الخميس 14 ديسمبر 2017 4:20 ص القاهرة القاهرة 14.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

حتى لا تضيع منا الثورة: تصور لحل وسط

نشر فى : الإثنين 30 مايو 2011 - 9:39 ص | آخر تحديث : الإثنين 30 مايو 2011 - 9:39 ص
مرة أخرى تتدهور العلاقات بين شركاء الثورة المصرية العظيمة بعد خلافهم الجديد حول المشاركة فى جمعة الغضب وبدأ التراشق الإعلامى والسياسى الحاد والكثيف بينهم تتخلله اتهامات تكرر بعضها أثناء خلافهم الأول حول الاستفتاء على التعديلات الدستورية. وبات واضحا من المشهد المؤسف أن الثورة تمر بمنعطف خطير للغاية يمكن أن يهدد إذا ما استمر أداء القوى والأحزاب السياسية المتصارعة كما هو بالعصف بالإنجاز العظيم والتاريخى للشعب المصرى كله وليس لأحد من هؤلاء.

والعصف بالثورة ليس مجرد وهم أو توقع متشائم وإنما هو نتيجة قد تكون منطقية للصراع غير العقلانى والمحموم بين شركائها السابقين وفرقائها الحاليين، حيث إن استمراره بهذه الطريقة الحمقاء التى يجرى بها يوسع تدريجيا من فجوة عدم الثقة المتنامية والخطيرة بينهم وبين عموم المصريين الذين باتوا ينظرون إلى هؤلاء «السياسيين» باعتبارهم مجرد متصارعين على أهداف ومصالح «خاصة» وليس أهداف ومصالح الشعب والوطن.
الأزمة الحقيقية هى أن صراع الشركاء أو الفرقاء السياسيين المتركز كله تقريبا حول قضايا ذات طابع سياسى محض، من قبيل الدستور وانتخابات الرئاسة والبرلمان والمجلس العسكرى والمجلس الرئاسى المدنى، يبدو بعيدا للغاية عن اهتمامات غالبية المصريين العاديين التى تدور فى فلك البحث عن الأمن المفتقد والخوف المتزايد من تدهور أحوالهم الاقتصادية والمعيشية. ويبدو هذا الوضع فى حالة استمراره كفيلا بالوصول إلى نتيجتين كلاهما خطرها شديد على مستقبل الثورة: الأولى، أن يعود الحال فى مصر إلى ما كان عليه قبل الثورة من وجود أغلبية ساحقة من المصريين عازفة عن المشاركة فى الحياة السياسية خوفا أو فقدانا للثقة أو لعدم وجود مصلحة مباشرة منها وفى مقابلها أقلية من القوى السياسية والحزبية المنخرطة بما يشبه «الاحتراف» الناقص فى هذه الحياة السياسية، بما يجعل الثانية ليست هى التعبير الطبيعى والمفترض عن هموم وتطلعات الأولى. أما النتيجة الثانية الخطيرة فهى أن يؤدى هذا التفاوت فى الاهتمام بين النخبة السياسية وعموم المصريين إلى أن تكون الفجوة المتزايدة الاتساع بينهما هى المدخل الملائم للقوى المضادة للثورة لكى تواصل سعيها لتخويف عموم المصريين من الثورة وتطوراتها وجذبهم ناحيتها لكى ينقضوا معها عليها ويعيدوا مصر إلى سابق عهدها المستبد الفاسد.

•••

إن هذه المخاطر الهائلة التى تهدد الثورة ومستقبل البلاد وشعبها تحتاج اليوم إلى وقفة مسئولة من الطرف الرئيسى فى تفاعلات وصراعات اليوم فى مصر وهو القوى السياسية والحزبية المشتبكة فيها بضراوة. والوضع يبدو محددا وواضحا، فريق الإخوان المسلمين ومعهم حلفاؤهم من بعض القوى الإسلامية وغير الإسلامية فى مقابل فريق القوى المسماة بالمدنية من يسار وليبراليين وقوميين وفصيل صغير من الإسلاميين، والخلاف دائر بينهما حول ثلاث مسائل رئيسية: الأولى، هى مدى الالتزام بخارطة الطريق التى نتجت عن الاستفتاء على التعديلات الدستورية والتى جعلت أولى الخطوات هى إجراء الانتخابات البرلمانية وآخرها هى وضع الدستور الجديد وانتخاب رئيس الجمهورية، حيث يرى الفريق الأول أنه يجب الالتزام بها حرفيا بينما يرى الفريق الثانى أن يتم البدء بوضع الدستور الجديد وتأتى بعده الانتخابات الرئاسية ثم البرلمانية. وتتعلق المسألة الثانية بتمسك الفريق الأول باستمرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى إدارة البلاد حتى الانتهاء من تطبيق خارطة الطريق السابقة، بينما يطرح قسم من الفريق الثانى أن يتشكل مجلس رئاسى مدنى به ممثل للقوات المسلحة لكى يدير البلاد بدلا من المجلس العسكرى. أما المسألة الثالثة فهى تتعلق بمضمون الدستور القادم وبصورة أخص ما يجب أن تكون عليه طبيعة الدولة فى مصر من زاوية علاقة الدين الإسلامى بالسياسة وطبيعة النظام المقترح فى مصر بين البرلمانى والرئاسى.

•••

والوقفة المطلوبة اليوم فى مصر هى أن يجنح الفريقان المتصارعان بشعور عميق بحجم المسئولية الهائلة الملقاة عليهما نحو الوصول إلى حل وسط تاريخى بينهما فيما يخص المسائل الثلاث السابقة، وهو ما يمكن أن يجد أساسا له فى اقتراح محدد. ويقوم الاقتراح بداية على القبول بنتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية واعتبار أن الإعلان الدستورى هو أساس الاجتهاد والحل الوسط دون أى تجاوز له. وهنا يجب القول صراحة بأن المسألة الثانية الخاصة بتشكيل مجلس رئاسى إنما هى غير واردة لخلو الإعلان الدستورى من أى إشارة إليه، ومن ثم يظل المجلس العسكرى فى أداء مهمته بإدارة البلاد حتى الانتهاء من تطبيق الخطوات الأخرى. أما عن المسألة الأولى وهى خارطة الطريق الموجودة فى الإعلان الدستورى، فالحقيقة أن إعادة قراءته وتفسير بعض مواده يفتح الباب لحلول وسط عديدة.

فمن ناحية يمكن تأجيل إجراء الانتخابات البرلمانية ثلاثة أشهر فقط إلى ديسمبر القادم وذلك بحكم أن المادة (41) منه توجب أن «تبدأ إجراءات انتخاب مجلسى الشعب والشورى خلال ستة أشهر من تاريخ العمل بهذا الإعلان»، وهو ما يعنى أن تبدأ الإجراءات قبل نهاية سبتمبر على أن تجرى الانتخابات فى ديسمبر بعد أن ينص على هذه المدد الزمنية فى قانونى مجلسى الشعب والشورى عند صدورهما.

كذلك فإن الإعلان الدستورى لم ينص صراحة على جعل انتخابات رئيس الجمهورية تالية للانتخابات البرلمانية، ولكنه أضمر هذا فى مادته رقم (27) عندما جعل من بين شروط الترشيح أن يؤيد المتقدم ثلاثون عضوا على الأقل من الأعضاء المنتخبين لمجلسى الشعب أو الشورى بالنسبة للمستقلين، وأن يكون لكل حزب حصل على مقعد على الأقل بطريق الانتخاب فى أى من مجلسى الشعب والشورى فى آخر انتخابات أن يرشح أحد أعضائه لرئاسة الجمهورية. والحقيقة أن تفسيرا آخر لهذه المادة لا يجعل من وجود مجلسى البرلمان شرطا مسبقا لإجراء انتخابات الرئاسة، حيث إنه من الوارد فى لحظة ما أن يكون المجلسان منحلين أو انتهت مدتهما بينما يحل موعد انتخابات الرئاسة، فهل يجب عندها تأجيلها حتى يتم تشكيل المجلسين؟ والإجابة الأقرب للدقة بلا، حيث يمكن الاكتفاء بشروط الترشيح الأخرى الواردة فى المادة السابقة، وهو ما يمكن الاعتماد عليه الآن فى تحديد موعد مبكر لانتخابات الرئاسة قبل انتخابات البرلمان.

•••

أما المسألة الثالثة الخاصة بالدستور الجديد واللجنة المكلفة بصياغته، فإن حسم الخلاف وتشكيل توافق حول القضيتين الرئيسيتين المختلف حولهما وهما طبيعة الدولة والنظام المقترح بين البرلمانى والرئاسى، يمكن أن يبدأ فورا بالحوار الجاد المكثف حولهما دون غيرهما سواء فى إطار لجنة الوفاق القومى أو أى لجنة أخرى مستجدة بشرط أن يشارك فيها الفريقان المتصارعان ويتقدم كل منهما بمقترحاته المكتوبة بشأنهما، بحيث تكون نقاط التوافق بمثابة المرشد للجمعية التأسيسية التى ستتكفل بالصياغة النهائية للدستور بحسب الإعلان الدستورى. ومن الممكن أن تتكفل نفس هذه اللجنة باقتراح أسماء أعضاء تلك الجمعية التأسيسية لكى يأخذ بها البرلمان عند تشكيله أو بمعظمها فى ظل حالة التوافق المشار إليها وضمن مدة الأشهر الستة المنصوص عليها فى المادة (60) من الإعلان الدستورى. ووفقا لهذه التفسيرات والمقترحات الجديدة تطبق المادة (61) من الإعلان كما هى بأن «يستمر المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى مباشرة الاختصاصات المحددة فى هذا الإعلان وذلك لحين تولى كل من مجلسى الشعب والشورى لاختصاصاتهما، وحتى انتخاب رئيس الجمهورية ومباشرته مهام منصبه كلُ فى حينه».

 

ضياء رشوان  كاتب مصري وباحث في شئون الجماعات الإسلامية
التعليقات