الإثنين 20 نوفمبر 2017 4:17 ص القاهرة القاهرة 17.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إيقاف «شيرين» عن الغناء بعد واقعة «النيل»؟

تعزيز العلاقات بين أنساق البنية المجتمعية

نشر فى : الأحد 29 نوفمبر 2015 - 10:45 م | آخر تحديث : الأحد 29 نوفمبر 2015 - 10:45 م
فى المقالات السابقة تناولنا تطور دور الدولة مع ما أصاب مقومات المنشأة الإنتاجية من تغيرات، وصلت بها إلى حد تجاوزها حدود الدولة الوطنية وسلطانها، وهو ما ينطبق فى المقام الأول على الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذى دفع كثيرا من الاقتصاديين إلى وصف النظام الرأسمالى السائد بالوحشية. وصاحب هذا عملية معاكسة فى الاتجاه بالنسبة للنظام المضاد أى الاشتراكى، إذ انطلق فى تطبيقه من أشد صيغه تزمتا وهى النظام الشيوعى المبنى على الفكر الماركسى اللينينى، وعجز عن تجديد نفسه ومجاراة التطور فى البنية الاقتصادية التى كانت المدخل الرئيسى له. ووقع الاقتصاديون المهتمون بالبحث عن بديل للنهوض باقتصادات العالم الثالث فى حيرة، نعانى منها فى رسم طريق لنا فى المرحلة الحالية.
والواقع أن التناقضات الفكرية ترجع إلى التباين فى التمييز بين عمليتين مختلفتين وإن كانتا مترابطتين، وهما الإنشاء والتشغيل، أو ما عرفتاه من قبل عند الحديث عن التخطيط بالتمييز بين الهيكلى والوظيفى، حيث يأخذ الأول بعين الاعتبار متطلبات الثانى. فمن المسلم به أن بناء بيت للسكن يختلف عن بناء مدرسة أو مصنع. ولا معنى للعودة إلى عملية الإنشاء إلا إذا تعرض الاستخدام لتغير يستدعيه. ومن الأمثلة على ذلك ما تعرضت إليه الدول الرأسمالية عندما اشتدت ضراوة الحرب العالمية الثانية من ضرورة تحويل هياكلها الإنتاجية لتغيير إما نتيجة تدمير منشآت قائمة أو لضرورة استحداث أو التوسع فى فروع تلزم منتجاتها للحرب، بما فى ذلك الصناعات الأساسية والحربية. ففى تشيكوسلوفاكيا مثلا جرى تدريب بعض الفلاحين لإكسابهم معرفة مكنتهم من إتقان صناعة الطائرات خلال ستة أشهر (ونشير هنا إلى صفقة الأسلحة التى عقدتها مصر معها فى 1954).
وكان لزاما على الدول الرأسمالية، وفى مقدمتها بريطانيا (العظمى) أن تنحى نظام السوق جانبا، وأن تتدخل بدرجة كبيرة بما يمكن تسميته «تخطيط طوارئ» emergency planning لكسب الحرب ثم لإدارة مرحلة إعادة تعمير تستفيد من المعارف التى استجدت لاستعادة قدرتها على التقدم الاقتصادى. وأعطى هذا فرصة ذهبية لحزب العمال أن يسيطر على الساحة السياسية، كنموذج لنوع من الاشتراكية لا يقوم على فكرة القضاء على التفاوت الطبقى، بل الحاجة لتوفير متطلبات الحياة الضرورية واللائقة لأبناء شعب ضحى من أجل حماية بلده، وتوفير فرص عمل لمن تبقى من السكان فى مرحلة العودة إلى الحياة المدنية على مستوى أعلى مما سبق، وهو ما يقارب إلى حد كبير متطلبات تنمية الدول المتخلفة. وخلال ذلك فرض نظام البطاقات لترشيد الاستهلاك وحماية الأسعار طيلة عقد من الزمان. كما وجه الإنتاج المتميز للتصدير وارتضى الشعب باستهلاك منتجات أقل جودة لتدبير التمويل اللازم لإعادة التعمير. أذكر أن دارسى إنتاج المنسوجات الصوفية فى ليدز المتخصصة فيه دهشوا لجودة ملابسى وسألونى عن مصدرها، وكان طبعا مصر التى تعانى خللا فى ميزان مدفوعاتها، ومن صناعة بريطانية. وخلال العشر سنوات التالية للحرب تمكنت نظم مماثلة فى دول مهزومة كألمانيا واليابان (بقيادة وزارة التجارة الخارجية والصناعة MITI) أن تقود دولها إلى مكانة جعلتها تتفوق على دول منتصرة.
