الإثنين 24 سبتمبر 2018 8:24 م القاهرة القاهرة 30.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

أستار العتمة تتمزق

نشر فى : الخميس 29 أكتوبر 2009 - 9:53 ص | آخر تحديث : الخميس 29 أكتوبر 2009 - 9:53 ص

 انتهزت فرصة لقاء ضم عشرات من كبار نساء ورجال الإدارة لأطلب المساعدة فى البحث عن إجابة عن سؤال يحير عددا من الأصدقاء الأجانب والمصريين المهتمين بأحوال مصر ويحيرنى.

كان السؤال عن الصمت الغريب الذى بدا أيضا مريبا، المحيط بمصير مصر ونظامها السياسى، وقد صرنا على أبواب 2010 عام الانتخابات التشريعية، وبعده 2011 عام الانتخابات الرئاسية. لم أصدق أن نخبة واعية وحية، سواء فى السياسة أو الثقافة أو الإعلام أو الجامعات، لم تبدأ بعد ممارسة النشاط المناسب لحالة انتخابية مقبلة بعد أشهر. لم أصدق أن الأحزاب، فوق عيوبها لم تقدم بعد مرشحيها للسلطة التشريعية، ولم تعلن عن برامج جديدة أو حتى على الأقل عن برامج لتطوير برامجها، وأن الصحف وغيرها من وسائل الإعلام لم تبذل جهدا يذكر تؤكد به استعدادها لأداء واجبها فى تعبئة الشعب استعدادا لجولة انتخابية مقبلة.

سألت السؤال، وجاءت الإجابات متناثرة وبصياغات شتى وفوجئت بأن أكثرها لم يبتعد عن عبارة من اثنتين: الأولى تعبر عن خوف شديد على الاستقرار، والثانية تعكس حال اليأس واللامبالاة المتفشية فى مصر وأصحابها يجيبون عن السؤال بسؤال آخر، لماذا نهتم والنتائج فى المرحلتين، مرحلة الانتخابات التشريعية ومرحلة الانتخابات الرئاسية معروفة سلفا. وأظن أن كثيرين سوف لا يجدون الفارق واسعا بين مضمون العبارتين، إحداهما تمثل رأى الحزب الحاكم والسلطة بفروعها المختلفة، والأخرى تمثل رأى عامة الناس المسيسين، سيكتشف المدقق، ولا شك، أن السلطة التى تروج للخوف من عدم الاستقرار تجد صدى لما تروجه بين قطاعات واسعة من الجماهير تعودت على «مستوى الحد الأدنى» فى كل ما تطلب وفى كل ما تأخذ أو يعرض عليها.

******

تطوع أصدقاء، بعضهم من المنضبطين وبعض آخر من المشاغبين، بتقديم إجابات، لم تكن فى وقتها صالحة للنشر حسب نصيحة أصحابها. قيل مثلا فى عبارات ليست بهذه الرقة والعذوبة، إن الصمت العام متعمد احتراما لا حتما أن يكون السيد الرئيس راغبا فى البقاء فى المنصب مدة أخرى. وسمعت كثيرين يرددون شائعة لم تجد من ينفيها نفيا قابلا للتصديق، وتتعلق بعدم تأكد أطراف «العملية السياسية» من الحالة الصحية للسيد الرئيس، فالصور أحيانا تقول شيئا، ثم تأتى صور أخرى لتقول شيئا مختلفا، وكذلك الحال مع التسجيلات الصوتية رغم أنها تمر بعمليات تنقية تنقيها من شوائب يفرضها الزمن وتعقيدات السياسة وصناعة القرار. ثم جاء من يهمس بأن الموقف الغامض من جانب «المؤسسات الأمنية» ما زال يثير الارتباك ويهيج الشائعات، وبخاصة بالنسبة لمسألة ترشيح السيد جمال مبارك أو غيره من رجال الحزب الحاكم لمنصب رئيس الجمهورية. ومع ذلك يؤكد الهامسون أن «المؤسسات الأمنية» حريصة، أكثر من أى طرف آخر من الأطراف التى يفترض أنها تشارك فى العملية السياسية أو تقودها، إلى التحذير من خطورة التهديد المتوقع للاستقرار فى حال انفتحت للنقاش العام موضوعات الانتخابات والترشيحات ومستقبل النظام والحكم فى مصر.

ولا يخفى ناشطون وصحفيون مطلعون على بعض ما يدور فى كواليس الحزب الحاكم وأجهزة الدولة شعورهم من أن جماعات الضغط المحيطة بالسيد جمال مبارك أو المستفيدة من وجوده والمتطلعة لاستفادة أكبر من دوره فى المستقبل، هذه الجماعات «توحشت» فى طموحاتها المشروع منها وغير المشروع. ويبدو أن بعض أفرادها مستعد للدخول فى مغامرة أو أكثر لحسم «الموقف»، بينما يحاول أفراد آخرون كبح جماح المتهورين وتحذيرهم من مغبة ما يفعلون أو يخططون، هؤلاء لا يخفون قلقهم من عواقب مواجهة غير محسوبة بين تيارين فى الحزب فى وقت غير مناسب، ومن عواقب مواجهة بين تيار فى الحزب وقوى أمنية خارج الحزب.

أثق إلى درجة كبيرة فى رجاحة الرأى القائل بأن السيد الرئيس شخصيا لا يزال مصرا على أن البلاد فى حالة لا تسمح لها بأن تتحول إلى ساحة مفتوحة لنقاش جاد حول قضايا تتعلق بمستقبل مصر ونظامها السياسى. يعتقد أصحاب هذا الرأى الذى أرجحه، أن الرئيس لن يغامر بمصلحة الوطن إذا أقنعه مستشاروه بأن النقاش المفتوح على مصراعيه خطر على أمن الدولة واستقرارها، خاصة أنه يعلم بكل الدقة الممكنة أن أمورا كثيرة استعصى حلها فتعقدت وقد يزيدها تعقيدا النقاش الحر والواسع.

******

وفجأة تمزقت أستار العتمة بمبادرة أطلقها الأستاذ هيكل سبقتها مبادرات لم تمزق أستارا أو توقد شمعة، ولكن عندما استحضرناها لندقق فيها ونقارن بعضا منها ببعض آخر تأكدنا من أن تحالف قوى التعتيم مع قوى نشر الخوف واليأس واللامبالاة كان أقوى من جميع المبادرات والأفكار والاقتراحات التى تطوع بتأليفها وعرضها على المجتمع قادة وصناع رأى، ويبدو أنه كان لابد أن يتحرك صانع رأى من وزن هيكل ليفتح النقاش العام، ولكن ليفتح أيضا عيون الناس على أمور كانت «مستورة» أوجز الآن أربعة منها:

(1) خرجت الأحزاب جميعها، أى بما فيها الحزب الحاكم، بصورة غير لائقة لدولة مفترض أنها بذلت جهودا على امتداد ثلاثين عاما لتطوير نفسها سياسيا وديمقراطيا، خرجت بصورة أحزاب «تتسول» أشخاصا يقبلون عرض الترشيح للرئاسة.

(2) ظهرت مصر كما لو كانت تمشى سياسيا فى شارع «سد»، أى شارع لا تتفرع منه شوارع أخرى أو أزقة، ولا ينتهى هو نفسه إلى طريق رئيسى أو ميدان عام. يقال لنا يوميا، وبكل الوضوح، أنه لا خروج عن هذا الشارع، ولا عودة فيه إلى الوراء، وأى تعديل أو تغيير فى تنظيم السير فيه قد يعرض مصلحة الوطن واستقراره للخطر.

(3) تجاهل بعض المبادرات أن تاريخ الأمة تغزل «الطبقات بتفاعلاتها فيما بينها» أحداثه قبل أن تنسجه تاريخا، وأن الإرادة العامة للأمة هى درع الاستقرار وحافز التقدم، وأن الفرصة السانحة والظرف المناسب هما الإطار الذى تتم فيه عملية انتقال الأمم من مرحلة إلى أخرى. وكان واضحا أن أغلب المبادرات ركز على أهمية دور الفرد فى بناء الأمم أوفى إعادة بنائها وفى صنع تاريخها.

(4) كشف النقاش الواسع، وإن كان لا يزال فى بداياته، عن خشية عامة من محاولات تجرى لتجميد «اللحظة الراهنة»، أو تمديدها لتصبح هى ماضى وحاضر ومستقبل مصر فى آن واحد، مع اختلافات بسيطة فى التفاصيل والأفراد. بمعنى آخر هناك خشية حقيقية من أن نترك الحاضر يتجاوز عمره ليصير مستقبلا، فنكون قد ساهمنا بوعى أو بغير وعى فى «وأد» مستقبل مصر.

******

حانت لحظة الاعتراف بأن مصر استعدت للخروج من إسار «ذهنية الحزب الواحد» والانطلاق نحو آفاق سياسية رحبة ومن هناك نحو نظام اجتماعى عادل ونهضة ثقافية وعلمية وأخلاقية تعب المصريون من طول انتظارهم لها كما تعبوا من ملاحظة أمم بعد أمم كانت وراءهم مرت عليهم وصارت أمامهم.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.