الأربعاء 19 سبتمبر 2018 9:39 م القاهرة القاهرة 28.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

مصر فى مخاض التغيير.. والعرب يتطلعون إلى مستقبلهم عبرها

نشر فى : الأربعاء 29 يناير 2014 - 5:30 ص | آخر تحديث : الأربعاء 29 يناير 2014 - 5:30 ص

تعيش مصر مخاضا عسيرا للثورة التى لما تكتمل والمهددة الآن بالثورة المضادة التى تلبس لبوس الدين أو باللجوء إلى الجيش لمواجهة قد تسيل فيها الدماء، وقد تنتهى الثورة بحكم عسكرى «مؤقت».. فى انتظار أن تهدأ الأحوال التى لن تهدأ فى المدى القريب.

ذلك أن استكمال الثورة اخطر مما يقدر المتحمسون لها ولا تنظم قائدا يجمعهم ولا برنامج واضحا يعتمدونه.

وإلقاء العبء كله على الجيش لن ينقذ الثورة وان كان يسىء إلى الجيش ويحوله من قوة حماية، كانت ضرورية فى لحظة الولادة والتقدم للامساك بالقرار فى البلد، إلى سلطة «فعلية» لأن «الأمن» شرط حماية للثورة والعبور بها إلى النظام الديمقراطى الذى سيوفر ذلك «الأمن» ولادته طالما استمر مهددا والاستقرار بعيد المنال.

لقد بات «الميدان» بحاجة إلى «حماية» بينما لم ينتظر الطوفان البشرى، فى مثل هذه الأيام من العام 2012 مثل هذه الحماية، بل انه كان يخاف من الجيش على ثورته.

على أن الجيش ليس حارسا مجانيا فى غياب حياة سياسية لها قواها الحية وعندها مشروعها لبناء عهد جديد بحكم له برنامجه المحدد وليس مجرد أفكار لسلطة متوهمة تقارب الأحلام.

•••

لقد علمت تجربة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر العرب الكثير الكثير..

أول الدروس: أن القائد الفرد ومهما كان عظيما لا يمكنه أن يعيد، بجهده لوحده، بناء الدولة بمؤسساتها جميعا، المدنية والعسكرية، الاقتصادية والاجتماعية، وما اتصل بذلك من حماية للعلاقات مع الدول الصديقة منها والمعادية والمحايدة. وعلينا أن نتذكر دائما أن أنور السادات قد استطاع أن يمحو ركائز دولة جمال عبدالناصر بأسرع من أى توقع، ومن دون كلفة تذكر، عبر الاستعانة بجيشه ذاته بعد تبديل قيادته وتذرعه بالتحرير.

لقد تمكن السادات أن يقلب توجهات الدولة جميعا، بما فيها الجيش: اعتقل رجال الدولة «القديمة» بلا مقاومة.. ولم تخرج الجماهير التى فقدت قائدها الراحل للدفاع عن أعوانه.

ومتى اختفى القائد الفرد فإن أحدا لا يستطيع أن يضمن أو يحدد إلى أين يمكن أن يذهب الأعوان، خصوصا إذا ما أحسوا أن خيمة الأمان قد انحسرت وأن قائدهم ــ حاميهم قد اختفى.

فالنظام ليس هو القائد، بل إن القائد التاريخى يكون متقدما على نظامه ــ وهو فى الغالب الأعم موروث من الماضى مع بعض التعديلات على السطح ــ وأحيانا ما تفصل بين مثل هذا القائد والنظام مسافات ضوئية.

وفيما خص تجربة عبدالناصر فإنه كثيرا ما تبدى وكأنه يغادر نظامه لاتخاذ القرارات الخطيرة التى ما كان أهل النظام، أى المساعدون والأعوان والخبراء، لتواتيهم الجرأة على اتخاذها.. بل إنهم كثيرا ما فشلوا فى الدفاع عنها وتبريرها، فأساءوا إلى القائد والى القرارات ذاتها عند التطبيق.

وأن يقال إن نظام عبدالناصر قد قتله ليس الرثاء المناسب لهذا القائد التاريخى الذى حكم ــ أحيانا كثيرة ــ من خارج نظامه ومن خارج الدولة العميقة.

فالنظام قد يبتلع إنجازات القائد وقد يعطلها أو يحور دلالاتها عند التنفيذ بما يخرج بها عن أهدافها الأصلية.

صحيح أن قائدا تاريخيا مثل جمال عبدالناصر كان يستطيع فى اللحظات الحاسمة، أن يستعين بجماهير الثورة ضد نظامه، كما حدث فى أعقاب هزيمة 5 يونيو 1967، لكن ذلك ما كان ممكنا لولا أن هذه الجماهير كانت تراه «منفصلا عن نظامه»: أكبر منه واقرب إليها منه، وأصدق فى التعبير عن طموحاتها وأهدافها.

على أن هذه الجماهير ذاتها نزلت إلى الشارع، بعد تسعة شهور من وقفتها الأولى التى تمثلت برفض استقالته إثر الهزيمة، لتطالبه بحقوقها عليه (مارس 1968)، ولتطالبه بإدخال إصلاحات جوهرية على نظامه فتكسر قوالبه الجامدة أو المجمدة بالخوف من الجمهور، لكى تشارك فى القرار.

