الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 4:04 م القاهرة القاهرة 34.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

ورطة المجلس العسكرى

نشر فى : الإثنين 28 نوفمبر 2011 - 9:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 28 نوفمبر 2011 - 9:00 ص

عاد إلى صدارة المشهد سؤال: «إلى أين نحن ذاهبون؟».. طرح السؤال نفسه بإلحاح طوال السنوات الأخيرة لحكم مبارك، وكان طرح السؤال والإلحاح عليه تعبيرا عن أحوال تتدهور لم يكن ممكنا السكوت عليها، وداعيا إلى سقوط نظام، وسقوط عصر. وعندما يطرح الآن السؤال مجددا، بدرجة الإلحاح ذاتها، فإن المعنى أن المرحلة الانتقالية التى أعقبت ثورة يناير قد تعثرت بصورة خطيرة تنذر بانتكاسة الثورة.

 

وهذا الاعتقاد ــ بالذات ــ هو المحرك الرئيسى للموجة الثانية فى الثورة المصرية.. وقد لخصت صورة واحدة فداحة الاعتقاد بأن الثورة قد انتكست، أو سرقت، أو أن غنائمها قد ذهبت لغير أصحابها.. ويبدو أن الذين تدافعوا بمئات الآلاف إلى ميدان التحرير بقوة النداء العام، أو الصدمة العامة، قد راعتهم تلك الصورة: إلقاء جثة متظاهر جرى قتله بوحشية بين أكوام القمامة. هذه الصورة الرمزية، مصحوبة بصور أخرى على ذات القدر من البشاعة، عكست مستويات غير مسبوقة من القمع الأمنى، أحالت اعتصاما محدودا فى ميدان التحرير لعشرات من مصابى ثورة يناير إلى موجة ثورية تحركها مشاعر الكرامة الإنسانية، وأن المصرى لا يجب أن يضرب أو يسحل أو تقتنص عينه، أو أن يعامل على هذا النحو الهمجى مرة أخرى.. ولكن تلك المشاعر الساخطة كانت مجرد مقدمة لتصورات ومواقف أخذت تتبلور وسط أجواء صاخبة، وتتصاعد نبرتها مع تصاعد القمع الأمنى وسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى إلى نزع الشرعية عن المجلس العسكرى، أو اعتبار أن شرعيته قد سقطت.

 

 

فى تلك اللحظات بدا المجلس العسكرى فى ورطة كبيرة، وأن الورطة قد تكون لها تداعيات أخطر على صورة المؤسسة العسكرية ومستقبلها، والتى وضعت لأول مرة فى التاريخ فى مواجهة مع شعبها. وقد كنا نقول إن مبارك لا يعرف قيمة البلد الذى يحكمه، ويبدو أن المجلس العسكرى لا يعرف قيمة المؤسسة الوطنية العسكرية فى تاريخنا.

 

عند تصاعد الأزمة إلى ذروتها جرى التداول داخل المجلس العسكرى فى ثلاثة سيناريوهات رئيسية للخروج من الأزمة الأكبر التى واجهته منذ تنحية مبارك عن الحكم.

 

 

السيناريو الأول: إعلان العودة إلى العمل بدستور 1971، المعطل، مع إضافة التعديلات الدستورية، التى استفتى عليها فى 19 مارس 2011.. وبموجب نصوص هذا الدستور يعلن خلو منصب رئيس الجمهورية، وتنقل السلطة إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذى يدعو إلى انتخابات رئاسية فى غضون شهرين.. ولم يكن المجلس العسكرى متحمسا لهذا الاقتراح الذى تقدم به فقهاء دستوريون، فالأخذ به يعنى أنه يقر ويعترف بفشله فى إدارة المرحلة الانتقالية.

 

 ومعضلة هذا الاقتراح أنه يعيد للحياة دستورا أسقطته الثورة، فالرئيس السابق أسند عند تخليه عن السلطة إدارة شئون البلاد إلى المجلس العسكرى، وهذه مخالفة دستورية صريحة، ومع ذلك اعتبر المجلس العسكرى لشهور طالت أن شرعيته تعود إلى هذا القرار الذى يفتقد إلى أية شرعية. لم يعترف المجلس العسكرى أن شرعيته تعود إلى الثورة، والشرعية ــ هنا ــ تعنى القبول العام والواسع والطوعى بتوليه السلطة لمرحلة انتقالية. لم يتصرف المجلس العسكرى فى أى وقت باعتباره سلطة ثورية، ولم تصدر عنه أية قرارات لها صلة بأهداف الثورة، ولكن يحسب له أنه كان يستجيب ولو متأخرا وبتلكؤ واضح لمطالب المليونيات المتعاقبة، أو يسبقها بيوم واحد بالموافقة على ما كانت تنتوى التظاهر من أجله.. وهو تصرف قوة محافظة وليس ثورية تحاول إعادة إنتاج النظام، أو وضع سقف للثورة وحدودها ومطالبها.

 

وكان المجلس متسقا مع طبيعته المحافظة عندما اعتبر الاستفتاء بـ«نعم» على التعديلات الدستورية شرعية حكم يستند إليها، وهو استنتاج غريب يعكس فى بعض جوانبه شعورا عميقا بأزمة الشرعية. وكان يجب مع إعلان نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية عودته للحياة معدلا، واسناد رئاسة الدولة إلى رئيس المحكمة الدستورية، ليدعو إلى انتخابات رئاسية، ولكنه على عكس النتائج الدستورية للاستفتاء اعتبر أن نتائجه هى مصدر شرعيته!.. ولوهلة بدا هذا السيناريو ممكنا وملغما فى الوقت نفسه، فهو يستجيب من ناحية لمطلب الرحيل عن السلطة العليا فورا وبطريقة منظمة، ولكنه من ناحية أخرى يتصادم بقسوة مع حسابات قوى سياسية تطمح فى حصد نسبة كبيرة من المقاعد البرلمانية فى الانتخابات العامة، وقبل لقاء الفريق «سامى عنان» مع ممثلى أحزاب وقوى سياسية استبعد هذا السيناريو تماما، ويبدو أن اتصالات جرت فى الكواليس طمأنت المجلس العسكرى إلى أن بعض هذه التيارات لن تشارك فى الاحتجاجات العامة مقابل عدم تأجيل الانتخابات النيابية تحت أى ظرف.

 

 

السيناريو الثانى: اختصار المرحلة الانتقالية إلى نهاية يونيو ٢٠١٢، وهذا يستجيب لجانب من مطالب مظاهرات التحرير، ويستجيب فى الوقت نفسه لمطالب ألحت عليها لأسباب مختلفة قيادات التيار الإسلامى، فالمتظاهرون فى التحرير يطلبون اختصار المرحلة الانتقالية، أو الإسراع بإنهائها، لأسباب لها صلة مباشرة باتساع فجوة عدم الثقة فى المجلس العسكرى، بينما التيار الإسلامى يعرف أهدافه بصورة عملية وتتعلق مباشرة بحساباته الانتخابية. اختصار المرحلة الانتقالية استدعى التأكيد على إجراء الانتخابات فى مواقيتها.

وهنا تتفق إرادة جانبين رئيسيين فى المشهد السياسى، المجلس العسكرى والتيار الإسلامى. فالأول، هدفه الرئيسى والملح الآن امتصاص موجة الغضب المتصاعدة، وتعديل اتجاهات البوصلة السياسية فى لحظة حرجة بما يؤكد قدرته على قيادة المرحلة الانتقالية وشرعيته فى الحكم.. والثانى، يعتقد أن فرصته الانتخابية عالية، وإذا ماتأجلت الانتخابات لفترة أخرى فقد تفلت هذه الفرصة.. وداخل هذا السيناريو جرت اتصالات من بينها لقاء المشير بالبرادعى وموسى طالبا المساعدة فى امتصاص التوتر، ولقاء آخر للمشير مع عدد من الشخصيات العامة.

 

 وهذا أول لقاء من نوعه يقوم به المشير منذ صعود «العسكرى» للسلطة. وفى مشاورات البحث عن مخرج سياسى عند الطرق المسدودة يبدو مثيرا وغريبا تلويح المشير فى مواجهة التحرير بورقة الاستفتاء على المجلس العسكرى.. الفكرة ذاتها لا سابق لها فى التاريخ، فإذا قلنا «نعم» فإن المعنى قد ينصرف إلى إضفاء شرعية البقاء فى الحكم للأبد أو استبدال الدولة البوليسية بدولة عسكرية.. وإذا قلنا «لا» فإن المعنى قد ينصرف إلى مغادرة السلطة دون أن يكون هناك بديل مدنى منتخب أو دستورى، وهو ما يعنى ــ أيضا ــ استعادة جديدة لعبارة مبارك الأثيرة «أنا أو الفوضى».

