الجمعة 23 فبراير 2018 6:37 ص القاهرة القاهرة 16.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. هل حسم النادي الأهلي لقب الدوري الممتاز للموسم الحالي؟

دماء على جدار السلطة

نشر فى : الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 9:00 م | آخر تحديث : الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 9:00 م
«دماء على جدار السلطة».. عنوان الكتاب الصادر أخيرا عن دار الشروق، للكاتب الكبير رجائى عطائى، وهو حلقة مهمة من حلقات عديدة متصلة فى مشروعه التأليفى الضخم؛ القائم على سياحات عميقة وواسعة فى تراثنا العربى والإسلامى، فى شتى المجالات والتخصصات.

يأتى هذا الكتاب، فى هذا التوقيت، ليقدم عرضا وقراءة لوقائع فى تاريخنا الإسلامى؛ وقائع حقيقية مؤسفة، مُرَة ومتكررة، جرت مشاهدها على مدى نيف وأربعة عشر قرنا، أُريقت فيها دماء على جدار السلطة، قَتل فيها الابن أباه، والأخ أخاه، والأب ابنه، واتسعت دوائرها إلى غير الأقارب، عشقا للسلطة، وجريا وراءها، وتنافسا عليها، ارتكبها خلفاء وملوك وسلاطين، ومتطلعون، يتشحون بالإسلام، ولكنهم خرجوا عنه وراء أغراضهم ومآربهم وأطماعهم، والإسلام برىء مما فعلوه وارتكبوه وقارفوه!

هل هذه هى المرة الأولى التى يتناول فيها كاتب معاصر هذه الأحداث والوقائع؟ 

لا. ليست الأولى، فالكاتب والمؤرخ الراحل جمال بدوى له فى ذلك أكثر من كتاب حاز على شهرة واسعة وقبول كبير منها «الطغاة والبغاة»، و«مسرور السياف وإخوانه»، و«تيارات الفكر السياسى فى الإسلام».. إلخ، وهناك كتابات أخرى كثيرة جدا توقفت عند طول التاريخ الإسلامى وعرضه منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى سقوط الخلافة العباسية سنة 656 هـ، لكن دائما ثمة فارق بين الكتابة المتحررة التى تبتغى الرواية والحكاية وسرد الأحداث فقط، وبين كتابة أخرى تبحث وتحلل وتقارن وتبدى رأيا، وتنطلق من فرضيات لها منطقها المتماسك كى تبنى عليها تفسيرها ورؤيتها لهذه الوقائع والأحداث.

ولعل رجائى عطائى فى كتابه هذا، يقدم لونا من القراءة التحليلية الدقيقة الواعية لوقائع وأحداث تتصل بالدرجة الأولى بالتاريخ السياسى للمسلمين، منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى نهاية دولة المماليك ودخول العثمانيين إلى أرجاء شاسعة من العالم العربى والإسلامى، وكذلك يستعرض ما يتصل بتاريخ الأسر التى حكمت وكونت إمبراطوريات ضخمة والدول التى نشأت وظهرت فى ظل الصراعات التى تلونت أيضا بالخلافات الفكرية والمذهبية والطائفية.

وإذا كان من المفترض أن الأصل فى أى دين أن تكون دعوته بعيدة كل البعد عن العنف والإرهاب؛ وأنه ليس من المتصور أن تأتى دعوة؛ أى دعوة محمولة على الدين، وهى ترفع سيفا كى تهدد به الناس وتحملهم على اعتناقه، فإن الإسلام فى مقدمة هذه الأديان، حيث يقول تعالى: «لا إكراه فى الدين»، و«من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

لكن ليس فقط بالدعوات النبيلة والقيم الكبرى تسير وقائع التاريخ، ولقد عرف تاريخ الأديان جميعا مشاهد مؤسفة من العنف وإراقة الدماء، ولم يبعد تاريخ المسلمين عن هذا القانون، لكن كل شىء بأسبابه فكما أنه فى الماضى البعيد والوسيط كانت هناك أخطاء وخطايا، لكننا فى النهاية كان لدينا القدوة الحسنة فى الرسول والصحابة، هما أهم من حكام المماليك، والترك مثلا، فهل نريد سلوك النبى وحكم عمر، أم حكم معاوية وحكم الطرق والديلم؟ أم أننا سنقتدى بالخوارج الذين رغم تقواهم الشديدة، فهم أسوأ مثل فى التطرف، لقد كانوا يكفرون وينفذون.. فورا!! إن الإسلام الحقيقى هو إسلام الرسول الذى لم يعرف التكفير ولا الإرهاب.

انطلاقا من مبادئ الإسلام السمحة والقيم الإنسانية الكبرى التى بشر بها، والإيمان بها إيمانا جازما قاطعا، يقدم رجائى عطية فى هذا الكتاب محاولة إيجابية ومبادرة لمقاومة الإرهاب والانحراف فى فهم تصورات شائهة ومشوهة عن الدين؛ إن رسالة الكتاب الجوهرية تتلخص فى ظنى فى أنك إذا أردت أن تدعو إلى إنسانية شاملة ومحبة شاملة، فانشر الفكر الإسلامى الصحيح فى مكانه الصحيح، ما بين التعليم والإعلام والثقافة والكتب لأن الكثير من أعمال العنف والجريمة التى نشهدها فى عالمنا الآن هى نتيجة انفصال العقل والمصلحة عن المبادئ الدينية. 

إن رجائى عطية تلميذ مخلص للراحل الكبير عباس العقاد، استوعب منهجيته التحليلية الفائقة وقدرته على إبداء الرأى المبنى على تحليلات قد نتفق أو نختلف حول بعضها؛ لكننا قد لا نختلف حول احترامها وتقدير الرؤية التى تكمن خلفها وتتجلى من خلالها أيضا، مثلما نرى فى هذا الكتاب المهم «دماء على جدار السلطة».

 

التعليقات