الجمعة 24 فبراير 2017 10:18 م القاهرة القاهرة 17°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في حالة استفتاء الشعب على ضم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بم ستصوت؟

الثورة ماغلطتش

نشر فى : الخميس 30 يناير 2014 - 10:55 ص | آخر تحديث : الخميس 30 يناير 2014 - 5:18 م

نشرت لى صحيفة الجارديان فى الأسبوع الماضى مقالا يسرد أحداث السنين الثلاث الماضية سردا سريعا. وسياسة الجريدة فى صفحات الرأى هى وضع العناوين القوية والتى تطالب بشىء مبدئى، ولذا جاء عنوان مقالى، الذى لم أستحسنه لكنى أجزته: «على مصر أن تتعلم من أخطاء الثورة». وشغلت بعدها بهذه الجملة الآمرة؛ أتساءل: أية أخطاء؟ ومن الذى أخطأ؟ ومن الذى عليه التعلم؟ فالجملة ليست فقط العنوان الذى اختير لمقالى هناك، لكنها أيضا موضوع يتكلم ويكتب فيه الكثيرون.

هنا: أخطاء الثورة

الثورة ليست فردا أو جهازا أو مؤسسة لنقول إنها أخطأت، فالثورة ظاهرة، وطاقة، وطموحات وأفكار ومبادئ. والثورة لم تخطئ بل أخطئ فى حقها. ونرى الاستمرار والتمادى فى هذا الغلط فى حق الثورة ــ ليس فقط فى التنكر لآليات الاحتجاج ذاتها مثل التظاهر أو مثل اقتحام مقار أمن الدولة، وليس فقط فى الاستمرار فى قتل وسحل الشباب ــ وإنما فى مظاهر الاحتفال المختلفة بالثورة، بدءا من النصب القمىء الذى قذفوا به وسط الصينية فى ميدان التحرير (وأعود إليه فى مقال لاحق)، إلى أحاديث وزير الداخلية عن أن الشرطة «فى القلب من الثورة»، إلى توزيع الهدايا على الناس واختزال طموحات الشعب فى كام بطانية.

الثورة غلط فى حقها من كانوا محسوبين عليها ولم يقوموا بدورهم. فما هى هذه الأدوار؟ لا أعتقد أننا بحاجة لأن نكرر أن الشرطة، وواجبها أن تحمى الشعب، قاتلته وقتلته إلى أن اضطرت أن تنسحب مهزومة. ولا لأن نعيد أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة ــ الذى وعد بحماية الثورة ــ ولو أنه فى الحقيقة لا شأن له بالأمور الداخلية. أما الشباب والشعب، فقد جرى العرف على تقريعهم على أنهم لم يتحدوا ولم تكن لهم قيادة ولا أهداف واضحة ولا برنامج.

فأما عن البرنامج والأهداف والبدائل فكانت ولا تزال موجودة وواضحة وكتب فيها الكثيرون وأعادها علينا مالك مصطفى منذ أيام فى مقال بديع. ومع ذلك، فتحميل الشباب المسئولية عن ثورة ٢٥ يناير غلط. مافيش شاب صادق ادعى أنه قام بالثورة أو «فجر» الثورة حسب الكليشيه السخيف الذى روجه الإعلام وما أكثر الكليشيهات السخيفة التى يروجها الإعلام. كنت موجودة فى أول اجتماع لمجموعة من الشباب الثورى مع مجموعة من القيادات السياسية القديمة وكان ذلك يوم ٣٠ يناير وكتبت وقتها: «ستة من الشباب كلهم فى العشرينات، حين يدخلون تدخل معهم دفعة من الطاقة.. لا يعتبرون انهم مسئولون عن تحريك الجماهير ولا عما يحدث فى الشارع، يقولون انهم بالكثير حركوا ٢٠٪ ممن خرجوا يوم ٢٥، اما البقية كلها وما تلا ذلك فقد كانت حركة تلقائية عضوية فاجأتهم كم فاجأت الناس كلها». وكان هذا هو الموقف السائد عند جميع الشباب. علاء عبدالفتاح قال «لسنا قادة الميدان، نستطيع فقط أن نقول إن الميدان يحبنا» ــ قال هذا فى وقت كان الناس ينظرون لقيادة الثورة على أنها شرف ووسام وعمل بطولى.