وكان أعظم ما فى النزول الثانى للجماهير أنها لم تر فى حقها بالديمقراطية ما يناقض أو ينقص من الاستعداد للعودة إلى ميدان المواجهة مع العدو الإسرائيلى، بل هى أكدت أن الديمقراطية، أى تمكين الشعب من حقوقه، هى التى تحصن القرار برفض الهزيمة، وهى التى تدفع جماهير الشعب ولاسيما الشباب بأن يعطلوا بعض مشاريع مستقبلهم للعودة إلى الميدان واستنقاذ كرامة مصر، شعبا قبل الجيش، وقيادة قبل النظام، بل بفرض هذا القرار على النظام.

•••

هل تنطبق هذه الأمثلة على الواقع السياسى الراهن فى مصر؟! إن مراجعة المسيرة الشعبية منذ الميدان الأول، قبل ثلاث سنوات، إلى هذه اللحظة، تكشف أن الجماهير أعظم وعيا مما يقدر المنظرون والمتصدون للنطق باسمها.. ويمكن التوقف أمام محطات محددة فى هذه المسيرة:

المحطة الأولى ــ فى 25 يناير رفض الشعب أن يسلم قياده للجيش عبر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة المشير الطنطاوى، بل انه تعامل باسترابة واضحة مع أهداف هذا المجلس غير المسيس، والذى كان مجرد أداة تنفيذية لنظام حسنى مبارك.

ولقد تعددت المواجهات بين الجماهير وقوات من الجيش، وارتفعت الهتافات ضد العسكر.. خصوصا وقد اشتبهت هذه الجماهير بشيء من التواطؤ بين المجلس الأعلى والإخوان، وهو تواطؤ سيتكشف جليا بعد فترة وجيزة، مؤكدا اعتزام هذا التنظيم العتيق التقدم إلى السلطة متخطيا حاجز الرفض الشعبى، مستفيدا من ضعف القوى السياسية المعترضة وتنافرها وعجزها عن صياغة برنامج سياسى واحد يكون قاعدة مواجهتها لمحاولة الإخوان القفز إلى السلطة.

ثم إن الإخوان قد استفادوا من شبهة تسليم الجيش بموقعهم القيادى تحت الشعار الدينى للتقدم فى اتجاه المنصب الذى طالما حلموا به على امتداد ثمانين عاما من العمل السياسى، تحت الأرض وفوقها: سدة الرئاسة.

لقد تجاوز «الانقلاب» فى موقف الجيش من الإخوان كل التقديرات، إذ إنه تجاوز العداء التاريخى الذى يحفظه لهم إلى مداراتهم ثم إلى التقرب منهم أو تركهم يتقربون منه، ثم إلى عدم اعتراض خطتهم للقفز إلى موقع القرار فى البلاد.

فقط بعد نجاح الإخوان فى الوصول إلى الرئاسة انتبه الجيش، بشخص قيادته، إلى خطورة ما أصاب الثورة، وبالتالى إلى خطورة ما سوف يصيب مصر كلها من ضرر بالغ فى رصيدها العربى والدولى. لاسيما أن حكم الإخوان لم يتأخر فى الكشف عن توجهاته: سواء بالنسبة إلى العلاقة مع واشنطن، أو خاصة بالنسبة للعلاقة مع العدو الإسرائيلى (الرسالة التاريخية التى بعث بها الدكتور محمد مرسى إلى شيمون بيريز).

ثم إن الإخوان كانوا يتعجلون السيطرة الكاملة على مرافق الدولة جميعا.. وهكذا خلعوا المجلس العسكرى، بعد حفلة نفاق ــ بالأوسمة ــ لرئيسه وأركانه، واندفعوا بسرعة إلى صياغة مشروع دستور يلائم هدفهم بأن يكونوا «الحزب الحاكم»، والى الأبد إذا ما أمكنهم، وباشروا الاستيلاء على المواقع الحاكمة فى السلطة وفى القضاء خاصة.. بينما توزعت جماهير الميدان بين اليأس والعجز عن مقاومة هذا المد الاخوانى، خصوصا مع غموض موقف الجيش، ووضوح السيطرة الاخوانية على القوى الأمنية.

فى هذا المناخ تحرك الجيش: أظهرت قيادته انفصالها عن حكم الإخوان، وخرج وزير الدفاع عن «انضباطه» العسكرى داعيا الجماهير إلى إعلاء صوتها وتأكيد موقفها من الحكم القائم، وكانت التظاهرات غير المسبوقة التى احتشد فيها الملايين رفضا لحكم الإخوان.

•••

هل كان ذلك الرفض يعنى، آليا، التسليم بحكم العسكر؟ أم أن الجماهير التى لم تجد لها قيادات مؤهلة لهذا الدور التاريخى وتنظيمات ذات صدقية وقدرة على التقدم نحو الحكم ببرنامج محدد وله القدرة على استقطاب الأكثرية اللازمة للتغيير، غير عبدالفتاح السيسى قائدا.. وبرنامجا؟!

لعل هذه التساؤلات قد باتت من الماضى. لكن إسقاط الماضى لا يعنى بالضرورة النجاح فى بناء المستقبل!

وبالتأكيد فان مصر ستعيش ولفترة ليست قصيرة مخاضا أليما للتخلص ليس فقط من تركة الإخوان، بل كذلك من تركة السابقين عليهم.

وبالتأكيد فإن العرب جميعا يتابعون مسيرة مصر فى قلب الصعب متمنين لها النجاح ليستطيعوا التحرر من مناخ الكارثة الذى يسيطر عليهم فى المشرق والمغرب والتطلع بأمل إلى المستقبل.

إن نجاح مصر هو الأمل باستنقاذ الأمة.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات