الأربعاء 19 سبتمبر 2018 5:50 م القاهرة القاهرة 33.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

«عش الدبابير» فى مواجهة الإصلاح

نشر فى : الإثنين 29 أغسطس 2016 - 9:15 م | آخر تحديث : الإثنين 29 أغسطس 2016 - 9:15 م

إذا قررت الحكومة أن تنفذ عملية إصلاح اقتصادى حقيقى فى الفترة المقبلة، بعد الاتفاق المبدئى الأخير مع صندوق النقد الدولى، فستجد نفسها مضطرة أن تدخل العديد من «أعشاش الدبابير»، التى نمت وترعرت وانتشرت واستقرت فى العديد من الوزارات والهيئات والمؤسسات.
ما تحتاجه مصر ليس فقط إصلاحا اقتصاديا، يقوم على خفض عجز الموازنة بإجراءات مؤلمة، بل تحتاج إصلاحا شاملا فى العديد من الأماكن التى تحولت إلى بؤر سرطانية تهدد أى عملية علاج حقيقى ودائم للمرض الذى يعانى منه المجتمع المصرى.
يصعب أن تطلب الحكومة من المواطنين خصوصا الفقراء ومحدودى الدخل أن يتقشفوا، من دون أن تقوم هى بالقضاء على حالة «الفشخرة والبغددة والقنعرة» الموجودة فى العديد من مؤسساتها وجهازها الإدارى الذى يصفه الجميع بأوصاف متعددة أكثرها تهذبا أنه «مترهل»!.
إصلاح هذا «الجهاز الخرب» ربما كان المهمة الأولى والأساسية، ومن دون ذلك فلن يكتب لأى عملية إصلاح النجاح، لسبب بسيط أننا حتى لو افترضنا أن صندوق النقد وجميع مؤسسات التمويل الدولية، والدول الشقيقة والصديقة قدمت لنا مائة مليار دولار قروضا ومساعدات ومنحا وتسهيلات، فسيتم ابتلاع معظمها فى «مجارير ودوامات» هذا الجهاز الذى صار عبئا وخطرا على مستقبل هذا الوطن.
الأزمة أو المشكلة أن منظومات المصالح والمنافع داخل هذا الجهاز الإدارى صارت متشابكة لدرجة أنها تحتاج وقتا طويلا لتفكيكها والقضاء عليها. والأهم أنها تحتاج كوادر مدربة ومؤهلة وذات كفاءة عالية لتواجهها.
الأمر لا يحتاج ذكاء شديدا لمعرفة هذه البؤر، هى موجودة فى وضع النهار، بل وتخرج لسانها للجميع طوال الوقت، وتمكنت من إزاحة وتدمير كل من فكر فى مواجهتها فى السنوات الماضية.
هناك مؤسسة بها حوالى خمسين ألف شخص فى حين أن العمل يمكن أن يتم إنجازه بخمسة آلاف، وربما أقل، والسؤال كيف يمكن أن تتم إعادة هيكلة هذه المؤسسة ومثلها من المؤسسات الشبيهة؟!.
البعض يقول ان الحل الوحيد هو نسف مثل هذه المؤسسات من جذورها، أو أن تعمل بصورة اقتصادية كاملة؟!
الموظفون والعاملون فى مثل هذه المؤسسة سيقاومون بطبيعة الحال أى محاولة للإصلاح، بحجج كثيرة، وسيضعون العديد من العراقيل فى طريقها.
ومثلما كان حسنى مبارك ونظامه يسقطون ديون ومحاضر واتهامات اصحاب المخابز، وعملاء بنك التنمية والائتمان الزراعى خصوصا أيام الانتخابات، كان يتم تعيين عشرات الألوف فى هيئات ومؤسسات حكومية، تعيين المواطنين شىء مهم ومفيد، لكن المشكلة أن كل هذه التعيينات، فى إطار نظام فاسد، ومعظم اصحابها بلا مؤهلات.
أعرف أشخاصا ينتقدون الحكومة ليل نهار، لا يذهبون إلى اعمالهم اصلا، ويتقاضون مرتباتهم على حساباتهم البنكية، من جيب دافعى الضرائب ولا أعرف لماذا لا يبدأون بإصلاح أنفسهم أولا والتوقف عن أكل الحرام؟!.
بالطبع لا يمكن المطالبة من قريب أو بعيد طرد موظفين من عملهم، فى بلد يعانى أساسا من مشكلة بطالة متزايدة.
لكن يمكن البدء بعدم تعيين عمالة جديدة لا نحتاجها، والبدء فى التدريب التحويلى عبر إعادة تأهيل وتوزيع أى عمالة زائدة إلى أماكن تعانى من نقص العمالة، بحيث يكون الهدف الرئيسى للحكومة هو خلق فرص عمل، وتشجيع القطاع الخاص فى هذا المضمار.
ما رأيناه فى السنوات القليلة الماضية هو أن العديد من الهيئات والمؤسسات الحكومية والعامة، عينت مئات الألوف فقط لشراء صمت الرأى العام وكسب الشارع، خصوصا بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.
فى كل هذه المؤسسات والهيئات الكثير من العمالة الزائدة غير المدربة أو المؤهلة، بل وأحيانا الفاسدة، وبالتالى فإن تحالف هؤلاء سيحاول بكل الطرق عرقلة أى محاولات للإصلاح.
والسؤال الجوهرى: ماذا ستفعل الحكومة فى هذه الحالة؟!
والأهم إذا كانت جادة فى مقاومة هذا الترهل فى الجهاز الإدارى، فهل لديها الإرادة والإمكانيات والآليات لتحقيق ذلك على الأرض، خصوصا أن كل المسئولين يقولون إنه يمكن تخفيض الجهاز الإدارى بمقدار الثلثين على الأقل؟
الآن حصحص الحق.. والحكومة لم تعد تستطيع أن تستمر فى الطناش على هذه البغددة، وإذا لم تتحرك للقضاء على عشوش الدبابير.. فإنها ستتعرض لـ«اللسع!».

عماد الدين حسين  كاتب صحفي