السبت 20 أكتوبر 2018 11:53 ص القاهرة القاهرة 28.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع عودة رحلات الطيران الروسي إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة قريباً؟

صلاح عيسى «آخر أسطوات الصحافة المصرية»

نشر فى : الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 9:05 م | آخر تحديث : الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 9:05 م
كنت معجبا بشخص وكتابة وتوجه صلاح عيسى دون أن أراه فهو من الشخصيات الإعلامية واضحة المعالم وقد أطلق عليه لقب الأسطى لمهنيته الشديدة، حيث إن دراسته كانت فى مجال الخدمة الاجتماعية ثم انضم إلى محررى جريدة الجمهورية والتى ظهرت لتعبر عن ثورة يوليو وأتقن المهنة بمنتهى السرعة والسلاسة، ثم تفرغ بعد ذلك للعمل فى صحيفة الأهالى المعبرة عن التيار اليسارى المصرى، وعرف أسلوبه الصحفى بأنه «مشاغبات» وكان يشاغب السلطة من ناحية والمثقفين من الناحية الأخرى، وقد ألف كتابه فى هذا الاتجاه «مثقفون وعسكر» عام 1983 ومن مميزاته أنه كان محدد التوجه، فهو ناصرى من شعر رأسه حتى أخمص قدميه ولم يغير توجهه على الرغم مما صنعه ناصر معه، فقد تم اعتقاله مع عبدالرحمن الأبنودى ويحيى الطاهر عبدالله وجمال الغيطانى وغيرهم باعتبارهم أعضاء فى تنظيم يسارى اسمه «وحدة الشيوعيين».. ولسخرية القدر أطلق عبدالناصر سراحهم بعد وساطة الفيلسوف الوجودى الفرنسى جان بول سارتر فى أثناء زيارته للقاهرة فى 4 يونيو 1967 قبيل الهزيمة المدوية، وتم اعتقاله بعد ذلك مرتين فى عهد السادات؛ الأولى بسبب معارضته لمعاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1977، والثانية ضمن اعتقالات سبتمبر1981 وفى هذه المرة كان مع محمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين وميلاد حنا والقيادات الدينية المسيحية والإسلامية. ألف عيسى 23 كتابا من أهمها «الثورة العرابية» و«حكايات من دفتر الزمن» و«تباريح جريح»، وكان شعاره فى الحياة مقولة للأديب الروسى ماكسيم جوركى: «جئت إلى الدنيا لأعترض»، لكن فى سنواته الأخيرة بدا وكأنه يتواءم مع السلطة لتوليه رئاسة تحرير صحيفة «القاهرة» والتى تصدرها وزارة الثقافة وانتهى به المطاف «أمين عام المجلس الأعلى للصحافة» قبل إلغائه.

***

ما جعلنى أكتب عنه اليوم ليس كل ما سبق على الرغم من أنه يستحق، لكن لى معه خبرة شخصية متميزة لابد من سردها لك عزيزى القارئ حيث قضينا أربعة أيام فى الدنمارك مع الأستاذ بهى الدين حسن مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، وكان ذلك بسبب المظاهرات العنيفة التى خرجت نتيجة نشر مجلة دنماركية صورا مسيئة للرسول، وقد جاءت دعوة من الخارجية الدنماركية عام 2006 للقيام بهذه الزيارة حتى يمكن أن نتبين الحقيقة من موطنها الأصلى، وهناك اكتشفت صلاح عيسى، الساخر، عميق الفكر، الإنسان بكل ما تحوى الكلمة من معان. وكان لزيارتنا الفضل فى إدراكنا الكثيرَ عن كيفية تفكير أوروبا العلمانية. وقد كان للسؤال الذكى لصلاح عيسى عن تاريخ خروج هذه الرسوم للنور ومقارنته بتاريخ خروج المظاهرات الفضل فى اكتشاف أن وسائل الإعلام فى مصر والدول العربية والإسلامية لم تكن دقيقة فى تغطيتها للحدث فقد اكتشفنا أن الصور نشرت فى جريدة الفجر فى مارس 2005 ونشرت صورة أخرى فى الأهرام مترجمة من الواشنطن بوست لها نفس المعنى ولم تقم المظاهرات إلا فى سبتمبر من العام نفسه وأيضا فى عام 2006.