السيناريو الثالث: الموافقة ــ من حيث المبدأ ــ على حكومة لها صلاحيات. لم يستخدم المجلس العسكرى، فى خطاب المشير تعبير حكومة إنقاذ وطنى، بل أكد على أنها سوف تعمل «بالتعاون مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة»، وهو مايلقى ظلالا من الشكوك على مساحة الصلاحيات الحقيقية التى سوف تمنح لها، فالذين يدعون إلى حكومة إنقاذ وطنى يقصدون بالضبط ألا تكون سكرتارية للمجلس العسكرى على النحو الذى كانت عليه حكومة شرف. وقد جرت المداولات بطريقة لا سابق لها فى تشكيل الحكومات المصرية، فأعضاء المجلس العسكرى يتداولون فى الأسماء المقترحة داخل قاعة اجتماعات تمنع فيها الاتصالات الهاتفية، ومن حين لآخر، يخرج بعض القادة العسكريين إلى خارج القاعة لإجراء اتصالات هاتفية أو التشاور مع بعض الشخصيات السياسية والعامة استطلاعا لآرائهم فى الترشيحات. كان الاسم الأول الذى جرى التداول فيه هو الدكتور «محمد البرادعى» وجرى استبعاده سريعا، وجرت اتصالات اخرى مع «عمرو موسى» لم يعلن عنها، وقد اعتذر عن قبول تشكيل الحكومة، فهو يعتقد أن فرصه باتت مواتية مع التطورات الأخيرة للصعود إلى مقعد الرئاسة، وقد جرى إقصاء ترشيحات عديدة لأسماء كبيرة لها صلة مباشرة بالثورة وأهدافها، مثل الدكتور «حسام عيسى»، وقيل إن استبعاده قد جرى لاعتراض التيار الإسلامى عليه، ولم يكن ذلك صحيحا، فالذى استبعده هو المجلس العسكرى نفسه لأنه لا يريد ان يعتلى رئاسة الحكومة شخصية لها انتماءات أيديولوجية: «الدكتور عيسى ناصرى.. ونحن لا نريد تلوينا سياسيا للحكومة» ــ بحسب ما صرحت به قيادة عسكرية فى مشاوراتها مع بعض الشخصيات السياسية، ولأسباب مشابهة جرى استبعاد أسماء أخرى يمكن أن تحظى بتوافق وطنى واسع، بعيدا عن فكرة التصنيف السياسى بطريقة متعسفة. فى النهاية استقر المشير طنطاوى على اختيار رئيس الوزراء الاسبق الدكتور «كمال الجنزورى» رئيسا للحكومة، وتتلخص أزمة الجنزورى ــ مع تصاعد الاحتجاجات فى التحرير على اختياره ــ فى أنه لن يتمكن من تشكيل حكومة يمكن أن توصف على أى نحو بأنها حكومة إنقاذ وطنى، فمثل هذا الخيار يستدعى ان تكون الحكومة ممثلة ــ على أساس عنصر الكفاءة ــ لكل التيارات والاطياف السياسية، بمعنى ان تكون حكومة ائتلاف وطنى، وهو ما يتعذر توقعه الآن. ومشكلة المجلس العسكرى انه لا يمكنه احتواء أزمة التشكيل الحكومى دون مشاورات وتوافقات واسعة مع التيارات السياسية تستجيب بطريقة ما لغضب التحرير وتجنب تصعيد الصدام معه. والغريب فى مثل هذا الارتباك فى إدارة شئون البلاد الذى أوصلنا إلى فشل ذريع للمرحلة الانتقالية ان هناك من لوح فى المجلس العسكرى باستفتاء آخر على تكليف الجنزورى برئاسة الحكومة!

 

 

أخطر ما يحدث فى مصر الآن أن أعصابها مشدودة إلى آخرها ولا تعرف إلى أين تقودها خطاها.. وخريطة الطريق المعتمدة أوصلت البلد إلى أزمة سياسية كبرى، فهى لا تحتمل التسويف طويلا فى تشكيل حكومة إنقاذ، وأوضاعها الأمنية لا تساعد على إجراء الانتخابات العامة بصورة تضمن نزاهتها وحيدتها، وهى مسألة ضرورية لتوفير شرعية القبول العام بنتائجها. وهنا: صلب الأزمة التى ورطنا فيها المجلس العسكرى.