الأربعاء 26 سبتمبر 2018 5:53 ص القاهرة القاهرة 24.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

القوة العربية المشتركة: تساؤلات ضرورية

نشر فى : الإثنين 30 مارس 2015 - 9:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 30 مارس 2015 - 9:45 ص

أى عمل عسكرى هو عمل سياسى وحديث القوة هو حديث فى السياسة وأهدافها ومصالحها.

عندما نتحدث عن عمل عسكرى عربى مشترك فإنه من البديهى أن نتساءل عن الأفق السياسى الذى تتحرك تحته قوة السلاح.

أين مواضع الخطر ومصادر التهديد؟

هذا سؤال فى الأمن القومى لا يمكن تجنب طرحه بجدية ولا يصح الالتباس فى إجابته.

بالنسبة لأطراف عربية رئيسية تدعم مشروع القوة العربية المشتركة فإن العدو هو إيران حيث يتمدد نفوذها.

وبالنسبة لأطراف أخرى فإن الأولوية للحرب على الإرهاب وتنظيماته التكفيرية حيث وجدت فوق تضاريس المنطقة المشتعلة بالنيران.

حيث ترتبك الإجابة يصعب الرهان على مستقبل المشروع كله، فالحرب المفتوحة مع إيران حماقة سياسية بلا حد وانجراف إلى صراعات مذهبية بلا تعقل.

هناك فارق جوهرى بين مناهضة تغول الدور الإيرانى بأكثر مما هو طبيعى ومحتمل وبين إعلان حرب مفتوحة تمتد من الدولة إلى المذهب ومن الاختلاف إلى الوجود نفسه.

إيران ليست إسرائيل، ومن غير المقبول بأى قياس قومى استبدال الثانية بالأولى.

هذا خلط مريع فى الأوراق يقوض نهائيا أى تطلع لعمل عربى عسكرى مشترك يحظى بأى قدر من الاحترام.

فى الوقت نفسه لا يوجد تعريف متفق عليه للإرهاب، وبعض الدول المرشحة للانضمام إلى القوة المشتركة تدعم جماعات تعتبرها دولا أخرى إرهابية.

بوضوح كامل لا يقاس على ما جرى فى حرب اليمن من تفاهمات عسكرية وسياسية فى الملفات الإقليمية الأخرى.

لكل ملف حسابات تخصه، وقد كان التدخل محتما لضمان أمن الخليج، وهو يدخل مباشرة فى الأمن القومى المصرى.

إن أى تردد فى الالتزام بأمن الخليج خطيئة سياسية غير أن الشطط فى الخصومة مع إيران خطيئة أخرى.

الشطط يفضى إلى هوس فى العداء وتورط فى صراعات مذهبية لم تعرفها مصر ولا انخرطت فى خطابها التحريضى.

فى بيئة إقليمية تسودها النزاعات المذهبية فإن الطرف المرشح لقيادتها هو الأكثر بعدا عن مواطن الفتن، وقد كان الأزهر الشريف على عهد شيخه الجليل «محمود شلتوت» سباقا فى الدعوة إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية فى ستينيات القرن الماضى.

بالإضافة إلى ذلك فإن الحرب المفتوحة مع إيران ليست قرارا عربيا محضا، فللدول الغربية الكبرى مصالحها وحساباتها وصفقاتها المحتملة مع طهران.

اللافت هنا أن الدول الغربية التى وفرت الغطاء الدولى للعمليات العسكرية فى اليمن هى نفسها التى تدعو الآن إلى أفضلية العودة إلى الحل السياسى.

وهذا يؤشر إلى أننا بصدد العودة فى أقرب وقت ممكن لموائد التفاوض من جديد بقرار غربى تؤيده روسيا والصين فضلا عن إيران نفسها.

لم يكن قرار العمليات العسكرية فى اليمن عربيا خالصا، فقد شاركت الولايات المتحدة فى دعم العمليات العسكرية استخباراتيا ولوجيستيا وخططت لها عبر غرفة مشتركة ودعت حلفائها إلى دعمها سياسيا واستخدمت العمليات فى وضع إيران تحت الضغط بالربع الساعة الأخير من مفاوضات مشروعها النووى.

بذات القدر فالتوجه المرجح للغاية للتسوية السياسية ليس عربيا محضا.

لم تكن مصادفة أن ترتفع بدرجات مختلفة فوق منصة القمة العربية دعوات التسوية السياسية وفق حقائق القوة وموازينها الجديدة، فهذه هى قواعد اللعبة وحدودها.

أين القاهرة من التسويات المحتملة فى الأزمة اليمنية؟

هذا سؤال ضرورى قبل أى نقاش عن أية مهام عسكرية مشتركة أخرى.

إذا لم تكن العاصمة المصرية طرفا مباشرا فى أية تسوية محتملة للأزمة اليمنية فإن دورها يتأذى بأكثر من أى توقع.

القيادة لا تخص حركة السلاح والقدرة على مهامها بقدر ما تعنى فعل السياسة والوفاء بمتطلباتها.

وإذا مددنا الخيط إلى آخره من الأزمة اليمنية إلى أزمات المنطقة الأخرى الأكثر خطورة واشتعالا فإن القوى الدولية النافذة لا يمكن أن تترك أحاديث القوة المشتركة تمضى وفق ما يقرره العرب دون تدخل وضغط لإعادة تكييف الفكرة وفق مصالحها.

أى كلام آخر هو الوهم نفسه.

السؤال هنا عن الإرادة السياسية الجماعية وما إذا كان بوسعها أن تقاوم الضغوط عليها.

لم تكن السعودية متحمسة للمقترح المصرى وبدت أميل إلى الرفض فى صمت، فهى تدرك قواعد اللعبة الدولية فى الخليج والمنطقة التى يصعب خرقها على نحو واسع وأن أطرافا نافذة لا ترحب بالتطلع المصرى إلى بناء نفوذ جديد فى المنطقة عبر القوة المشتركة، فجيشها بكل المقاييس العالمية أقوى الجيوش العربية وأكثرها جاهزية.

ولم تكن الموافقة العربية إجماعية، فالجزائر تحفظت بتساؤلات ومخاوف والعراق عارض المشروع خشية أن يكون موجها ضد حليفه الإيرانى، ودول أخرى سايرت الكلام لكنها لا تنتوى أن تساهم فى هذا الحلف العسكرى لأسباب تخصها.

من المثير أن المتناقضات السياسية فى المنطقة باستثناء طهران وأنصارها أجمعت على دعم العمليات العسكرية فى اليمن من مصر وقطر إلى فتح وحماس إلى الجيش الحر فى سوريا والجيش الوطنى فى ليبيا إلى الإخوان المسلمين والجماعات الأكثر تطرفا.

الأكثر إثارة أن تركيا تلح فى الوقت بدل الضائع على الالتحاق بما تسمى «عاصفة الحزم» ودعمها لوجيستيا وتعرض خدماتها البحرية والجوية بينما تشن حملة غير مسبوقة على إيران التى ترتبط معها بتفاهمات وعلاقات وثيقة.

الإلحاح التركى فى أحد وجوهه من طبيعة التنافس الإقليمى مع مصر. وفيما يبدو أن استبعاد استنبول من التحالف العسكرى فى اليمن استهدف إرضاء القاهرة التى كان وجودها أكثر من ضرورى لإضفاء شرعية عربية على العمليات العسكرية.

أجواء الهرولة العسكرية اكسبت مقترح القوة العربية المشتركة زخما أزاح مؤقتا التحفظات السعودية لكن لا يمكن الوثوق فى مستويات الالتزام على مدى طويل نسبيا.

مستقبل المشروع كله يقرره السياسيون لا العسكريون، فقبل الحديث فى تشكيل القوة وطبيعتها وهيكلها ومهامها وعتادها وقيادتها يتوجب البت فى أفقها السياسى، متى تتدخل وبأى شروط.. وأين أولوياتها ووفق أية رؤية للأمن القومى.

باليقين فإنه يصعب إسناد أدوار عسكرية للقوات المشتركة فى مواجهة الإرهاب وتنظيماته، فهذه مسألة دولية بقدر ما هى إقليمية وتحتها خطوط حمراء غليظة، فضلا عن أن بعض الدول التى تشارك فى القوة المشتركة منخرطة فى دعم جماعات عنف وإرهاب بسوريا والعراق وليبيا، وهذه مأساة ماثلة.

باستثناء الأزمة اليمنية غابت فى القمة العربية أية توافقات من أى نوع فى أية أزمة أخرى ولا تبدت أية احتمالات للحوار الجدى بقصد التوافق.

كان مثيرا أن الذين يتبنون الحسم العسكرى فى سوريا لاجتثاث نظام «بشار الأسد» يدافعون فى الوقت نفسه عن الحل السياسى فى ليبيا خشية تصفية جماعات حليفة.
العكس بالضبط ساد المداخلات المضادة.

لا توجد قاعدة تفاهم والأولويات متناقضة بقسوة والصدام مرشح للتفاقم على أكثر من جبهة.

هذا هو وقت المصارحة بالحقائق حتى لا تتقوض أكثر الأفكار نبلا فى بناء قوة عربية مشتركة كأنها أمنية حامت فوق منتجع شرم الشيخ.

الأفق السياسى أولا وثانيا وثالثا قبل أى حديث عن العمل العسكرى المشترك.