بعد المقابلة سألت صلاح عن السبب فى فارق الشهور الستة بين الحدث ورد الفعل، فقال ساخرا بطريقته المعهودة فى سبتمبر كان تقرير ميلتس الذى كان يقوم بالتحقيق فى جريمة مصرع رفيق الحريرى وكان الضغط واضحا على سوريا وكان هناك احتياج لحدث ضخم يبعد عن الأذهان الضغوط الدولية؛ فتحركت المظاهرات بعنف شديد وبسبب التواصل بين السوريين واللبنانيين المتعاطفين مع الموقف السورى امتدت المظاهرات إلى لبنان. أما الخرطوم فكانت قضية دارفور ولا يوجد مبرر للمظاهرات غير ذلك لأن الصور نشرت قبل وبعد ذلك لم يلتفت إليها أحد. وقال صلاح: شوف يا إكرام المظاهرات فى الدول العربية لا تخرج بإرادة شعبية لمطالب شعبية لكنها تخرج بإرادة حكومية وفى الوقت المناسب وضحكنا، وعندما سألت الرسام فلمنج صاحب الصور: ولماذا تنشرون مثل هذه الصور بغض النظر عن ردود الأفعال، قال: إن هذا الأمر له قصة طويلة بدايتها أن الجريدة فكرت فى إخراج كتاب للأطفال فأرسلنا إلى 42 رساما، إلا أن الذين وافقوا على هذه المهمة أربعة فقط ، وطلبوا عدم ذكر أسمائهم وعندما سألناهم لماذا؟ كانت الإجابة الخوف من الإرهابيين المسلمين. لأن الإسلام يرفض تصوير النبى بأى صورة من الصور حتى لو كانت إيجابية لذلك أجلنا الأمر ونسيناه. حتى وقعت أحداث متتالية بأوروبا.. أولها: ظهرت كاتبة مسلمة من أصل صومالى تعيش فى هولندا تدعى «إيان حيرسى على» قامت بتأليف كتاب ساخر عن الرسول، إلا أن المترجمين للكتاب رفضوا إعلان أسمائهم خوفا ورعبا، وثانيها: قام أحد المثالين الإنجليز بصنع تمثال عبارة عن قطع ورقية من التوراة والإنجيل والقرآن وهذه القطع ممزقة وغير مكتملة وموضوعة فى إطار زجاجى مكتوب عليها بخط كبير «الله أكبر» وقام بعرضه فى أحد أكبر المتاحف فى بريطانيا، لكن مدير المتحف قام بإزالة هذا التمثال دون أن يسأل الفنان أو الشرطة، وثالثها: قام أحد الفنانين السويديين برسم جدارية تصور امرأة عارية وعلى جسدها آيات من القرآن الكريم فى أحد ميادين استوكهولم فقام مسئول الحى بإزالة هذه الجدارية دون أن يسأل الفنان أو الشرطة أيضا خوفا من الإرهابيين وآخرها قام أحد المغاربة بقتل مخرج هولندى يدعى «ثيو فان جوخ» لأنه أخرج فيلما تسجيليا اعتبر إهانة للرسول والإسلام. وهنا شعر رئيس تحرير جريدة الدنمارك بأن حرية التعبير فى خطر شديد واجتمعوا كمجلس إدارة وقرروا أنه لابد من كسر حاجز الخوف لأن تراث حرية التعبير الذى دفع أجدادهم فيه أرواحهم ودماءهم سيضيع من بين أيديهم، من هنا تحدوا الخوف والإرهاب ونشروا الصور. 

