الخميس 15 نوفمبر 2018 3:34 م القاهرة القاهرة 24.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

تلاقى مصر وإيران .. عدم الانحياز .. قوة دولية مجددًا

نشر فى : الأربعاء 29 أغسطس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 29 أغسطس 2012 - 8:00 ص

ليست مبالغة القول ان المواطنين العرب، وفى مختلف ديارهم، مشرقا ومغربا، ينتظرون فى قلب اللهفة، أن تعود إلى مصر روحها، بفضل «الميدان» الذى احتضن الثورة، وان ترجع مصر إلى دورها الذى لا غنى عنه ولا بديل عنه فى أمتها وفى محيطها.

 

●●●

 

من هنا استبشار العرب بالاعلان عن مشاركة مصر فى القمة المقررة لمجموعة دول الانحياز التى ستبدأ أعمالها غدا فى طهران، وان كان البعض قد حاول التخفيف من «وقع» هذا الخبر، بالإعلان أن مشاركة الرئيس محمد مرسى ستكون «برتوكولية»، ولن تمتد لأكثر من خمس ساعات. بل لقد وجد من يحاول «تبرير» هذه المشاركة بكون القمة السابقة لهذه المجموعة قد انعقدت فى القاهرة، وبالتالى فإن هدف الزيارة إتمام مراسم التسلم والتسليم، حسب الأصول، ودون التوغل فى مناقشة المواقف السياسية.

 

وملفت أن تكون الإشارة إلى زيارة الرئيس المصرى لطهران قد صيغت بلهجة اعتذارية، وكأنه يرتكب إثما.

 

فى السياق ذاته، تلقى العرب بالترحيب خبر الاقتراح المصرى بلقاء رباعى يضم إلى مصر السعودية وإيران وتركيا، لمناقشة الأوضاع المتفاقمة خطورة فى سوريا والتى ينذر تدهورها بتفجر حرب أهلية مديدة قد لا تنحصر آثارها المدمرة داخل الكيان السورى بل هى قد تمتد إلى جيرانها فى الشرق والغرب والشمال وكلها مهدد فى أمنه واستقراره بسبب التداخل والتواصل بين المكونات المتشابهة لشعوبها.

 

إن عودة مصر إلى دورها القيادى الطبيعى فى وطنها العربى، ثم فى محيطها الأفريقى ومن ثم فى العالم الثالث عموما، هو خبر سعيد لطالما انتظره أهل العرب والأصدقاء فى أفريقيا وآسيا.

 

وبين ما تشرف به القاهرة أنها كانت صاحبة دور رائد فى تنبيه عالم الشعوب، فى آسيا وأفريقيا، إلى ضرورة التلاقى والتكاتف لبناء قوة خارج المحورين اللذين كانا يتقاسمان النفوذ والهيمنة على سائر أنحاء العالم.

 

●●●

 

من باندونغ فى اندونيسيا فى العام 1955، بدأ تجسيد الفكرة التى اقتربت من التبلور كمشروع سياسى مستقبلى عبر حركة التضامن الشعبى الواسع مع مصر فى أعقاب العدوان الثلاثى عليها، والذى شنته دولتان من دول الاستعمار القديم (بريطانيا، وفرنسا) ومعهما إسرائيل. ومع مطلع الستينيات تم التلاقى مجددا فى نيودلهى حيث تجسدت الفكرة مشروعا قابلا للحياة، فإلى القاهرة حيث تأكدت جدارة القوة العالمية الثالثة ممثلة بدول عدم الانحياز التى انتظمت فى مجموعة لها أهدافها الخاصة ولها مواقفها المميزة النابعة من إرادتها والمحققة لمصالحها. كانت مصر مركزا قياديا مؤثرا، وبالتأكيد فإن الشخصية الاستثنائية لجمال عبدالناصر، بالهالة الشعبية التى كانت تحيط به قد لعبت دورا مركزيا فى قيادة هذه المجموعة.

 

ولعل الجلسة التاريخية التى لا تنسى للجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك، فى خريف العام 1960، قد اكتسبت أهميتها الاستثنائية من المشاركة الواسعة لأقطاب التكتل الدولى الجديد، مما استدعى حضور الرئيس الأمريكى جون كنيدى والقائد السوفييتى الأشهر نيكيتا خروتشوف الذى أقدم على مبادرة لا تنسى حين اخذ يقرع بحذائه على الطاولة بينما بعض أزلام الغرب يتحدثون بطلاقة عن الحرية.

 

صارت القاهرة مركزا مؤثرا فى السياسات الدولية، إضافة إلى تشكيلها قيادة مهابة للوطن العربى جميعا، بفضل شخصية رئيسها الاستثنائى جمال عبدالناصر ووعيه ــ منذ البداية ــ خطورة دور مصر فى وطنها العربى ومحيطها الأفريقى ومن ثم فى العديد من أقطار آسيا التى كانت تناضل من اجل استقلال قرارها وكرامة شعوبها وحقها فى حياة عزيزة فوق أرضها الحرة.

 

على ان هذا التكتل الرائد والذى لعب دورا مؤثرا فى السياسة الدولية سرعان ما أصابه الوهن بعد اغتيال الزعيم الهندى الكبير جواهر لآل نهرو، ومن ثم الغياب المبكر لجمال عبدالناصر. ثم جاءت وفاة القائد التى اصطنع يوغسلافيا، الماريشال تيتو، لتنهى وجود هذه الدولة التى استولدها من العدم، والتى تمزقت إربا اثر غيابه.

 

ولقد تسبب انحياز الرئيس الراحل أنور السادات إلى الولايات المتحدة، التى رأى أنها تملك 99 فى المائة من الأوراق، ثم إقدامه على وقف حرب رمضان المباركة قبل أن تنجز أهدافها، متخليا عن شريكه السورى فيها، مندفعا إلى مصالحة عدوه الإسرائيلى، إلى خروج مصر من موقعها ومن دورها ومن مكانتها المميزة.

 

بعد ذلك توالت الانهيارات فى هذا المعسكر المؤثر، حتى كاد يفقد دوره ورسالته الدولية، لا سيما بعد سقوط الشيوعية وعودة روسيا إلى حدودها القيصرية، وتفتت «المعسكر الاشتراكى العظيم» إلى دول فقيرة تبحث لنفسها عن ملجأ فلا تجد إلا الهيمنة الامريكية وتجبر أشقاءها الأغنياء فى أوروبا، وفى الطليعة منهم المانيا.

 

●●●

 

هل من فرصة اليوم لإعادة بناء ما تهدم وبعث هذه القوة العالمية الثالثة لتلعب دورها المفتقد، خصوصا وقد انفرد القطب الأمريكى بالقرار ؟

 

لقد اختفى «العرب» كقوة يحسب لها حساب فى السياسة الكونية:

 

ارتدت قياداتهم المتنازعة والمتهالكة إلى «الداخل» حيث مارست أكثريتها المطلقة سياسة قمع غير محدود لشعوبها، محولة الجمهوريات الفقيرة إلى «إقطاعيات».

 

أما «الرعايا» فى هذه الدول التى تحولت إلى إقطاعيات مملوكية فقد هرب الأكفاء وأصحاب الخبرات منهم إلى الخارج يبحثون عن الرزق مع شىء من الكرامة، يبيعون قدراتهم للغير ممن كانوا ــ ذات يوم ــ فى موقع العدو، ومؤكد أن تغيب الشعوب وحصر القرار فى يد رئيس فرد توسعت صلاحياته حتى كادت تشمل مختلف شئون الحياة والقرار بالموت، قد أساء إلى صورة «الدولة» فى هذه المنطقة من العالم فشحبت حتى كادت تتلاشى، خصوصا ان «الفرد» فيها بات يغنى عن المؤسسات جميعا، التشريعية والإدارية، القانونية والعسكرية. صار القرار فى كل دولة عند فرد واحد لا شريك له، فانتفت قيمة الدولة.

 

من هنا، فإن التلاقى بين الدولتين القطبيين، كل فى محيطها، مصر وإيران، سيشكل جسر عبور إلى مرحلة جديدة من مراحل النضال من اجل توكيد الحق بالقرار فيما يعنى شئون هذه البلاد التى استطال قهرها سواء بالاستعمار ام بالديكتاتورية ام بالفقر الذى هو نتيجة المزاوجة بينهما.

 

لقد مرت مياه كثيرة فى نهر العلاقات بين هاتين الدولتين الكبيرتين والمؤثرتين، بموقعيهما فى التاريخ وفى الجغرافيا... ويفترض أن ينتهى زمن القطيعة، حتى ولو لم تتوقف المنافسة بينهما.

 

وأفضل إطار لتصحيح العلاقة بينهما هو استذكار «الآخر»، وبالتحديد القوى العظمى التى بات يمكن اختصارها بالهيمنة الامريكية على القرار الدولى.

 

إن مساحة اللقاء فى المصالح بين هاتين الدولتين المحوريتين أوسع بكثير من نقاط الخلاف أو الاختلاف الأيديولوجى، أو التنافس على الدور فى المحيط... وأية مساحة للتفاهم ستقتطع من حساب الهيمنة الأجنبية، وليس من رصيد الدولة الأخرى، ولا خاصة من رصيد الدول المخضعة للهيمنة الأجنبية.

 

●●●

 

إن قمة عدم الانحياز فى طهران مرشحة لأن تكون نقطة تحول فى السياسة الدولية، إذا أحسن قادة الشعوب الثائرة على الطغيان والباحثة عن مستقبلها الأفضل الإفادة منها للتوجه إلى توفير الضمانات لغد أفضل بدلا من الغرق فى حساب متأخر لأخطاء الماضى، وهى كثيرة ولكنها متبادلة... ثم ان مراجعتها لن تفيد إلا فى تشويه المستقبل.

 

المهم ان مجموعة دول عد الانحياز تباشر عودتها إلى الحياة، بعد ان أسقطت الشعوب عددا كبيرا من الطغاة وحطمت أنظمة الفرد الواحد فى دول كثيرة، ورجعت شعوبها إلى الميدان ترفع الصوت مطالبة بحقها فى ان تكون شريكة فى القرار، بل ومصدره حصرا.

 

ولسوف تكون مفاجأة طيبة أن يشارك فى هذه القمة مجموعة الدول العربية وقد أسقطت شعوبها الطغاة فيها واستعاد الشعب حقه فى القرار وفى رسم السياسات، باستقلال عن قوى الهيمنة الأجنبية فى الخارج وعن قوى الطغيان فى الداخل.

 

بهذا المعنى سيكون «العرب»، مرة أخرى، ومصر فى الطليعة منهم، عنصر تفعيل لهذه المؤسسة العريقة، مؤتمر عدم الانحياز، بعد غياب طويل عنها اضعف قرارها وحولها إلى مؤسسة عجوز متهالكة، لا دور لها عمليا.

 

وإنها لمصادفة أجمل من ميعاد أن تتلاقى القيادة الجديدة فى مصر مع القيادة المضيفة فى طهران، فى اطار تجديد الدور لهذه المجموعة من دول عدم الانحياز، بهدف تثبيت إرادة «العالم الثالث» وإشراكه فى القرار الدولى بما يحفظ كرامة شعوبه.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات