الإثنين 19 نوفمبر 2018 1:52 ص القاهرة القاهرة 19.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

الخليج والثورات العربية.. مخاطرة غير محسوبة

نشر فى : الإثنين 28 نوفمبر 2011 - 8:35 ص | آخر تحديث : الإثنين 28 نوفمبر 2011 - 8:35 ص

أشعر مقدما بحيرة المؤرخين الذين سوف يتحملون مسئولية تسجيل ثورات عام 2011 العربية، وأتوق لقراءة ما سيكتبون. أتصور أنهم سيجدون صعوبة كبيرة فى تفسير ظاهرة ما نسميهم فى مصر بالبلطجية ويسمونهم فى سوريا «الشبيحة». لن يكتفوا، حسب ظنى، بالفكرة الشائعة التى تقول بأن هؤلاء «مسجلون خطرون» تستخدمهم أجهزة الأمن الداخلى بالابتزاز أو الإرهاب أو المال لضرب المتظاهرين والمعتصمين ولإثارة الفوضى فى أنحاء البلاد. فى الوقت نفسه، أظن أنهم لن يقبلوا بسهولة الرأى «الأيديولوجى» القائل بأن هذه الظاهرة، ظاهرة استخدام الشبيحة والبلطجية، لا تزيد عن كونها إجراء تستخدمه السلطة الحاكمة لتنفيث بخار مكتوم فى العشوائيات المحيطة بالمدن وأحيائها الفقيرة.

 

 هؤلاء إن لم تستخدمهم السلطة الحاكمة وتستغل الغضب المتراكم فى داخلهم واستعدادهم للتخريب، جذبتهم الثورة بأفكارها وجرأة انطلاقها، أو انضموا إليها يحمون طلائعها ويحملون راياتها.

 

لكل رأى من الرأيين وجاهته، وستحسم الأيام أو الشهور القادمة رأيا منهما على ضوء ما ستسفر عنه عملية الفرز الاجتماعى التى تحدث الآن. فالواضح لمن يتابع تطور «التركيبة الاجتماعية» لجحافل الثوار المتدفقين هذه الأيام على ميادين الثورة وبخاصة فى مصر وسوريا، وإلى حد ما فى اليمن، أنها تغيرت بعض الشىء عن تركيبة ثوار يناير فى مصر، تماما كالتغيير الذى حدث فى تركيبة الثوار التونسيين.

 

•••

 

أتصور أيضا أنه سوف تقابل هؤلاء المؤرخين صعوبة فهم مواقف دول بعينها تجاه الثورات العربية ومنها الثورة المصرية. نعرف أن الصين اتخذت موقفا متحفظا تجاه الثورة المصرية، ونستطيع تقدير دوافع هذا التحفظ. وهى الآن تتخذ موقفا مناهضا لأى محاولة خارجية تهدف إلى التدخل لدعم الثورة السورية. لقد قررت الصين منذ بدأت انفتاحها على السوق العالمية ألا تسمح لحدث أو تطور فى الخارج بتعطيل تنفيذ خطة صعودها نحو القمة الدولية، أو يعرقل تدفق تجارتها الخارجية. قررت أيضا ألا تدع تغيرا يقع فى دولة أخرى يؤثر على علاقاتها السياسية مع هذه الدولة. ومنذ أن اتخذت الصين قراراتها هذه صارت تفكر بمنطق الدولة العظمى الحريصة على «الوضع القائم»، لا تسعى لتغييره، وتستخدم نفوذها فى المؤسسات الدولية عندما يستدعى الأمر تدخلها لوقف جهود تغيير «وضع قائم» فى أى مكان فى العالم.

 

لا أرى ازدواجية فى السياسة الخارجية للصين إزاء الثورات العربية، ولا أظن أن التاريخ سوف يجد صعوبة فى فهم هذه السياسية ودوافعها فالصين لم تعد ترفع شعارات تحرر وطنى أو تلتزم مناصرة الطبقات المقهورة، ولكنه بالتأكيد سوف يقف مطولا أمام مواقف بعض الدول العربية، وبخاصة دول فى الخليج، من الثورات العربية. فالمتوقع من دول محافظة أن تتخذ مواقف مناهضة للثورات، أيا كان التوجه الأيديولوجى لهذه الثورات، فالثورة، فى حد ذاتها وبخاصة إذا وقعت فى دولة شريكة فى الإقليم، خطر على استقرار الوضع القائم. لم يعرف يوما أن الدول العربية المحافظة مستعدة لتنفيذ خطط لتغيير أوضاع فى دول عربية أخرى باستخدام العنف. لذلك جاءت مواقف بعض دول الخليج، وبخاصة السعودية وقطر والإمارات، من ثورة سوريا بخاصة والثورات عموما، بمثابة تحول جذرى فى قواعد عمل النظام الإقليمى العربى. إذ بينما توقفت أو كادت تتوقف سياسات التدخل «الثورى» من جانب دول راديكالية لتغيير واقع أو آخر فى دول عربية أخرى، بدأنا نلاحظ انتهاج دول خليجية محافظة، أى حريصة على استقرار الوضع القائم، سياسات خارجية تهدف إلى تغيير أنظمة حكم عربية، أو دعم ثورات ناشبة ضد حكومات بعينها.