***

فى طريقنا للمركز الإسلامى قال لى صلاح عيسى لا تقل أمام رئيس المركز الإسلامى الشيخ أحمد أبو لبن وهو فلسطينى الجنسية إنك مسيحى ليتحدث براحته، وفعلا دخل ثلاثتنا وجلسنا وبالطبع لم يشك أن أحد الثلاثة المصريين مسيحى سأله صلاح عيسى ما رأيك فى هذه البلاد وأهل هذه البلاد؟، قال بلاد عظيمة وأهلها عظماء وكرماء جئت إليهم لاجئا جائعا عريانا مع أسرتى فاستقبلونى أفضل استقبال واحتضنونى وأسرتى وأعطونى عملا وبيتا وعلموا أولادى أفضل تعليم وعندما طلبت بناء مركز إسلامى رحبوا وأعطونى الأرض وساعدونى فى البناء مع بعض الدول الإسلامية.. وهنا سأله صلاح سؤالا مفاجئا ينم عن ذكاء شديد: ما هى رؤيتك لبلدك الذى ضمك وأعانك؟ فرفع أصبعه وقال بحماس شديد: أسلمة الدنمارك بأى شكل، قال صلاح ولو بالعنف ضحك الشيخ قائلا «ولو».

قال فضيلة الشيخ أنا عاتب على الحكومة المصرية وعلى الداعية عمرو خالد. وعندما سألناه: لماذا ؟ قال: لقد جاء عمرو خالد باتصالاته مع الشباب المسلم هنا ومع الدولة والحكومة من خلال السفارة المصرية، وأقام ندوة ضخمة بسبب الصور المسيئة ولم يمر علينا أو يستأذنا أو حتى يدعُنا للكلام فى ندوته، هذه فوضى، كان لابد للحكومة المصرية والسفارة أن ترفض دخوله الدنمارك حتى يأخذوا موافقتى ورضائى.. نظرنا لبعضنا البعض وتساءلنا كيف يعيش هذا الرجل بهذه العقلية فى مثل هذا البلد الحر. كانت زيارتنا الثالثة لكنيسة وهناك وجدنا لاجئين كثيرين ترعاهم الكنيسة والقائمون على الكنيسة ليس لهم موقف واضح من الصور المسيئة سلبا أو إيجابا هم يتعاملون مع كل الناس بدافع العطاء والاعتناء بلا آراء سياسية أو مواقف محددة ويعلنون أن هذه هى رسالتهم. فى جلسة بينى وبين صلاح عيسى فى نهاية اليوم تحدثنا عن زيارتنا وكيف أفادتنا ورأينا أنه نتيجة لزيارة المركز الإسلامى والكنيسة وضح أنه لن يقف أمام الإرهاب فى أوروبا أو فى مصر المؤسسات الدينية (الأزهر والكنيسة) أو المتدينون سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين، وأن العلمانيين هم الذين يتصدون لهم بقوة وعنف، وتذكرنا كلمات رئيس التحرير: «إن الشعب الدنماركى قبل المسلمين بتواضع ثم بحب والذى تحول الآن إلى خوف، لقد حاولنا أن نتحدث إليهم عن حرية الفكر لدينا إلا أن عضوا تونسيا فى الجريدة لخص الأزمة بالقول: «إنه اختلاف الزمن الذهنى»، وقال رئيس التحرير: نحن كشعب أوروبى بذل أبناؤنا وأجدادنا دماءهم لكى يحررونا من سلطان كنيسة القرون الوسطى وفساد البابوات ومن المستحيل أن نتخلى عن حريتنا لصالح أى سلطات دينية أيا كانت ومهما كانت وسوف ترون كيف ستنتفض الشعوب الأوروبية وتنتخب اليمين المتطرف ذات يوم نتوقع أن يكون قريبا. 

***

بعد مرور إحدى عشرة سنة على هذه الزيارة إلا أن الذى قالوه لنا هو الذى حدث بالضبط فالذى تصدى للإرهاب فى أوروبا لم تكن المؤسسات الدينية ولا المسيحيين المؤمنين، لكن العلمانيين الذين قالوا لن نتحول من عبودية الكنيسة فى القرون الوسطى إلى عبودية التطرف الإسلامى فى العصر الحديث. وهذا درس يجب أن نتعلمه فى مصر؛ فالمؤسسات الدينية لن تكون فاعلة بأى شكل من الأشكال فى محاربة الإرهاب وتحتاج بلادنا لصحوة ثقافية علمانية بالمعنى الإيجابى.

لقد فقدت مصر صلاح عيسى الإنسان والمدرسة.

 

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات