الأحد 23 سبتمبر 2018 1:35 ص القاهرة القاهرة 26.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

مبادرة الوحدة الخليجية.. استجابة ربيعية

نشر فى : الخميس 29 ديسمبر 2011 - 9:30 ص | آخر تحديث : الخميس 29 ديسمبر 2011 - 9:30 ص

اجتمعنا وكان موضوع الاجتماع التطورات التى يشهدها النظام الإقليمى العربى. دار الحديث حول التغيرات التى طرأت على هذا النظام، وهل حقا أنها من العمق إلى الدرجة التى جعلت بعض المتخصصين فى الشئون العربية يعتقدون أن نظاما إقليميا آخر ينشأ فى المنطقة. سمعت من يطلق على النظام الناشئ اسم النظام الإسلامى العربى تمييزا له عن إقليم إسلامى «تركى» أى وسط آسيوى وإقليم إسلامى مالاوى أى جنوب شرق آسيوى وإقليم إسلامى لجنوب الصحراء يمتد عرضا من الصومال شرقا إلى سواحل غرب أفريقيا، ثم فوجئت بفريق قليل العدد، وإن قوى الحجة، يتوقع أن النظام الإقليمى العربى سيجد قريبا من يطلق عليه النظام الإقليمى السنى، نسبة إلى طائفة السنة التى ينتمى إليها أغلب سكان المنطقة العربية.

 

لم يقتصر التعدد فى الآراء على قضية مستقبل النظام العربى وبدائله فى حال تغيرت معالمه وهويته، تعددت الآراء حول خطاب الملك السعودى الذى دعا فيه إلى إقامة «اتحاد الخليج العربى» ليحل محل مجلس التعاون الخليجى. قيل إن ترحيب شعوب الخليج العربى بهذا الإعلان أمر طبيعى، فالشعوب العربية تحلم بالوحدة وتعتبرها أساسا وأصلا، وما الحال الراهنة للأمة سوى انقضاض على هذه الوحدة ومؤامرة عليها. خرج آخرون ليقولوا، إن الترحيب لم يكن على المستوى المطلوب، وبخاصة فى المجتمعات غير الخليجية. يبررون هذا الانخفاض فى مستوى الترحيب، بأنه نتيجة حملات إعلانية وسياسية مكثفة استمرت عشرات السنوات تحارب فكرة الوحدة العربية أو تقلل من شأنها، ووصلت فى حين أو آخر إلى حد تكفير من يؤمن بالوحدة أو يسعى لتحقيقها.. المؤكد على كل حال، أن الحملة تسببت فى انحسار حماسة الشعوب للوحدة، إن لم تكن قد خلقت شكوكا جديدة ليس فقط فى إمكانية تحقيقها ولكن أيضا فى سلامة الفكرة وجدواها كحلم من أحلام الأمة.

 

انتقل النقاش إلى دوافع طرح فكرة الوحدة الخليجية على هذا المستوى الرفيع، مستوى قمة خليجية، وعلى لسان ملك السعودية، الدولة الأكبر والأقوى فى هذا التجمع العربى لم ينف أحد حقيقة أنه لو ترك التطور العادى لمجلس التعاون الخليجى لإرادة شعوبه، لكان الخليجيون قد توصلوا إلى تنفيذ اتفاقيات وإجراءات تحقق اندماجا أقرب ما يكون إلى الوحدة السياسية بين دول المجلس، وأن مرور ثلاثين عاما على نشأته، دون أن يحقق تكاملا اقتصاديا وسوق واحدة ليس دليلا على فشل كلى، بقدر ما هو دليل تضارب مصالح سياسية ضيقة لطبقات حاكمة لم تدرك بعد أن وحدة حقيقية بين دولهم ستحقق لشعوبها رخاء أوفر ولأنظمة الحكم سلامة أكبر. فات على أصحاب هذا الرأى أن الطبقات الحاكمة التى قادت عملية توحيد القبائل وبناء دولة فى مجتمعاتها، لم تحسم موقفها من قرار الوحدة وتعلن تأييدها للمبادرة السعودية إلا عندما شعرت بأخطار خارجية أو داخلية جسيمة تهددها. حدث الشىء نفسه من قبل فى مختلف تجارب بناء الأمم. هذا على الأقل ما نعرفه عن تجربتى الوحدة فى إيطاليا وألمانيا فى القرن التاسع عشر، وفى بريطانيا فى القرون الوسطى، وفى الولايات المتحدة فى القرن التاسع عشر، وفى الصين أكثر من مرة على امتداد تاريخها، وفى مصر على يد الملك مينا قبل آلاف السنين.

 

●●●

 

لا شك أن بيننا من يذكر تجربة الوحدة المصرية السورية، وكثيرون كتبوا عنها. البعض من هؤلاء المؤرخين والسياسيين اعتبرها تجسيدا لطموحات نظام فى مصر وتلبية لمصالح فئات من العسكريين والسياسيين فى سوريا. البعض الآخر عاد إلى تفاصيل مقدماتها ليدرك أن الإنذار الذى تسلمته دمشق من حكومة تركيا والمبدأ الذى أعلنه الرئيس الأمريكى واشتهر باسمه، أى مبدأ أيزنهاور، كانا السبب الرئيسى الذى دفع كلا الطرفين إلى إقامة دولة الوحدة حماية لوجودهما ودفاعا عن عقيدتيهما السياسية. نذكر أيضا تجربة باكستان منذ النشأة وإصرار أبائها المؤسسين على إقامة وحدة بين شرق البنغال وأقاليم شمال غرب شبه الجزيرة الهندية، وكان الهدف المعلن، أن دولة باكستان الإسلامية لن يقدر لها أن تعيش طويلا إذا لم يتوحد جناحا الإسلام فى شمال الهند.

 

لا جدال أن حكومات عربية عديدة تشعر بأنها معرضة اليوم، وأكثر من أى يوم مضى، منذ حصولها على الاستقلال، إلى أخطار تهدد استقرارها وأمنها، ومن مصدرين أساسيين. فقد دخلت المنطقة العربية، مثل مناطق أخرى فى العالم، مرحلة جديدة فى تاريخ نموها، حيث تشتبك وربما لأول مرة مع متغير «التغيير» اشتباكا جديا، لا يخلو من العنف. ليست هذه هى المرة الأولى التى تحتك فيها معظم الدول العربية بقوى عديدة للتغيير. فى المرات السابقة اتسم التعامل بين الطرفين بالمرونة والوداعة. اختلف الأمر هذه المرة بل أستطيع الجزم بأن التغيير لم يأت فى أى وقت مضى صادما كما هو الآن، ولم تهتز لقدومه أركان حكم وتقاليد عتيقة كما تهتز الآن.

 

جاءنا التغيير فى العقود السابقة متدرجا ومتفهما حساسية شعوبنا وطبقاتها الحاكمة ومتطلباتها وقدراتها، وبالمقابل جرى التعامل معه بتفهم مماثل ومرونة وعقلانية وثقة فى النفس وفى التقاليد وقوة الروابط الخارجية مع دول عظمى مستعدة لتخفيف وطأة التغيير، أو درء أخطاره.

 

●●●

 

كشف الربيع العربى منذ أسابيعه الأولى عن أنه لن يكون موسما عاديا يؤدى دورا ويرحل. قدم أكثر من دليل على أنه يرفض أن يذكره التاريخ على أنه كان حدثا طارئا أو نسمة ناعمة لن يتجاوز تأثيرها تحريك بعض الأتربة أو الرمال الراقدة فوق قشرة المجتمعات. أثبت أنه باق. وأثبت أيضا أن ما ظهر منه حتى الآن يعلن أن فى أعماقه أعاصير هائلة وأمواج هادرة قد لا تهدأ خلال زمن منظور. أظن أن المسئولين فى دول الغرب، وربما أيضا فى روسيا والصين، تنبهوا إلى هذه القضية التى تأخر مسئولون عرب كثيرون عن التنبه إليها. كانت جميع تصرفات المسئولين الأجانب وتصرفات قوى الرفض والاحتجاج فى مجتمعاتهم، تدل على ذلك. كانوا هم الذين قدروا أن الربيع العربى، قد يصبح ربيعا عالميا، تتغير تفاصيله وحدته وخطورته باختلاف ظروف المجتمعات التى يهب عليها. وبالفعل بدأ فى مدريد وأثينا مختلفا عما بدا عليه فى لندن ثم فى نيويورك وأوكلاند وواشنطن، بل وكان فى اليمن مختلفا عن سوريا وعن ليبيا وعن مصر. ومع ذلك كان واحدا فى إصراره على نية تحقيق التغيير.

 

أما المصدر الثانى للشعور بالخطر، فكان وما يزال بعد أن استفحل، صعود القوة العسكرية الإيرانية. يزيد من تعميق هذا الشعور بالخطر، إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ خطة إعادة نشر قواتها فى العالم، ونيتها نقل بؤرة اهتمامها إلى شرق آسيا والمحيط الباسيفيكى. من ناحية أخرى، بدا واضحا للجميع أن العراق قد يتحول إلى ساحة تمد إليها إيران حدود تفوقها العسكرى والدبلوماسى والاستخباراتى، سواء بحجة العداء الإسرائيلى لها أو بحجة الحاجة المشروعة لإقامة توازن جديد للقوة مع تركيا الصاعدة.

 

●●●

 

التغيير واقع لا يجوز إنكاره أو قادم لن نقوى على وقفه. كان من أوائل من طالب بالواقعية فى التعامل معه الملك السعودى نفسه، وكانت من بواكيره التى فاجأت المنطقة الدعوة التى وجهها مجلس التعاون الخليجى للمملكتين الأردنية والمغربية للانضمام إليه أو توثيق ارتباطاتهما به، وهى الدعوة التى أعقبها بأسابيع قليلة النداء الصادر عن المجلس لإقامة اتحاد خليجى كشكل من أشكال الوحدة السياسية التى كثيرا ما دعا إليها القوميون العرب فى عصور المد القومى.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.