 

فى تونس، وقع التدخل الخليجى بعد أيام قليلة من خلع الرئيس زين العابدين بن على وسقوط نظام حكمه. كان الهدف من التدخل، ومازال، التأثير فى اتجاهات الرأى العام التونسى والضغط على جماعات المصالح لصالح وصول التيارات الدينية إلى الحكم وإضعاف نفوذ التيارات العلمانية والفرانكفونية والتحديثية. وفى مصر، لم تلق الثورة تأييدا أو دعما إعلاميا أو سياسيا وماديا من أى دولة فى دول الخليج. بل على العكس وجدت الثورة رفضا واستنكارا من أجهزة إعلام خليجية عديدة، وتعددت أساليب الضغط على الجهات المسئولة فى تسيير شئون الدولة فى مصر للتدخل لوقف أى إجراءات «ثورية قد تتخذ ضد الرئيس السابق ورموز حكمه. كان موقفا مفهوما وإن كان لا يتسم بالود تجاه الشعب المصرى الذى ساند الثورة باعتراف دول الغرب بل والعالم بأسره، وأخشى أن يكون هذا الموقف قد ترك آثارا سيئة ستبقى لمدة طويلة. وقع تطور مماثل مع قادة الثورة الليبية ونسمع الآن تصريحات من جانب سياسيين ليبيين تكشف عن أن التدخل الخليجى فى مسيرة الثورة الليبية ترك بالفعل آثارا غير طيبة على العلاقات بين ليبيا الجديدة وإقليم الخليج.

 

أعرف أن المواقف الخليجية من الثورات المصرية والتونسية والليبية خلفت مرارة لدى جماهير هذه الثورات وقياداتها الشابة. وأعرف عن يقين أن قادة فى المعارضة السورية بدأوا يشعرون بأن لدى بعض الداعمين من الخليج أغراضا لا تخدم أهداف الثورة السورية. بمعنى آخر فإنه إذا كان يوجد لدى الطرفين المتنازعين على مستقبل سوريا شك فى نوايا التدخل الخليجى يكون الخليج قد عرض للخطر والشكوك الثقة المتبادلة بين شعوب الخليج والشعب السورى..

 

لست واحدا من الذين يقللون من إرادة المسئولين عن السياسة الخارجية فى دول الخليج، ولست من الذين يعتقدون أن السياسات الخارجية الخليجية موحى بها من الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب، ولكنى فى الوقت نفسه لا أستبعد أن تتراكم الضغوط والإيحاءات الغربية فتخلق بنية مناسبة تسمح بتلاقى الإرادات الغربية وإرادات الطبقة الحاكمة فى بعض دول الخليج

 

هناك بلا شك، وعلى سبيل المثال فقط، تلاقى، وربما تطابق، فى وجهات نظر دول فى الغرب ودول فى الخليج على زيادة استخدام قوات عسكرية غربية من جيوش المرتزقة والجيوش النظامية للإقامة فى دول الخليج والدفاع عنها، وهناك تلاقى وليس بالضرورة تطابق فى وجهات النظر حول ضرورة إقامة شبكة دفاعية تربط أجزاء الدفاعات الغربية، مرتزقة ونظامية، ببعضها امتدادا من قواعدها القديمة والجديدة فى بعض دول الخليج إلى قواعدها الجديدة فى شمال أفريقيا، وبخاصة فى الجزائر وربما فى ليبيا إذا أفلحت الضغوط الغربية والخليجية الجارية حاليا على القيادة الليبية الجديدة..

 

•••

 

يخطئ من يظن أن مصر بعيدة عن هذه الظنون والشكوك والضغوط والحوافز، ويخطئ من يظن على الجانب الآخر، أن ثورة مصر على وشك الانطفاء رغم كل جهود تطويعها وتهذيبها. أنا مقتنع، وحتى يثبت لى العكس، أن ما وقع من يناير وحتى اليوم، لم يتجاوز نطاق التجربة. مازالت مصر تبحث لثورتها عن مداخل مناسبة وقاعدة جماهيرية مناسبة وقيادة واعية مناسبة.

 

أنا مقتنع أيضا أن ما يقع من تغيرات فى توازن القوى فى النظام الإقليمى العربى لم يتجاوز هو الآخر نطاق التجربة ومحاولة استغلال فرصة «الثورة العربية» لغرس أوضاع استثنائية تصبح بعد «تصفية» هذه الثورة قواعد راسخة.

 

•••

 

فى الداخل المصرى، كما فى الخارج الإقليمى، الفرز مستمر وإلى أجل غير مسمى.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.