السبت 16 ديسمبر 2017 8:38 م القاهرة القاهرة 18.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

الفريضة الغائبة فى حرب الإرهاب

نشر فى : الأربعاء 29 نوفمبر 2017 - 8:15 م | آخر تحديث : الخميس 30 نوفمبر 2017 - 11:25 ص

أتصور أن الفريضة الغائبة فى حربنا الحالية ضد الإرهاب هى السعى إلى «تجفيف منابع التجنيد» للجماعات الإرهابية بما يقطع عليهم خطوط الإمداد البشرى، فغياب هذه الفريضة يجعل نهاية مثل هذه الحرب بعيدة المنال، على الرغم من كل الجهد الذى تبذله قوات إنفاذ القانون فى تعقب الإرهابيين والقضاء عليهم على امتداد البلاد.

فما يجرى حاليا فى هذه الحرب ضد الإرهاب هو أن قوات إنفاذ القانون تقتل أو تضبط كل يوم أعدادا من الإرهابيين، لكن قصور أو لنقل فشل جهود «تجفيف منابع التجنيد» يجعل هذه الجهود الأمنية بلا طائل تقريبا على صعيد تحقيق الانتصار النهائى على الإرهاب.

وعلى الرغم من أن هذا الكلام يبدو من البديهيات، بل ويتردد باستمرار على ألسنة المسئولين ومن يدور فى فلكهم من المحللين والسياسيين، فالواقع يقول إن السلطة بجميع أذرعها لا تبذل جهدا كافيا لقطع الطريق على انضمام ضحايا جدد إلى صفوف الجماعات الإرهابية.

ولكى يتحقق هذا الهدف الاستراتيجى المنشود، نحتاج إلى تجديد حقيقى للخطاب الدينى، ليس فقط بمعنى تنقية هذا الخطاب من كل ما يحض على العنف والإرهاب، ولكن أيضا من كل دعاوى فقهاء السلطان الذين لا يترددون فى تمجيد الحاكم بالحق حينا وبالباطل فى أغلب الأحيان، والذين لا يرون فى الدين إلا مقولة «وأطيعوا الله ورسوله وأولى الأمر منكم» ويتجاهلون حقيقة أن خير الجهاد هو «كلمة حق عند سلطان جائر» حتى يستعيد الخطاب الدينى المعتدل مصداقيته لدى الناس.

كما يجب أن يتوقف مرصد الفتاوى التكفيرية عن إصدار بيانات الإشادة بالإنجازات الحكومية وجولات الرئيس الداخلية والخارجية، فهذا ليس دوره، ولكن دوره الواجب هو ملاحقة منتديات الجماعات الإرهابية ووسائلهم الإعلامية وما تبثه من فتاوى وأفكار منحرفة لتفنيدها وبيان انحرافها وفقا لصحيح الكتاب والسنة، وبلغة شرعية بحتة مؤصلة قادرة على إقناع الشباب بضلال هذه الفتاوى والأفكار ومجافاتها لصحيح الكتاب والسنة بعيدا عن المصطلحات الفضفاضة والكلاشيهات المتكررة.

فالمؤكد أن لدى هذه الجماعات الإرهابية المتطرفة نسقا فكريا متكاملا ومقنعا، على الرغم من ضلاله وانحرافه، تجذب به ضحاياها من المنضمين الجدد إليها، وما لم تقم المؤسسة الدينية بكل مكوناتها بدورها فى عرض ما تتداوله هذه الجماعات من كتب وأفكار، وتفنيد ما فيها فيما يشبه المناظرات الفقهية والفكرية، فلن يتوقف سقوط الضحايا فى براثن هذه الجماعات. أما ما نراه الآن من سطحية فى التعامل مع كتب ومؤلفات هذه الجماعات والاكتفاء بالكلام المكرر عن عظمة الإسلام وحرمة الدماء دون تأصيل شرعى، فلا يغنى ولا يسمن فى هذه المعركة الشرسة ضد الإرهاب.

ثم يأتى دور السلطة فى إعادة فتح المجال السياسى أمام الشباب حتى يقتنع بإمكانية تغيير الواقع السيئ الذى يعيشه عبر قنوات سلمية وقانونية حقيقية، فلا يجب أن تفتح الدولة أبواب مؤسساتها وتجند قدراتها لدعم الشباب الذى يرفع شعارات «عايزينك» و«إحنا معاك من أجل مصر» و«علشان تبنيها» تأييدا لترشح الرئيس عبدالفتاح السيسى لفترة رئاسة ثانية، على الرغم من أن هؤلاء من الناحية النظرية «أسسوا جماعة على خلاف القانون» لأن القانون يقصر ممارسة العمل السياسى على الأحزاب، وفى الوقت نفسه تلاحق أجهزة الأمن من يرفع أى شعار يعارض ترشح الرئيس لفترة ثانية بدعوى «الانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون».

أخيرا، التجديد والإصلاح والقضاء على الإرهاب يفرض على السلطة، إن كانت جادة فيما تقول، ثمنا سياسيا عليها أن تدفعه مثلما أجبرت الشعب على دفع ثمن ما تراه هى برنامجا للإصلاح الاقتصادى، مع فارق وحيد وهو أنه إذا خلصت نوايا السلطة تجاه الإصلاح والتجديد ومحاربة الإرهاب ودفعت تكلفته، فالنجاح مؤكد والفائدة ستكون للجميع، فى حين أن الشعب يدفع ثمن برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادى دون أن يكون النجاح مؤكدا.

التعليقات