***
وتعددت محاولات إقامة نظم اشتراكية فى أوروبا الغربية، رغم بقاء اعتمادها على نظام السوق والتمسك بالديمقراطية. وظهرت صيغ أطلق على بعضها «الديمقراطية الاشتراكية» بينما تجنبت دول كالولايات المتحدة أى حديث عن اشتراكية، والتفت على الأمر بالمناداة بما يسمى «ديمقراطية اجتماعية» تبقى السلطة بيد الدولة لا بقوى الشعب التى تشركها النظم الاشتراكية فى إدارة شؤون الدولة. وعلينا أن نخرج من شرنقة المفاضلة بين النظامين المتطرفين، الأمريكى الرأسمالى المتوحش والسوفيتى الذى شهد انهيار التطبيق الماركسى اللينينى المبنى على المدخل المادى على الإنسانى، كمحاولة للتنصل من التسليم بقوى غيبية أو قيم مثالية ارتبطت بالفكر البشرى، بخلطها بين المرحلتين الإنشائية والتشغيلية، وأيهما أوجد الآخر، بإنكار أن المادة ناتج تصور عقلى، بل إن التصور يرتبط بوجودها، ومن ثم استنكار قيام قوة مما وراء الطبيعة بإيجادهما ومواصلة التحكم فى تشغيلهما، وفق ما ذهبت إليه الكنيسة فى سعيها إلى السيطرة على شؤون البشر وتمكين الحكام من الانفراد بالسيطرة والاعتماد على طبقة نبلاء من تملك الثروة الطبيعية والمصنعة واستغلال الجهد البشرى للغالبية الكادحة التى لا تمتلك سوى قدرتها العقلية والبدنية. ومن ثم تحولت القضية إلى اتهام الدين ذاته بأنه «أفيون الشعوب». والسؤال هو: هل المادية الجدلية هى التى تحكم تنظيم العلاقات الاجتماعية، وكيف؟
كمحاولة للإجابة على هذا التساؤل نبدأ بالقول أن البحث عن تفسير علمى هو ما يترتب على وجود المجتمع وموقع مختلف مظاهر الحياة ووظائف مفرداتها منه. لا الانشغال ببحث مسببات نشأة المادة والفكر. وقد مرت حياة البشرية بمرحلة بدائية كان التجمع الأساسى هو الأسرة كما هو الحال لدى الكائنات غير العاقلة نتيجة عملية التكاثر الطبيعى، وتعلم أفرادها خلالها كيفية التعامل مع الهبات الطبيعية بدءا من الرعى وإيجاد أدوات للدفاع عن النفس استجابة لغريزة حب البقاء. بل إن الغراب علم قابيل كيفية مداراة سوءة أخيه. ومع الزمن تجمعت فروع الأسرة فى قبيلة وعشيرة كنواة لمجتمعات لكل منها سلوكيات خاصة بها للتعامل مع المادة، ومن ثم دعاها الله إلى التعارف لتكتسب منها معارف يتعامل معها الإنسان مستندا إلى النفس التى وهبها إياه الله وألهمها فجورها وتقواها. ولا سبيل إلى إنكار وجود الجن وهبوط إبليس وآدم إلى الأرض أعداء، ولكن قدرات الجن، المأمورين كالإنسان بعبادة الخالق، تمكنهم من استراق السمع لما يدور فى السماوات والأرض، ولكن كل هذا يخرج عن نطاق قدرة الإنسان أو حاجاته المعيشية، فلا داعى لإقحامه فى خارج نطاقه التعبدى، سواء ما يتعلق بوجود مخلوقات أخرى كالجن، أو أعمال السحر عدا ما يجرى من شعوذة فى مجتمعات متخلفة.
***
والرأى هو أن نتعامل مع التكوين المجتمعى كجسد له رأس وذراعان وساقان. فالرأس هو مركز التحكم، من خلال الأنساق الثلاثة: السياسى والتشريعى والقضائى، فى أفعال الجسد الذى إذا وهن منه عضو تداعت له باقى الأعضاء، ويتولى الساعد الأيمن أداء ما يوجهه إليه العقل من أنشطة وفى مقدمتها الأمن وتنظيم أنشطة الحياة وإيصال متطلبات الحياة إلى موضعها المناسب، وهو ما يقوم به الجهاز التنفيذى والنسق الإدارى الذى يجب أن يتمتع بالكفاءة المناسبة للواجبات التى تلبى احتياجات الجسد على أفضل وجه. بينما يقوم الذراع الأيسر بالأعمال التى تطلبها باقى أعضاء الجسد، ويتمثل فى النسق الاقتصادى الذى يبذل من خلاله أفراد المجتمع الأنشطة التى يتطلبها تدبير المنتجات المادية والمعنوية التى تهفو إليها النفس الكائنة فى الجسد، فى إطار تفاعل مع إشارات من العقل وإليه. أى أن الذراع الأيمن يمثل الدولة، والأيسر يمثل الأفراد، أشخاصا كانوا أم منشآت أم وحدات مجتمع مدنى كالتعاونيات. ويرتكز الجسد على الساق اليمنى التى تمثل الحصيلة الثقافية التى اكتسبها الجسد من تجارب سابقة، منتجات أدبية وفنية أو سلوكيات، تتطور مع ما يراه العقل وفق التراكم المعرفى السابق. أما اليسرى فتتولى التعامل مع المعرفة العلمية، تتحرك إلى الأمام بخطوة يحدد مداها مدى العطاء الذى يزودها به البحث العلمى، فيحدث التقدم الذى يحرزه الجسد فى حركته مع الزمنان محدثا تطويرا ثقافيا،و يصاب بالخمول والوهن إذا حجب الذهن ذلك العطاء، بل ويصاب بالشلل إذا استجاب لدعوات إلى الارتداد لثقافة عفا عليها الزمن، استجابة لدعوات سلفية تعوق مواكبة الجسد لمسايرة التطور الإيكولوجى والمعرفى الذى يحيط به وما يتوقع له من تغيرات فى الأجل المنظور.
وقد تبع ذلك ظهور دعوات فى المجتمعات الرأسمالية إلى تطبيق ما سمى «الطريق الثالث»، ولكن ظلت الدول النامية حائرة أى طريق تسلك. وباعتقادى أن المخرج هو طريق رابع سنتناوله لاحقا.
محمد محمود الإمام وزير التخطيط الأسبق
التعليقات