لم يقم الشباب بالثورة.

الشباب ــ والكبار أيضا ــ كانوا ينزلون إلى التظاهر والاحتجاجات لسنين وسنين، والأمن يحاصرهم، وتسوء الأمور وتتشعب فينزل الناس إلى الاحتجاجات حتى صارت معظم فئات الشعب فى البلاد فى حالة احتجاج دائم.

قتلت الشرطة خالد سعيد فى يونيو. ودعت صفحة خالد سعيد الناس إلى الخروج يوم ٢٥ يناير للاحتجاج على عنف الشرطة وفجرها. لو لم تكن الناس محَمَلة ومخنوقة من الشرطة ومن النظام، لو لم تكن جرائم الشرطة تملأ الهواء الذى يتنفسه الناس، لو لم تكن جثامين الغلابة تُرمى من شبابيك الأقسام و«أمناء» الشرطة «فارضين إتاوات» فى الشوارع والمساجين بتتنفخ فى السجون والشباب بيتلفق لها قضايا ــ لو لم يكن كل هذا، هل كانت الناس ستستجيب لدعوة على فيسبوك بالنزول إلى الشارع للاحتجاج؟

دعوة، قدمها شابان، للاحتجاج من أجل قليل من الكرامة، من أجل أن يجمعوا كلمة الناس ضد ممارسات الشرطة ويجيبوا حق خالد سعيد.

الناس نزلت الشارع، كل على مسئوليته. لم يجبرهم أحد. هل الشباب كان لهم إعلام؟ لهم قناة أولى وتانية وتالتة وأقمار صناعية وجرايد ومحطات إذاعة؟ لأ. لم يكن عندهم أى شىء من هذا. وحتى النت والمحمول قفلته عليهم الدولة بتواطؤ من الشركات. لم يكن للشباب / للثوار أى وسيلة للضغط على الناس أو حشدهم أو غسيل مخهم. النظام «الغبي» الذى يحكى عنه الألتراس هو الذى حشد الناس، ودفعهم، وزنقهم، إلى أن جاءت اللحظة الربانية التى قرروا فيها النزول للشارع، ثم اللحظة اللى بعدها، يوم ٢٨ لما قرروا الاستمرار فى الشارع.

وفجأة أصبح فيه «شباب ثورة» وأصبح مطلوبا من شباب لا يمتلك التنظيم ــ وهل كان يسمح لأحد أن يقيم تنظيما جديا فى العقود الكثيرة السابقة؟ ــ ولا الخبرة الحقيقية فى العمل السياسى ــ لنفس السبب، ولا يحتكم على أى أموال (على عكس الشائعات المغرضة والجداول الساذجة التى روجت لها السلطات مرات ومرات) إنه خلال أيام يؤسس لتنظيم يستطيع أن يواجه به المجلس العسكرى ويقول أتركها لنا، سنحكم نحن هذه البلاد!

الشباب عمل اللى عليه. شباب دعا للاحتجاج. وشباب خرج للشارع. وشباب ضرب الشرطة المتجبرة المتوحشة وحرق أقسامها التى شهدت تعذيبه وإهانته ــ ولنذكر أنه لم يحرق الجنود والضباط الذين قاموا بهذه الإهانة والتعذيب. لنتذكر هذا دائما. وشباب تمسك بالأرض. وشباب نزل يسعف. وشباب مات. وشباب راح للقيادات السياسية المعارضة القديمة ــ لأنه شباب عاقل وليس متهورا أو مجنونا، أو أهبل أو عاوز سلطة وجاه ــ راح للقيادات اللى بعضها محسوب علينا من عقود وبعضها من قريب. وماذا فعلت هذه القيادات المعارضة القديمة؟

ده بقى هو السؤال. من نزل إلى التحرير واعتصم مع الشباب؟ هل وضعت القيادات المعارِضة القديمة المجلس العسكرى فى موقف إنه إما أن يتفاوض مع قوة مدنية سياسية موجودة وظهيرها الميادين أو يسحل ويقتل أسماء ورموزا كبيرة ستُنزل إلى الشارع من لم ينزل بعد وستجلب إليه غضبة المجتمع العالمي؟ كان سيحسبها ألف حساب. لنتذكر أن جيشنا لم يكن بعد قد اعتاد قتلنا. كانت أيام ضرب النساء فى الشارع، وتخييط الجروح فى المستشفيات بدون بنج، وقذف المتظاهرين بأطقم الصينى من الموشاة بشعار مجلس الشعب والتبول على الناس من سطح رئاسة مجلس الوزراء ــ كان كل هذا فى المستقبل. فى أوائل الثورة كان الضباط يقسمون لنا أنهم لن يطلقوا الرصاص ــ حتى وإن جاءتهم الأوامر. فى تلك الفترة هل خاطرت القيادات السياسية القديمة بقلامة ظفر من أجل أن تنصر الشعب الحامل روحه على كفه فى الميدان؟ القيادات السياسية وأعلام النخبة هم الذين خذلوا الثورة وليس الشباب. خذلوها حين ترددوا وحين تمنعوا، وحين لم ينزلوا إلى الناس ونزلوا إلى المجلس العسكرى، حين لم يقووا على الاتحاد ونكصوا بالوعود وبدلا من أن يرتفعوا باللعبة السياسية لتليق بمقام الثورة والشعب الذى صنعها كان جهدهم أن ينزلوا بالثورة إلى حسابات و«توافقات» السياسة ــ الحسابات والتوافقات التى لم تجد عليهم بأى نجاح يذكر إلى الآن.

تركوا الشعب والشباب فى الميادين بينما هم فى الاجتماعات مع المجلس العسكرى، وبينما هم لجان ومستشارون للمجلس العسكرى وبينما هم فى المداولات مع النخبة» أو النخب المختلفة ــ ثم يستدير الجميع ويشير إلى الشباب ويصرخ أنهم لم يعملوا بالسياسة ولم يقدموا البديل، ولم يستطيعوا أن يتحدوا، ويتم توزيع الأدوار، والإعلام مرة جديدة هو الواجهة والبوق: تسريبات تليفون خايبة، واتهامات أخيب.

أقول هذا، ليس للتبرئة، فالثورة لا تزال تعبر عن أنبل ما فينا، ولكن للتوضيح: المسألة ليست أن اضربوا واحبسوا كل شاب وشابة تتظاهر وتعترض وتحتج فتنتهى الثورة. الثورة ظاهرة، وطاقة، وطموحات وأفكار ومبادئ. وهى اليوم ــ عند غالبية الشعب ــ كامنة. ولكن، وكما يكتب علاء فى نصه الحديث من طرة: «لا نملك أن نقدم للناس إلا أَعلامنا، ولا نتقن إلا تحريضهم على الحلم، لا حول ولا قوة لنا إلا الحب؛ يحبوننا عندما تغالبهم شجاعتهم ويكتشفون قوتهم، ويكرهوننا عندما تغلبهم مخاوفهم ويقتنعون بضعفهم وحاجتهم لقوة خارجهم!!» نحن على مفترق طرق، وإن لم يتأكد الناس أن البلاد تسير فى اتجاه أحلامهم وطموحاتهم، سيتذكرون قوتهم ويستردون شجاعتهم ويقومون مرة أخرى لتصحيح المسار.

التعليقات