الجمعة 24 نوفمبر 2017 11:29 ص القاهرة القاهرة 19.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد تصريحات وزير المالية.. هل ترى أن زيادة أسعار السجائر تؤدي لخفض معدلات التدخين؟

مَدَنِيّةٌ حَديثة

نشر فى : الجمعة 29 سبتمبر 2017 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 29 سبتمبر 2017 - 9:30 م
جالسة في المنزل يوم الجمعة الماضية، قررتُ دون مُناسبة أن أفتح الراديو. اقترنَت مُتابعتي لإذاعاته المُختلفة بوجودي في السيارة، لكني صرت مؤخرًا أفضِّله عن التلفزيون أينما كُنت، فالصوتُ مَعزولا عن الصورةِ أخفَّ وطأةً مِن اجتماعِ الاثنين.
***
الوقت ظهرٌ، وقد بدأت صلاة الجمعة للتوّ، جاءني صوتُ الخطيب تبثُّه قناة إذاعية جديدة، مُتحدثًا عن الهجرة النبويّة ودروسِها، إذ حَلَّت المناسبة وأقيمت احتفالات رأس السنة الهجريّة. اعتدت ألا أستمع إلى الخطباء فكثيرهم يختار التوافه مِن الكلام، وبعضُهم لا يقول إلا ما ترضى عنه السُلطة، خوفًا أو مُداهنةً ورياء. هذه المرة انتظرت قليلا قبل أن أضغطَ زِرَّ الإغلاق فلم يكُن هناك ما يُمكن العبثُ به، والكلام يدور حول حَدَث مرَّت عليه قرونٌ، والمُستخلَص منه مُعاد نحفظه غيبًا؛ الهجرة مما يقرأ التلاميذ في مناهج الدين خلال مَراحل الدراسة، ومما يُحكى ويجري تداوله في شيء من التوافُق، أي بلا خلافات ومعارِك لفظية كثيرة.
***

بدأ الخطيبُ بالكلام عن حُسنِ تدبير الرسول لمسألة خروجه مِن مَكّة، واتخاذه الاحتياطات المُمكِنة التي تكفل له النجاحَ، بما فيها الاستعانة بشخصٍ ليس مِمَن آمنوا برسالته بل مِمَن عرفوا الطريق وتمرَّسوا به. تطرَّقَ الإمامُ إلى فكرة الاستعانة بأصحاب الخبرة مُثنيًا عليها مُستفيضًا في الكلام. كاد الأمر أن يمضي على خير، إلا أنه قرر إذ فجأة أن يضيف إلى أسبابِ الهِجرة التي نعرفها، سببًا جديدًا لم أسمعه مِن قبل، أدلى به ثم راح يكرره بين العبارة والأخرى، كأنه جوهر الهجرة ومضمونها، وما دونه مسائل فرعية لا تستحق سوى مرور عابر. قال الخطيب إن الرسول هاجر؛ لا للابتعاد عن أذى المشركين، ولا لما عَرِفَ عند أهل المدينة مِن استعدادٍ ومَيل لاستقبال المهاجرين وإيوائهم، ولا إنه هدف مِن وراء الهجرةِ إلى نشر الدعوةِ الإسلاميةِ، بل هاجر الرسولُ في عُرفِ الخطيب لإقامة “الدولة المدنية الحديثة”.
***
سمعت التعبير في المرة الأولى وقلت أخطأ، وزل لسانه بمُصطلَح مِن المُصطلحات التي صرنا نلوكها دون أن نفهم معناها، ودون أن نعي شروطها ومُتطلباتها. أعطيته عذرًا مؤقتًا لكنه عاد فكرَّرَ المُصطلح وأكدَّ عليه؛ ربما ثقة واطمئنانًا لمعلوماته، أو ثقة واطمئنانًا لأن الجالسين أمامه لن يعترض أحدهم، وما الهمُّ إلا أن ينتهي مما يقول فيؤدون الصلاة وينطلقون كلٌّ إلى سبيله. خَطَرَ لي مع إصراره أن تلك هي الخُطبة الموحَّدة المَكتوبة التي يلتزم بها الإمامُ ويُجبَر عليها، وأن المُصطلَح مُدرَجٌ فيها عمدًا، ليصبح علامة بارزة على تجديد الخطاب الدينيّ، وليجاري أحدث الصيحات التي نعتقد أننا اكتشفناها: الدولة المدنية الحديثة. 
***
لا شكَّ أن مفهوم الدولة المدنية الحديثة لم يكُن حاضرًا في تلك الحقبة الزمنية البعيدة، ولا كان بمثابة الهدف الأول والأخير مِن الهجرة حسبما أعرف، ولو عرف الخطيبُ وفهمَ ما يقول، ما جرؤ على التلفُّظ به، لا بسبب ما يحمِل مِن سذاجة ظاهرة فقط، بل للمُفارقة الراهنة، فنحن نبعد أميالا عن المدنيّة التي هي نقيض العسكريّة في أمور الحُكم، وننأى أشواطًا واسعة لا يمكن تقديرها عن الحداثة بكافة صورها، فإذا نظرنا نظرة موضوعية لتفاصيل معيشتنا، بات الوصفُ في إطار المحاولات المستميتة لإضفاء الصبغة الدينية على وضعنا الحالي، أمرًا عصيًا وعسيرًا. 
***
بعد يومين فقط مِن خطبة الدولة المدنية الحديثة، أغلقت السُلطات مَكتبة جديدة ضمن سلسلة إجراءات تتخذها بدأب، لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء سعيها الحثيث نحو العودة بنا إلى عصر الدولة الفاشية المُظلمة. قيل فيما قيل لتفسير الإغلاق، إن الأمر يتعلق بتراخيص وأوراق، لكن القاصي والداني يعرف أن الحجة قديمة مُجترَّة لا تقنع أحدًا، وأن آلاف المحال التي لا تعترف بتراخيص تعمل تحت أعين المسئولين ولا تُمَسّ بسوء؛ إذ لا تقدم منتجًا معرفيًا قد يؤرق السُلطة. لحقت مكتبة البلد بزميلاتها، وصارت المكتباتُ المُغلقة ثلاثًا بأفراعها؛ الكرامة وألف والبلد. 
***
ليست مدنية ولا حديثة بل هي قمعية متأخرة، وتأخرها واضح للعيان وقمعها مفضوح لا يخطئه ذو بصر وبصيرة.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات