد أن يكون متوقعا، سنصبح حتما إذا عبر مشروعُ الدستور اختبارَ الاستفتاء، أمام وضع يزيد الاستقطاب استقطابا. البعض سيقول وقتها إن الوثيقة الدستورية «تحصنت» بالاستفتاء، والآخرون سيتذرعون بأن «ما بنى على باطل فهو باطل”.. ولكل حجته ومنطقه. والنتيجة، أننا سنكون واقعيًا أمام حالة من عدم الرضا. ويعلم فلاسفة القانون أن أى قانون لا يأخذ مكانته، ولا يستحق صفته، الا لو رضى عنه الناس. فهل هذا مناخ يصلح لكتابة دستور يرضى عنه الناس.

 

بغض النظر عن أسباب ما نحن فيه الآن وهى كثيرة، تعالوا لنعترف الى أى مدى وصل الاستقطاب اللاعقلانى. فى الأسبوع الماضى وحده، وبعد أن طرحت المسودة الأولية للدستور، بصياغاتها «التوفيقية العجيبة»، بدا أنها لم تعجب أحد. سمعت البعض يعلن صراحة أنه سيرفض الدستور لأنه «علمانى» ينكر الشريعة أو على الأقل يتنكر لها. وسمعت أيضًا لا تعجبوا من سيرفضه لأنه «إسلامى» يؤسس لدولة مدنية غير معاصرة. بل ولعلى لا أذيع سرا إن  قلت أن الدكتور البلتاجى عضو الجمعية التأسيسية البارز قال لى إن هناك مواد فى هذه المسودة، لا يمكن له أن يوافق عليها؛ هو أو حزبه. بل وأكثر من ذلك؛ إذ وصل الحال الى حد أن قرأنا فى «الشروق» أن سلفيين وزعوا منشورات فى صلاة العيد تحذر من التصويت بنعم على الدستور «الذى لا يحقق الحد الأدنى من التعبير عن هوية الأمة» منتقدين «اسلاميى التأسيسية الذين خفضوا سقف مطالبهم مراعاة للصوت العالى للعلمانيين» كما يقول سياق الخبر.

 

هل هناك استقطاب أكثر من ذلك؟ وهل هذا مناخ يصلح لكتابة دستور يرضى عنه أحد.

 

الثابت، بغض النظر عن التفاصيل أن الكل لديه «الآن» مشكلة مع هذا الدستور. البعض سيرفضه لأنه علمانى يتنكر للشريعة. والبعض سيرفضه لأنه إسلامى يهدر الحريات والمواطنة. والآخرون سيرفضونه لأنهم يريدون حصانة واستقلالا أو وضعا متميزا لجهات يعملون فيها، فضلا عن أن هناك من سيرفضونه لا لسبب الا لأنهم لم يدعوا للمشاركة فى كتابته. وبعد كل هؤلاء وقبلهم كثيرون سيحددون مواقفهم لا لاعتراضهم على هذه المادة أو تلك، وإنما نكاية فى هذا الطرف أو ذاك. فهل هذا مناخ يكتب فيه دستور نأمل أن يوافق عليه المصريون.

 

فى هذا المناخ ما هو المتوقع إن نجحت الجمعية فى التغلب على خلافاتها وأقرت مشروعا وطرحته للاستفتاء؟

 

على الأرجح هناك نتيجتان:

 

١ ــ أن النتيجة إن جاءت بالموافقة فلن تتجاوز نسبة الموافقين الستين بالمائة. أو أكثر من ذلك بقليل.

 

٢ ــ أن حكم الدستورية «المتوقع» ببطلان تشكيل الجمعية التأسيسية، سيظل مطعنا دائما على دستور يفترض أنه يؤسس لجمهورية جديدة وشرعية جديدة.

 

●●●

بعد أن كنت قد شرعت فى الكتابة حول «نصوص» وردت فى مسودة الدستور المقترحة، شهدت ظهيرة الأربعاء «لقاء» الرئيس عددا من السياسيين، وشعرت وأنا كصحفى أتابع المشهد أن الحقائق على الأرض؛ مخاطر تقترب، واستقطابات تتفاعل ربما كانت أكبر بكثير من مادة هنا وتعديل هناك. ما الحل إذن؟

 

اقتراحى تخفيفا لاحتقان استقطاب تجاوز كل حد يتلخص فى نقطة واحدة: وإن كان فى تفصيلها كلامٌ كثير: أن نتفق بداية على أن هذا دستور مؤقت لعام أو عامين يقتصر على المبادئ الأساسية التى لا خلاف منطقيا عليها. ويتضمن مادة انتقالية تحدد أجلا نشرع فيه فى كتابة دستور دائم بعيدا عن كل هذا الاحتقان والاستقطاب.

 

إذ يبقى أن أكبر مشكلة تواجه الدستور؛ الذى يبذل البعض جهدا مشكورا فى محاولة الابحار بنصوص مواده فى خضم أمواج استقطاب متلاطمة، ليس تشكيل جمعيته كما يعتقد البعض رغم أن فى هذا كلام كثير، وليس نصوصه المقترحة كما يقول آخرون... وفى هذا كلام أكثر. بل، فى مناخ محتقن يكتب فيه ويطرح للاستفتاء وهنا مربط الفرس. فإن كان التاريخ يكتبه دائما المنتصرون، كما يقول القول الشائع، فلا يليق بدولة شهدت ثورة ربما كانت الأولى التى تستحق صفة «شعبية» بامتياز، أن يوصف دستورها ــ بحق أو بباطل ــ أنه دستور كتبه «بعض» شعبها. حتى لو كان هذا البعض ٦٠ فى المائة.

 

 

 

 

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات